Minbar Libya

بقلم جيفري ستاسي

إن الحرب الأهلية الليبية التي باتت مسرحا لفيلق من القوى الخارجية تقترب من أن تحول البلاد إلى سوريا جديدة.

ليبيا تبدو المرشح الأخير لتدخل خارجي لا تهديد فيه بهدف منع النزاع. لكن الدول المتعددة التي تدعم أطراف النزاع تهدد بتحويل البلاد إلى ساحة تنافس دولية مثل سوريا.

فقد سقطت مدينة سرت المعروفة فيما انضمت جماعات جديدة من المرتزقة إلى معركة ليبيا، وقطعوا صادرات الحكومة من النفط. وتحول البلد وبطريقة مدهشة إلى حالة تعلّم العالم سلسلة من الدروس من “المسؤولية للحماية” إلى “القيادة من الخلف” و”اليوم التالي”، وتبدو مفارقة ساخرة إن لم تكن مأساوية أن تكون عن محاولة منع النزاع.

فمنع الحرب يظل على قائمة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويترش مع أن المهمة صعبة.

وبناء على الحكمة التقليدية فقد ظلت ليبيا مستنقعا لعدم الاستقرار والفتنة ومثالا نموذجيا عن صعوبة منع النزاع وتحقيق الاستقرار بعد وقفه.

وباختصار فهي صورة عن مخاطر إعادة بناء الأمم.

لكن قراءة لتاريخ البلد بعد الإطاحة بالقوة بالقذافي عام 2011 تكشف عن تمتع البلاد بالاستقرار لمدة عامين قبل دخولها بالفوضى، وعام أو عامين قبل انزلاقها إلى نزاع متقطع.

ولو وضعنا جانبا الأسطورة حول دخول ليبيا إلى حالة من الفوضى مباشرة بعد القذافي والنظرة الفاحصة للأيام الواعدة في الأيام التالية والفرص التي أضاعها الغرب لمنع حدوث النزاع لاكتشفنا حالة كاشفة.

فلم ينتشر النزاع في طرابلس إلا بعد ثلاثة أعوام، حيث بدأ ميزان القوة بالانحراف من القادة السياسيين والبيروقراطيين إلى الميليشيات المسلحة التي سيطرت في النهاية على السلطة.

ففي المجال التي تطلق عليه الأمم المتحدة عملية بناء السلام، إدارة الأزمة بلغة الاتحاد الأوروبي هي تحقيق الاستقرار، وإعادة البناء بلغة الناتو والولايات المتحدة، فقد كان التركيز دائما على العمليات غير العسكرية في مرحلة ما بعد النزاع.

ومن النادر ما تم القيام بعمليات منع النزاعات لأنها صعبة التحقق ولعدم وجود فرص أو أمثلة ناجحة عن منع النزاعات.

ولو زعمت أنك أوقفت النزاع بدون مقياس لتعرف من خلاله درجة نجاحك فالطريق للأمام سيكون خطيرا. وفي الحقيقة فشل المجتمع الدولي بانتهاز ليس فرصة واحدة بل اثنتين لمنع النزاع في ليبيا.

كانت الأولى عندما بدأت الميليشيات المسلحة في طرابلس بتأكيد نفسها وبشكل مفتوح في شوارع العاصمة وقبل اللجوء إلى العنف المسلح. واللوم يقع هنا على إدارة الرئيس باراك أوباما الذي تبنى شعاره المعروف “القيادة من الخلف”، وهو ما وصفه لاحقا “أسوأ خطأ” ارتكبه في رئاسته مع الاتحاد الأوروبي.

وكانت ألمانيا هي التي امتنعت عن التصويت على قرار لمجلس الأمن. وتعهدت بعد ذلك للمسؤولين الأمريكيين أن تكفر عن هذا بالتغلب على زملائها في الاتحاد الأوروبي والقيام بعملية تعزيز استقرار لما بعد النزاع ووافقت على تمويلها.

إلا أن الاتحاد الأوروبي فشل بالتوصل إلى الإجماع المطلوب للقيام بالعملية. وكان الاتحاد الأوروبي يضيع الوقت لكي يحتل مكانه الثاني، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تتخلى فيه عن موقعها القيادي.

ولهذا السبب أضاع الغرب فرصة منع النزاع. ولم تدخل ليبيا إلى حالة من عدم الاستقرار وبالضرورة حرب أهلية على وتيرة منخفضة إلا في عام 2014. وظلت البلاد في حالة من عدم الاستقرار حتى قامت الأمم المتحدة بتعزيز حكومة الوفاق الوطني.

وكان هذا نجاحا ضد كل المعوقات في ظل تأثير الميليشيات على ليبيا. والفضل يعود إلى المبعوث الأممي غسان سلامة ورئيس الوزراء فائز السراج.

وفي ذلك الوقت كانت ليبيا تعاني من ثالوث عدم استقرار: الوجود الجديد لتنظيم الدولة في سرت، وعدم الاستقرار السياسي الذي أظهر حالة انقسام وبرلمانين: واحد في طرابلس وآخر في طبرق، ومحاولة ما يطلق عليه الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر للسيطرة على الشرق والذي يحاول حاليا السيطرة على كامل البلاد.

ولم يكن حفتر يسيطر في ذلك الوقت إلا على شرق ليبيا. وقام السراج بمساعدة سلامة بمناشدة الناتو والاتحاد الأوروبي محققا نجاحا. ووافق الطرفان على القرارات التي اتخذها مجلس حلف الشمال الأطلنطي واللجنة الأمنية والسياسية في الاتحاد الأوروبي على زيادة عمليات الاستقرار.

وهنا المشكلة، فلم يقم أي من المجلس ولا اللجنة بتنفيذ الخطط التي تم الإعداد لها بشكل جيد. وكانت المخاوف من إرسال عاملين في مجال الاستقرار إلى منطقة تشهد حربا أهلية المشكلة الكبرى. وشكل هذا خطرا مزدوجا للسراج وبلده.

ولم تكن الأمم المتحدة التي عملت بدأب قادرة على إنجاز الكثير بنفسها، فقد تحملت نصيب الأسد في محاولات جمع قادة الميليشيات ودفعهم للتوافق على حكومة الوفاق الوطني. مع أن النجاح لم يكن ليتأتى إلا من خلال تطبيق قابل للمهمة أو “الثلاثي العالمي” حيث يعمل الاتحاد الأوروبي جنبا إلى جنب مع الناتو والأمم المتحدة.

وفي غياب تجمع دولي موحد توصل حفتر إلى حسبة وهي أن الأمم المتحدة لن تكون قادرة على منع عمله العسكري. ولو قام الناتو والاتحاد الأوروبي بتنفيذ الخطط بدعم من الولايات المتحدة لما حدثت الأزمة العسكرية في جنوب طرابلس.

وكان يجب الالتفات لما قاله فلاديمير بوتين في قمته مع دونالد ترامب أثناء قمة هلسنكي في فنلندا، وهو أنه يرغب بأن لا تكون أمريكا طرفا في الحرب الليبية. ومن العوامل التي أضافت للفوضى الليبية هي تدخل روسيا ومصر والإمارات العربية المتحدة والسعودية وفرنسا إلى جانب حفتر. وتدخل إيطاليا وتركيا وقطر إلى جانب حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

ليبيا تشبه اليمن وتدخل وليي عهد السعودية وأبو ظبي، محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، في هذا البلد. وكما هو الحال في بقية دول المنطقة تبدو هذه الدول في الجانب الخطأ من التاريخ وفي وقت تقوم به بالمساهمة بعدم الاستقرار في ليبيا بطريقة تشبه لعبة الأمم في البحر المتوسط.

وفي الحقيقة أنشأت الإمارات قاعدة عسكرية لها في شرق ليبيا واستقبلت مصر قاعدة روسية. وتبدو الازدواجية الفرنسية القائمة على دعم حفتر من جهة ودعم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة فاشلة منذ البداية وتدخلا وأكبر تدخل غربي مخادع في الفترة الحديثة.

ويجب لوم الناتو والاتحاد الأوروبي على تضييع الفرصة الثانية لمنع النزاع في ليبيا، وقبل أن تتدخل روسيا، بالسر أولا في النزاع ومن ثم نشر قوات خاصة للانتشار في غرب مصر.

وتقتضي الحكمة التقليدية بقدرة قوات حفتر على السيطرة على كل البلاد، إلا أن حكومة الوفاق الوطني وحلفاءها تبادلوا النجاحات مع قوات حفتر، فيما لم تعد الكثير من الميليشيات الموالية لحفتر على ولائها له، بالإضافة لتدخل تركيا نيابة عن حكومة الوفاق الوطني.

ونتيجة لهذا هناك فرصة شرعية لاتفاق وقف إطلاق النار وعملية مشاركة في السلطة تساعد عليها فرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية.

ومن بين الدول تستحق فرنسا الشجب لدورها في ليبيا لأنها تحدت الحلفاء الغربيين وقدمت الدعم لحفتر وجيشه الوطني بالتدريب والسلاح. ومن هنا فعلى فرنسا قيادة مهمة دبلوماسية في طرابلس والتوصل لصفقة سياسية. وعليها أولا دفع حفتر والميليشيات التابعة له إلى الالتزام بخطة السلام التي تقودها الأمم المتحدة.

وتتحمل إدارة دونالد ترامب المسؤولية لأنها تجاهلت ليبيا، وهو تعبير واضح عن عقيدة ترامب الانعزالية. فقد تخلى مثلا عن الأكراد السوريين ولكنه أرسل آلافا من الجنود الأمريكيين إلى السعودية. ويتحمل الناتو والاتحاد الأوروبي مسؤولية لدرجة ما على ما جرى في ليبيا ولكن مسؤولية الأمم المتحدة تظل قليلة. وحقق سلامة تقدما في العام الماضي رغم المعوقات، ويقوم الأمين العام أنطونيو غويترش بدور فعال في العملية.

وبناء على الدور الذي تلعبه تركيا بتدخلها الواسع إلى جانب حكومة الوفاق فيجب أن يسهم في جهود تعزيز جهود السلام الشاملة. والوقت في ملعب المجتمع الدولي للعمل كفريق واحد لمساعدة ليبيا، من أجل مواطنيها وكذا المصالح الأمنية المشتركة للعالم.

وفي الحد الأدنى فيجب على الولايات المتحدة وألمانيا وتركيا وإيطاليا دعم الجهود الفرنسية لدفع مفاوضات جنيف والعمل على إنهاء النزاع في ليبيا.

ترجمة القدس العربي

***

جيفري ستاسي، المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية والمستشار الحالي للأمم المتحدة ومؤلف كتاب سيصدر قريبا “صعود الشرق، نهاية الغرب”

___________

ناشيونال إنترست