Minbar Libya

 بقلم محمد سي بشير

لا تنفكّ أوروبا تبرز وجهاً قبيحاً لديها، يميّز، جدّاً، بين مصالح تراها عليا وتريد تجسيدها في مقابل أخرى لدول المنطقة، تراها غير ذات أهمية،

وهي (أوروبا) صاحبة التصرّف فيها، كأنّ الاستعمار ما زال هو الوضع الذي عليه بلدان استقلّت منذ عقود، ولها سيادة في قراراتها وفي إدراكاتها التحدّيات التي تحول بينها واستكمال لبنات بناء الدّولة وتجسيد التّنمية لتجفيف منابع التردّيات الأمنية المزمنة في شمال أفريقيا والسّاحل.

هذه المقالة عن سياسات الاتحاد الأوروبي إزاء إشكاليات المنطقة بالتركيز، أساساً، على صعود الشعبوية وتداعياتها على إدراك القطب الأوروبي تلك الإشكالات، إضافة إلى الدور الفرنسي المريب في الإبقاء على تلك الإشكاليات، من دون حل في إطار ثنائية الأمننة/ الاستقرار، وهما استراتيجيتان مختلفتان إلى حدّ التناقض.

في البدء، بعد تردّي الأوضاع في ليبيا ثمّ، من جرّاء ذلك، في مالي، سارعت فرنسا، بمساندة أوروبية، في عام 2012، إلى التّدخل وفق قرار أممي، ولكن في إطار إدراك للتهديد لا يأخذ في الاعتبار التّركيبة الإثنية، البنى الأنثروبولوجية، فضلاً عن الاهتمام بتداعيات الرّؤية الأمنية البحتة على مصالح الدُّول والسّكان، على حدّ سواء، في منطقة السّاحل.

وللتأكيد على الدّوافع المنافحة عن مصالح فرنسا، الدولة الاستعمارية السابقة لكل دول الساحل، من دون أدنى اهتمام لمصالح السّاحل برمته، يمكن إيراد المؤشرات التالية، ولعل أهمها، على الإطلاق، التعامل مع المنطقة في اتخاذ قرار التدخل دونما تشاور أو تنسيق، ما يشير، حقيقة، إلى بقاء عقلية السياسة المعروفة بـاستراتيجية فرنسا الأفريقية، المؤسّسة على اعتبار المنطقة، بل مستعمرات فرنسا السّابقة في القارّة، مناطق نفوذ تاريخية،

بدليل أنّ للرؤساء الفرنسيين، على الدّوام، مهما كان توجّههم السياسي والأيديولوجي، في قصر الإليزيه، مستشاراً خاصّاً بدول القارّة، يُعتبر، في عرف تلك الاستراتيجية، المفكّر والمنفّذ الأوّل لرؤى فرنسا في القارّة.

يأتي الحديث عن التدخّل الفرنسي، باعتبار أنّ باريس هي المحرّكة لسياسة الاتّحاد الأوروبي إزاء الدّول الأفريقية الفرانكفونية، أي الناطقة بالفرنسية، والتي كانت، سابقاً، مستعمراتٍ فرنسية.

ومن ذلك المنطلق، فإنّها من بادرت بالعمليات العسكرية إلى احتواء ما أطلقت عليه انتشار ظاهرة الإرهاب، ورديفه الهجرة غير الشّرعية في مناطق شاسعة في الساحل تُعتبر مناطق رمادية، أي لا ينسحب عليها تحكّم سلطات الدول الساحلية، وبالتالي هي مناطق من السّهل السّيطرة عليها من الجماعات المسلّحة، جماعات تهريب البشر والمهرّبين.

في هذا الإطار، يتبع الاتّحاد الأوروبي سياسات غير مُجدية، بسبب إدراكه المزدوج المعايير الأمنية، فما يصلح لأمنه، مؤسساته ومواطنيه، مغاير لما يصلح للدول الأفريقية الواقعة في الساحل، لأنها، وفق الرؤية الأوروبية، موطن الإرهاب والهجرة غير الشرعية، الآفتين اللتين يعمل على القضاء عليهما.

ولكن من دون التفكير في تداعيات ذلك على إدراك/ رؤية الأفارقة الساحليين أمنهم وأصل السياسة العامة الفاشلة، إضافة إلى استعصاء المنطقة، برمتها، على الخروج من الدائرة الضيقة للآفتين.

بالنتيجة، فشل الاتحاد الأوروبي، وما يزال، في إيجاد حلول للمعضلة الأمنية التي تؤرّق راحة استفادته من موارد المنطقة الطاقوية والمعدنية.

وزاد الطين بلّة فشله في اختيار حلفائه، سواء الدوليين أو الإقليميين، لاحتواء التردّي الأمني، ومنع الحرب من التمدّد، لأن أغلبهم إنّما يبحث عن مصالحه، ويدافع عن إدراكات ضيقة، لا تتعدى قضايا الثورة المضادّة، بالنسبة لبعضهم، أو حجز مكان في سوق العرض الكبير لإعادة الإعمار صفقات الاستفادة من الموارد والطاقة، بعد انتهاء الحرب واستتباب السلام، وفق تلك الرؤية، ليس إلّا.

يصل هذا الفشل بالمنطقة، وهنا نتحدث عن ليبيا، فقط، إلى ما نراه، ماثلاً، أمام أعيننا، من استعصاء الحل بعد فشل ألمانيا، القوة الكبرى في الاتحاد الأوروبي، من احتواء المعضلة الأمنية الليبية في برلين، أخيراً، ولو من خلال هدنةٍ تتمكن، بعدها، الأطراف المنخرطة من الضّغط على فايز السّراج (حكومة الوفاق) واللواء المتقاعد خليفة حفتر، للجلوس حول طاولة مفاوضاتٍ دفعاً نحو حل للحرب.

وقد انتهى اجتماع برلين لتعود الحرب أوسع ممّا كانت عليه، من خلال تدفق السّلاح، برّاً، جوّاً وبحراً، ومن خلال إصرار المساندين، لهذا الطرف أو ذاك، على أن السّلاح هو المسعى الأجدى لحلّ المعضلة.

وما كان للاتحاد الأوروبي إلّا أن رضخ للأمر الواقع، وانصرف ليهتم بشؤون أخرى، انتشار مرض كورونا، وهجرة آلاف السوريين المحتملة بعد فتح تركيا حدودها للاجئين الفارّين من أتون الحرب الدائرة في إدلب.

يأتي التساؤل المهم، هنا: ما هي التداعيات المحتملة على الصراع في ليبيا والأوضاع، بعد ذلك،

في الساحل، بما أنه الامتداد الطبيعي لأي تردٍّ أمني، على غرار ما حدث في عام 2012 وما يزال؟

لعلّ الإجابة الأقرب إلى الصحة أنّ ثمّة مصلحة أوروبية/ أطلسية في بقاء دار لقمان على حالها، لعدة اعتبارات، قد تكون أبرزها الحاجة الملحة لتبرير استراتيجية رفع ميزانية حلف شمال الأطلسي، ومشاركة الأعضاء الأوروبيين في الأعباء المالية له، بما أنها الرغبة الأميركية الأكثر إلحاحاً، في السنوات الأخيرة.

أمّا المصلحة الأخرى الملحّة، أيضاً، فهي الإبقاء على الظروف الصراعية ساخنة، منعاً للمنافسين، الصين وروسيا، أساساً، من امتلاك موطئ قدم راسخة في المنطقة (ليبيا الساحل) والاحتفاظ بالساحة فضاءً حصرياً لحلف شمال الأطلسي، وللفاعلين الأوروبيين (فرنسا خصوصاً)،

لا سيما وأن ذلك يتزامن مع ضمور الفعل الاستراتيجي للفاعلين المحليين، الجزائر والمغرب، أساساً، لأسبابٍ كثيرة في مقدمتها طبعاً الإرادة في الإبقاء على الاتحاد المغاربي من دون تفعيل لإمكاناته في لعب دور استراتيجي في حلّ المعضلة الليبية، أو منع استمرار التدخل الفرنسي/ الأوروبي في الساحل، العمق الاستراتيجي للمغرب العربي الكبير.

تشكّل تلك الرّؤى الأولويات التي يمكن وصفها بالخاطئة في الإدراك الأوروبي لإشكالات المنطقة، وسبل إيجاد حلول لها، أساس الاستراتيجية التي يصرّ على الاستمرار في أدائها، على الرغم من أنّ الأوضاع الحالية للوضع الأمني تؤكّد فشلها الذريع في احتواء الحرب، بل تصرّ تقارير أوروبية كثيرة تصدر عن مراكز بحث رسمية، باستمرار، على تسمية الوضع بالكارثة، وترسم صورة مستقبلية سوداوية، على كل المستويات،

لكن ذلك لا يؤدّي، ألبتّة، إلى اقتراح تصحيحاتٍ أو تغييراتٍ على تلك الأولويات الاستراتيجية، بل تعمل الحكومات المتعاقبة على تكرارها، والإصرار على الاستمرار فيها.
لنصل، هنا، إلى الإجابة الأخيرة عن السؤال المطروح، من حيث الفعل الاستراتيجي للفاعلين المحليين، والذي أصبح ملحاً أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن الفشل الليبي أو الساحلي بتداعياتهما، كليهما، فعلان أمنيان ضاغطان بشدة على مستقبل المركب الأمني لغرب المتوسط والمنطقة الساحلية – الصحراوية.

وطالما لم تدرك الجزائر والمغرب ذلك، باستمرار الحرب، ستكون المعضلات التدخلية الإقليمية والدولية سيئة على أوضاع المنطقة، ولكن بأدوات أخرى، وصور كارثية أزماتية أكبر.

الحاجة ملحّة، إذاً، لتعاضد أمني، وإعادة بعث للمنتظم المغاربي، وعمل مشترك استراتيجي على مستوى أعلى، بالنظر إلى الفشل الأوروبي/ الفرنسي/ الأطلسي في احتواء المعضلة الليبية وامتدادها الطبيعي، أي الوضع الحالي للتردّي الأمني السّاحلي، فهل من مصغٍ؟

***

محمد سي بشير ـ أستاذ جامعي وباحث جزائري

____________