Minbar Libya

بقلم زهراء لنقي

لا تعاني ليبيا من مجرد انقسام على المستويين السياسي والأمني، بل بالإضافة إلى ذلك، فهناك انقسام وتدهور على المستويات الدستورية والنُظُمية والهوياتية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والجهوية والثقافية والقيمية في آن واحد.. ما لا تنفع معه المقاربة الأحادية.

الجزء الأول

جوهر التأزم في ليبيا يتجلى على جميع المستويات. فما تعاني منه البلاد ليس مجرد انقسام على المستويين السياسي والأمني، بل هو بالإضافة إلى ذلك انقسام وتدهور على المستويات الدستورية والنُظُمية والهوياتية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والجهوية والثقافية والقيمية في آن واحد.

إن تعدد مستويات التأزم يستلزم مقاربة كلية ولا تنفع معه مبادرات تعتمد مقاربات أحادية.

هناك قصور في إدراك مفهوم الشعور الجمعي بالانتماء للوطن، ومفهوم بناء الدولة وفي تطبيق هذه المفاهيم.

مفهوم الوطنيةهو تصور تشترك في حمله جماعة من الناس قد يكونون متعددي الأعراق والثقافات، ولكنها ترتبط بوطن ويشترك أبناؤها وبناتها في شخصية مشتركة ذات خصائص فريدة، ويتذكرون سرديات مشتركة، ولهم هموم مشتركة.

وقد ظهر القصور في فهم الفكرة في الانقسامات والإقصاء على أساس دوائر الانتماء، وفي صعود هويات جزئية (قبلية /جهوية /عرقية) على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

كما يظهر القصور في سوء إدارة الخلاف الحاصل بشأن قضايا الهوية.. في ضعف التصدي لظواهر خطيرة كالتطرف وانتشار ايدولوجيات دينية. ولعله من المفيد لفهم طبيعة الخلل لدى شرائح من الليبيين في إدراك فكرة الوطنيةاستحضار نهج وسياسات حكم الفرد المطلق في تمزيق نسيج البلاد وإهدار رأس المال الاجتماعي وتشويش الذاكرة التاريخية لمدة 42 سنة.

ظهر القصور في فهم فكرة الانتماء للوطن وبناء الدولة وتطبيق هذه المفاهيم في الانقسامات والإقصاء على أساس دوائر الانتماء، وفي صعود هويات جزئية (قبلية/ جهوية/ عرقية) على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

تعاني المنطقة برمتها، لا ليبيا فحسب، من إرث ثقيل فيما يتصل بمفهوم الدولة الوطنية.

فكما يشير نزيه أيوبي في كتابه تضخيم الدولةإلى أن الدولة تعاني عجزاً وتفتقد إلى شرعية إنجاز تنمية وتحقيق ترشيد مؤسسي، ولكنها تعتمد في بقاءها على ركيزتين أساسيتين، وهما احتكار الثروة في نموذج الاقتصاد الريعي واحتكار العنف في نموذج الهيمنة العسكرية.

ويضيف عبد الإله بلقزيز إلى هذه الإشكالية ضعف فكرة الدولة في المخيال العام، ويوضح ذلك بأنه لم تنشأ في المنطقة تاريخياً دول وطنية كما نشأت في الحالة الأوروبية بعد نزاع ثم بعد بناء توافق.

كما يرى أن الدولة في منطقتنا لا تملك رؤية ومشروعاً، ولذلك لم تُصغ حضوراً لها في الوعي الجمعي.

كما أنها تعاني من ضعف التمثيل المجتمعي، وهو ما يذكرنا بالإشكالية التي أشار لها جويل ميغدال في كتابه الدولة الضعيفة والمجتمع القويوإلى ضرورة فهم السياقات الثقافية المختلفة التي تنشأ فيها الدول، وأنه هناك مجتمعات كمجتمعاتنا التي تمتاز بوجود كيانات اجتماعية كالقبائل أو الطوائف، تمتاز فيها طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع بالدينامية.

فالدولة تساهم في صياغة المجتمع تماماً كما يساهم المجتمع في صياغة الدولة، لا يهيمن أحدهما على الآخر. وأي إغفال لتلك الطبيعة من شأنه أن يكرس فشل مشروع الدولة.

لم تكن ليبيا استثناء في هذا المشهد القائم على هشاشة الدولة وقيامها على ركيزتي احتكار الثروة واحتكار العنف، وبالتالي هي سلطة أكثر من كونها دولة.

بل كانت التجربة الليبية أقل هشاشة نظراً لحداثة تجربة الدولة الوطنية بها حيث استمرت دولة الاستقلال 19 عاماً فقط، وبعد ذلك تحولت ليبيا إلى نظام حكم فردي مطلق عمل على هدم ممنهج لمؤسسات الدولة الوليدة.

ولذلك من المهم استحضار أن غالبية الأزمات التي تواجه الليبيين اليوم على مستوى الدولة هي نتاج لنهج وسياسات حكم الفرد المطلق التي دأبت على توظيف مفاهيم الزحف الجماهيريلاهدار قيم التداول السلمي للسلطة وسيادة القانون، كما هي نتاج انقطاع استمر 42 سنة للحياة الدستورية.

وهذا لا ينفي اعتبار سوء تعاطي معظم الفاعلين السياسيين الراهنين خلال المرحلة الانتقالية.

ظهرت أولى أعراض القصور في إدراك مفهوم الدولة الوطنية وبناء الدولة، في سوء إدارة الخلاف المتصل بالشرعية الدستورية ومسألة التداول السلمي للسلطة وكيفية معالجة مسألة الانقطاع الدستوري وإقدام المجلس الانتقالي على إصدار إعلان دستوري جديد (بناء على شرعية ثورية جديدة) إيغالاً في انتهاك الشرعية الدستورية.

ظهر القصور في طريقة بناء الأجسام الرسمية خلال المرحلة الانتقالية، وتحديد اختصاصاتها، التي انطوت على عشوائية وتكريس لروح المغالبة والغنيمة وإهدار لمبادئ دستورية بديهية كمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ومبدأ عدم تركيز السلطة. وقد ظهر ذلك جلياً في تداخل الاختصاصات التشريعية والتنفيذية.

كما ظهر أيضاً في غياب التوازن بما يتصل بتوزيع الثروات والتوازن الاقتصادي بين الأقاليم الثلاثة.

كما ظهر في سوء إدارة الخلاف الذي برز بشأن تصور الحل النظمي الأمثل، وما إذا كان الأفضل تبني النظام الفيدرالي أم الموحد.

.. وفي استمرار إصرار قطاعات واسعة من المجموعات غير النظامية على حمل السلاح وعدم تسليمه تسليماً طوعياً للدولة والانخراط في مؤسساتها.

لكن الاهم هو القصور في إدراك ضرورة تلازم جهود إعادة بناء البلاد مع جهود إعادة بناء الدولة عبر بناء التمثيل السياسي“. فأغلب القوى السياسية المتصارعة، الحزبية وغيرها كما قياداتها، لم تأتِ من قواعد اجتماعية أرضية وليست لها جذور في تربة مجتمعية، وليست ممثلة لشرائح ليبية.

هي قيادات فوقية أقحمت نفسها في المشهد وادعت أنها ممثلة لكتل مجتمعية.

وهناك قوى سياسية أخرى تمثيلها ضعيف. أي أنها لا تمثل كتلا مجتمعية ذات ثقل معتبر. هذا في الوقت الذي تدعي فيه هذه القوى بأنها ممثلة لقطاعات واسعة من المجتمع الليبي.

احتكرت نخبة ليست لديها جذور مجتمعية إدارة المرحلة الانتقالية وطرح الحلول والتفاوض حول مصير البلاد. وقد أرخى هذا الخلل الجوهري بظلاله على المرحلة الانتقالية والحوار السياسي والمفاوضات مُخلفاً تهميشاً وإقصاءً للقوى المجتمعية.

والنتيجة هي أنه قد استقر في وعي المجتمع قناعةٌ بغياب الملكية الوطنية لإدارة المرحلة الانتقالية وغياب الملكية الوطنية لأي دستور سيخرج من رحمها مما تترتب عليه صعوبة تطبيقه.

أغلب القوى السياسية المتصارعة، الحزبية وغيرها، كما قياداتها، لم تأتِ من قواعد اجتماعية أرضية وليست لها جذور في تربة مجتمعية، وليست ممثلة لشرائح ليبية. هي قيادات فوقية أقحمت نفسها في المشهد وادعت أنها ممثلة لكتل مجتمعية.

إن إقصاء القوى المجتمعية عن الإسهام في إدارة المرحلة الانتقالية والاستماع لرأيها فيما يتصل بالحلول المطروحة، يمثل انتهاكاً صارخاً لجوهر فكرة الحياة الدستورية الذي مفاده أن الحياة الدستور القويمة ثمرة لتعاقد بين جميعأصحاب المصالح وإن المراد من الحلول المطروحة والوثائق تنظيم الاجتماع السياسي للمجتمع بأسره، لا تنظيم علاقات القوى المتصارعة صاحبة النفوذ فقط.

وقد نتج عن ذلك الابتعاد عن مقاربة الانطلاق من الإرادة المجتمعيةإلى مقاربة الانطلاق من إرادة القوى السياسية وحلفائهم الخارجيين، أي مقاربة المحاصصة.

يتبع في الجزء الثاني

***

زهراء لنقي ـ ناشطة بين مؤسسات المجتمع المدني وخبيرة في التنوع الاجتماعي وحل النزاعات وبناء السلم الأهلي. متخصصة في منع ومكافحة التطرف وفي سلام المرأة والأمن والمصالحة والحوارات الوطنية.

__________