Minbar Libya

بقلم زهراء لنقي

لا تعاني ليبيا من مجرد انقسام على المستويين السياسي والأمني، بل بالإضافة إلى ذلك، فهناك انقسام وتدهور على المستويات الدستورية والنُظُمية والهوياتية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والجهوية والثقافية والقيمية في آن واحد.. ما لا تنفع معه المقاربة الأحادية.

الجزء الثاني

إن الهم الأكبر الذي يشغل الإرادة المجتمعيةمنذ بدء انتفاضة فبراير 2011 هو إزالة العوار الجوهري الذي أصاب الحياة الدستورية في ليبيا، وإنهاء حالة غياب الدستور التي سادت أربعة عقود ونيف والتي كان جوهرها مصادرة الإرادة المجتمعية“.

إصلاح العوار الدستوري الجوهري لم يكن مجرد همّ راهن أو طارئ بالنسبة لليبيين، بل إن جذوره قد ضربت عميقاً في تربة الاجتماع السياسي الليبي منذ بدء نضوج فكرة الدولة الوطنية في مرحلة الاستقلال.

وأخطر ما يكتنفه تعامل القوى المتصارعة وتعامل البعثة الأممية مع التفاوض الجاري هو تكريس الخلافات بين الأطراف المتصارعة في الدستور وهو ما يعرف باسم دسترة الخلافات” – وذلك من خلال استحداث مواد دستورية تكتفي بتنظيم هذه الخلافات والحيلولة دون تفاقمها.

إن هذا الأمر يمثل انتهاكاً صارخاً لجوهر فكرة الدستور التي مفادها أنه إطار لتكريس التوافق والتوحد لا لتكريس الخصومة والانقسام.

إن ضعف بنية القوى السياسية التي يُرجى منها أن تقود عملية التسوية وبناء السلام هو قصور إضافي في هذا المجال. فهناك غياب للخبرات السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية والاقتصادية والتنموية في بنية كل فريق يمثل طرفاً من الأطراف الليبية المتصارعة، ومن ثَمّ فهي عاجزة عن بلورة رؤى واستراتيجيات طويلة المدى للحل.

وكان يمكن لهذه الخبرات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والتنموية، والخبرات عابرة التخصصات إذا ما وجدت، أن تُسهم في تشخيص الشروخ التي أصابت جدار الوعي الجمعي على المستوى السياسي والأمني والهوياتي والاقتصادي.

وكان بإمكانها أن تسهم في تصميم حوار علمي يعالج أسئلة جوهرية جادة وأن

تسهم إسهاماً حقيقياً في ترميم بعض الشروخ.

وقد ظهر القصور ايضاً لدى القوى الدولية المؤثرة التي فرضت منذ بدء المرحلة الانتقالية مقاربة الوصفة الديمقراطية الجاهزةالتي تُقدم لغالبية البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية. أبرز عناصر هذه الوصفة الجاهزة إجراء انتخابات تشكيل أحزاب سياسية كتابة دستور جديد إجراء استفتاء على الدستور الجديد“.

وعندما لم تحقق الوصفة الجاهزة النتيجة المرجوة، إضطرت القوى الدولية أن تجري حواراً سياسياً بين الأطراف. لكن الحوار السياسي نفسه لم يكن سوى وصفة جاهزة بديلة. أي أن القوى الدولية المؤثرة لم تخرج عن التفكير النمطي ضمن القوالب المعهودة.

أخطر ما يكتنفه تعامل القوى المتصارعة، وكذلك تعامل البعثة الأممية مع التفاوض الجاري هو تكريس الخلافات بين الأطراف المتصارعة في الدستور وهو ما يُعرف باسم دسترة الخلافات” – وذلك من خلال استحداث مواد دستورية تكتفي بتنظيم هذه الخلافات والحيلولة دون تفاقمها.

هذا على الرغم من أن تجارب كثيرة خلال نصف القرن الماضي أسفرت عن أنه ليست هناك وصفة انتقال جاهزة تصلح لجميع البلدان وتتوافق مع جميع النزاعات. فأنماط التنظيم السياسي في مراحل الانتقال تختلف من بلد لآخر. كما أن طبائع النزاعات وإمكانات حلها تختلف من بلد لآخر.

ولعله من المهم الإشارة هنا إلى بعض تلك الدراسات التي توضح أن ثمة إشكالية كبرى في مقاربة المجتمع الدولي (لاسيما مقاربة المدرسة النيوليبرالية) لإعادة بناء الدول الفاشلةحيث تجنح معالجتها للمقاربة المؤسساتية فقط التي تركز على ما يُعرف بالحوكمة الرشيدةوادراج سياسات إصلاحية اقتصادية، دون الالتفاف للحاجة الماسة لمعالجة مسألة الشرعية وأهمية معالجة التماسك والتجانس السياسي الاجتماعي للمجتمعات.

وعلى الرغم من كل ما سبق، فإن هذا التأزم يظل محدوداً كيفاً وكماً بالمنظار النسبي. فالتأزم والخلل المفهومي والسلوكي منتشر بين بعض الشرائح وليس بين جميع الليبيين.

ولعله جدير بالملاحظة أن الجهود المحلية التي تصب في العبور نحو مرحلة الاستقرار حالت دون حصول ما يعرف بالانتكاس. كما حالت دون انزلاق البلاد في هاوية الحرب الأهلية بمداها الكامل.

ويظل العامل الخارجي حاكماً في إذكاء هذه الصراعات الداخلية والاختناقات، وهو مما لا يمكن اغفاله لأهميته الكبيرة.

وإن كان التأزم في المراحل الانتقالية التي تشهد تدخلات خارجية كثيفة هو أمر طبيعي لأن القوى الدولية التي ترى أن لها مصالح تبذل كل ما في وسعها للتأثير في المرحلة الانتقالية لكي تؤسس لنفسها ركائز لتلك المصالح ولكي تحافظ عليها خلال مرحلة الاستقرار.

أوغلت القوى المتصارعة في محاولة توظيف القانون والتقاضي كأداة سياسية، وبالغت في ذلك مبالغة شديدة، ما أوصل الجميع إلى متاهة، ولا أحد قادر على إبصار المخرج. والكل يرتجل، وهذا الارتجال سيضاعف حالة التيه ولن ينهيها.

إذا سلمنا أن جوهر تأزم الانتقال السياسي والدستوري في ليبيا هو قصور إدراك مفهوم الوطنية وتطبيقاته فكيف السبيل لإزالة هذا القصور؟ يبدأ الامر بتوضيح معاني المفهوم من خلال التوعية والتعليم والتثقيف بكافة الوسائل المتاحة، وهي كثيرة.

ثم بإطلاق مبادرات عملية تصب في تجديد البنية الوطنية، ومنها إرساء مفهوم دوائر الانتماء المتصالحة، وصياغة ميثاق اجتماعي وطني يقوم على إعادة تعريف الشخصية الوطنية وبيان سماتها المشتركة والسمات الفريدة الخاصة بكل من مكوناتها، وإعادة ضبط السرديات الجمعية وتحسين أداء الذاكرة الجمعية.

ولابد أن تكون هذه المعالجة اجتماعية سياسية في المقام الأول، ترتكز إلى مقاربة قاعدية أساسها المحليات. ومن وسائل ضمان نجاعة هذه المعالجة توظيف القوى المجتمعية وعلى رأسها الشباب والنساء.

ومن خطوات تجديد إعادة بناء الدولة صياغة عقد اجتماعي يقوم على تصحيح أسس التمثيل السياسي المتوازن، وتصحيح توزيع السلطات لكيلا يحصل تركيز للسلطة، وتحسين صيغ توزيع الثروة على أسس مفاهيم العدالة الاجتماعية، وتفعيل الإدارة اللامركزية وآليات الحكم المحلي، وتحسين الرقابة والمساءلة بكافة صورهما، ونزع السلاح وتفكيك الكتائب المسلحة وفقاً لمعالجة أمنية / اقتصادية (وليس أمنية فحسب)، وإعلاء قيم سيادة القانون ومبادئ حقوق الانسان ورفع كفاءة القضاء والأطر البديلة لتسوية النزاعات.

وربما يمثل مفهوم المواطنة القائمة على احترام التعددية الثقافية واحدة من نقاط الارتكاز. ولا بد من مراعاة تراتبيةُ الخطوات. ولابد من اعتماد مقاربة كلية للإصلاح.

يتبع في الجزء الثالث

***

زهراء لنقي ـ ناشطة بين مؤسسات المجتمع المدني وخبيرة في التنوع الاجتماعي وحل النزاعات وبناء السلم الأهلي. متخصصة في منع ومكافحة التطرف وفي سلام المرأة والأمن والمصالحة والحوارات الوطنية.

_______