Minbar Libya

بقلم خالد التومي

إن المصالحة الوطنية هي مشروع سياسي؛ يهدف إلى استعادة السلم والأمن الاجتماعي في الدولة من ناحية، وإلى المحافظة على الاستقرار السياسي من ناحية أخرى؛

عندما يكون هدف الدولة الواقعة في أزمات أو حروب للبحث عن الطريقة المُثلى للخروج من الوضع الذي هي فيه؛ عادةً ما تلجأ هذه الدولة إلى استيراد الحلول التي وضعتها مثيلاتها من الدول للخروج من أزماتها.

إلا أن بعض الدول تُركز على إيجاد الحلول بنفسها انطلاقاً من واقعها، باعتبار أن الحلول المبنية على نجاح التجربة في دولة أخرى ليست بالضرورة أن تنجح في دولتها، وخاصةً أن التجربة هي في الواقع لتحقيق الاستقرار السياسي، ولو كان بأية وسيلة، باعتباره عاملا مهما في الارتقاء بمكانة الدولة داخلياً وخارجياً.

وذلك لأن الفرق واضح بل شديد الوضوح بين دولة تتمتع باستقرار سياسي وأخرى تفتقد لذلك، وخاصةً إذا ما كان السبب ناتجا عن الفراغ السياسي، وتدهور الأوضاع الأمنية في داخل الدولة، وتفشي العنف بين أطياف شعبه.

مفهوم المصالحة الوطنية

إن مصطلح المصالحة متعدد الأبعاد من حيث التعريف به، وخاصةً في حالة عدم ربطه بجانب من الجوانب التي تعطيه الصبغة المُعرفة له بحسب الحالة التي تصاحبه في التعريف؛ فمثلاً في مجال علم النفس من خلال مصالحة الذات، وفي المجال الاجتماعي من خلال المصالحة الأسرية، وفي المجال السياسي من خلال المصالحة الوطنية.

حيث إن صفة مصطلح المصالحة هي من أصل كلمة الصُلح، وهذا لِما ورد في أصول اللغة التي تؤسس لكل كلمة بيان، ومعنى، ومضمون، ومفهوم.

تعريف المُصلح في اللغة

المصلح هو الشخص الذي:

ـ يُصلح وينظم شيئاً أو يُصالح ويفض النزاعات

ـ يسعى لحصول المُصالحة بين الأطراف المتنازعة

ـ يحاول بحرص على أن يصل الناس للاتفاق

ـ يُصحح أو يُشير إلى الخطأ

ـ يُلفت الانتباه إلى الأخطاء ويعمل على تصحيحها

ـ يكون سببا للناس في أن يُصبحوا أصدقاء مرة أخرى بعد الشجار

ـ لديه ميل فطري للإصلاح

ـ يقوم بكل ما سلف ذكره دون أي مصلحةً خاصة ينتظرها، أو فائدة شخصية يرتقبها.

وفي التأسيس من صَلُحَ يُصلح أي زالَ عنه الفساد، وفي الأصل الإصلاح ضد الفساد، والحقيقة أن الإصلاح نقيض الإفساد، وأصلح الشي بعد فساده أي أقامه، وأصطلح القوم أي زال ما بينهم من عداوة وشقاق.

إذاً المعنى الرئيسي للفظ الصلح في اللغة هو إزالة الشقاق، وإنهاء الخصومات، ووقف العداءات، وإحلال المودة والوئام، ومن ثم يحل السلام، وإحلال الخير والإصلاح بشكل عام.

تعريف المصالحة في الاصطلاح الشرعي

هي مُعاهدة يُرفع بها النزاع بين الخصوم، ويتوصل بها الخصوم إلى اتفاق بين المختلفين أي بمعنى وقف العنف بين الخصوم واللجوء إلى القواسم المشتركة لتأسيس ما يصبوا إليه الطرفان.

وهذا بحسب سبب النزاع أو الاختلاف فمثلاً في حالتنا هذه نقول لتأسيس حكومة وطنية موحدة.

إذاً مضمون المعنى للمُصالَحة هو الاتفاق الذي يعقده المتنازعون ليفضوا نزاعاً قائماً، أو ما إذا كان متوقعاً، بحيث يتنازل أحد أطراف النزاع عن شيء من مطالبه.

تعريف المصالحة في الاصطلاح الإجرائي

هي استراتيجية تنتهجها الدولة من أجل حل النزاع أو الخروج من أزمةٍ ما، والتي قد تصيبها جراء أعمال العنف، أو ما شابهها، وهذا من شأنه أن يُمكّن الدولة من استعادة السلم والأمن، والقضاء على الصراعات الداخلية التي يمكن أن تهدد استقرار الدولة.

تعريف المصالحة الوطنية

هي توافق وطني يستهدف تقريب وجهات النظر المختلفة، ورأب الصدع، وردم الفجوات بين الأطراف المتخاصمة أو المتناحرة، حيث إن المصالحة الوطنية في حقيقتها هي السعي المشترك نحو إلغاء عوائق الماضي، واستمراريتها السياسية، والتشريعية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وتصحيح ما ترتب عنها من الأخطاء والانتهاكات.

وبالتالي العمل على القطع النهائي من قِبل الجميع في اللجوء إلى العنف في معالجة الملفات المختلف عليها، والحث بشكل مستمر في النظر بتفاؤل إلى المستقبل، وذلك من خلال التأسيس في الحاضر للبوادر غير المزيفة أو الكاذبة للديمقراطية.

وهي تلك التي تُعد شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية التي تكون ضرورية لمساعدة المجتمع على الانتقال من ماضٍ يسوده الانقسام إلى مستقبل يتشارك فيه الجميع؛

وذلك بتأسيس المجتمع على أُسس شرعية، وقانونية، وتعددية ديمقراطية في ذات الوقت، كما أنها وسيلة من وسائل حل الخلافات، والمنازعات، والأزمات بين الأشخاص والأطراف، وحتى الدول في إطار ودي وسلمي.

تمتاز المصالحة الوطنية عن غيرها من الوسائل الرسمية لتسوية الخلافات وحل المنازعات، بأنها الأكثر بساطة ورشادة من حيث التكاليف، والجهود، والوقت، والفعالية، والشمولية، ومن حيث جذرية الحل أيضاً، حيث تُعد أيضاً بأنها قرار سياسي عقلاني يحظى بقبول غالبية الشعب، لأنها تهدف إلى تحول ديمقراطي يساهم بشكل فعال في بناء دولة تحترم حقوق الإنسان، وهنا نجدها تندرج كسياسة ضمن الاستراتيجيات العامة للدولة.

وبطبيعة الحال لن يتمكن هكذا مشروع من بلوغ النجاح إلا إذا توفرت له شروط، منها؛ وجود الحُكماء، والُنزهاء، والأكفاء، والعادلين، والمقبولين، من قِبل مجموع أطراف النزاع، وقبول الأطراف المتنازعة الجلوس إلى بعضهم جلسة الند للند، وإظهار القابلية الحقيقية للإصغاء النشيط للآخر.

كما ينبغي أن يتم تحديد الغايات البعيدة من المصالحة وأهدافها المرحلية، وتدقيق بنود هذه الأهداف، وجدولة إجراءاتها بحسب الزمان والمكان المُعين لها، وتحديد المعتدي والمعتدى عليه، ومراجعات كل منهما، وربط المصالحة بالإصلاح الشمولي مع العمل سوياً من أجل ضمان عدم تكرار الاعتداء المعني وعدم التساهل، سواءً في الحاضر أو المستقبل، مع باقي الاعتداءات الممكنة على حقوق الناس وحرياتهم.

يتبع في الجزء الثاني

***

خالد التومي ـ أكاديمي ليبي، دكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية، باحث بالمركز القومي للبحوث والدراسات العلمية، طرابلس

________________