Minbar Libya

بقلم خالد التومي

المصالحة الوطنية هي مشروع سياسي؛ يهدف إلى استعادة السلم والأمن الاجتماعي في الدولة من ناحية، وإلى المحافظة على الاستقرار

السياسي من ناحية أخرى؛

.

.الجزء الثالث

المصالحة الوطنية من حيث الواقع

في الواقع إن تجربة المصالحة الوطنية ظلت حقلاً مفتوحاً لجهود مجموعات وأفراد خيرين صدقوا النوايا وبذلوا جهوداً جبارة، إلا أنهم لم يحصدوا ثمار عملهم نتيجةً لإشكاليات كانت دائماً ما تواجههم في استمرار تحقيق بنود المصالحة التي توصلوا إليها، وهذا بالرغم من أهمية هذه الجهود في وقف العنف وإيقاف نزيف الدم وتسهيل الحياة العامة لسكان في تلك المناطق التي استطاعوا الوصول لاتفاق فيها.

إلا إنها لم تكن ضمن خطة وطنية شاملةً في هذا الإطار، كما أنها اعتمدت على مسار وحيد من مسارات المصالحة، وبالتالي لم تتطور إلى وضع إنساني إيجابي، بل تعرضت للانتكاس بعد الاتفاق على الصلح.

وهذا لأن الصلح ليس مطلبا حقيقيا لأبرز الأطراف السياسية والعسكرية حتى هذه اللحظة، وما يزال رهان تلك الأطراف على تغيير المعادلة السياسية والأمنية من خلال تدافع القوة المادية، وليس بالحوار الجاد الشامل المباشر الذي يضع على الطاولة كافة نقاط النزاع الرئيسية كالثروة والنفوذ، وضمان توزيعها بشكل مُرض، لضمان استمرار ما تم الاتفاق عليه.

أما عن واقعنا الحالي وبتجرد من عاطفة الانتماء، ووصلاً بتجارب الماضي في الصلح الاجتماعي، يتبين بأن المصالحة الوطنية في حد ذاتها سواء كانت بصفتها المجتمعية أو بصفتها الشاملة في شكلها الحالي، قد انحرفت من كونها وسيلة لتصبح غاية، حيث إنها تقف عند عقبات عديدة أهمها غياب ضمانات التنفيذ وحسن النوايا وهو ما سبب في فشل جُل المحاولات التي استقت معاييرها من العرف الاجتماعي.

وهذا لأن الوضع الحالي في ليبيا الآن مختلف تماماً، والمسار التصالحي ذو الطابع التقليدي لن يصل إلى حل مجتمعي شامل لعموم الوطن أي بمعنى مصالحة وطنية تُرضي كِلا الطرفين المتضرر والمتسبب في الضرر.

كما نستطيع القول؛ بأن كافة تلك الجهود من الخيّرين الذين صدقوا النوايا وبذلوا جهوداً جبارة التي اتخذت من المصالحة الوطنية هدفهاً، إلا أنها قاصرة عن بلوغ المصالحة الوطنية الشاملة حتى الآن، وما حققته ﻻ يعدو إلا جزءاً بسيطاً من الحل في أزمة وطنية كبرى.

وهذا بسبب أنه لم يعد الأمن والسلم الاجتماعي، والاستقرار، وعودة المهجرين والنازحين في الداخل والخارج إلى حياتهم الطبيعية في مُدنهم في كافة ربوع ليبيا، وأيضاً إشكاليات انتشار السلاح والمخدرات، وانهيار القيم الأخلاقية، وتعدد التيارات المتطرفة والمتشددة.

إن إشكالية ما سلف الذكر فيه حول مقومات المصالحة تكمُن في تطبيقها على المستوى العملي، فهي تظل أسيرة النظرية، لاصطدامها بالواقع المظلم ومعوقاته العديدة لتصبح ضرباً من التمني؛

فبعد مرور 8 سنوات تقريباً نجد أن بلدنا لم تخطو خطوة واحدة حقيقيّة باتجاه المُصالحة الوطنية الشاملة، بل يزداد الوضع تأزُماً يوماً بعد يوم، بل تتفاقم أحداثه حدثاً بعد آخر، وخاصة أن الوعي المجتمعي للثقافة الليبية اليوم لا يُعول عليه كثيراً، فهو وعي تُسيره العاطفة، ويتبع الأوهام، ويجري مُتلهفاً خلف الإشاعات، وعي يزدري العقل ويفتقر للصقل، فضلاً عن محدودية تأثير مؤسسات المجتمع المدني مِما يحول دون الاستفادة الجيدة منها من حيث التوعية، والتثقيف، والتطوير.

أيضاً من التحديات التي تواجهها المُصالحة هو خطر تسيسها واستمرار الحرب الحالية (الشرق والغرب)، وتزايد أعداد النازحين والمُشردين في الداخل والخارج، وكذلك الفُرقة السياسية، حتى أصبحنا دولةً داخل دولة، أما أخطرها وأكثرها تهديداً انتشار السلاح، والتطرف الديني السلوكي جُذوراً وامتداداً وتشعباً.

كما لا نجد أبسط من أول خطوة في الإصلاح والتي تتمركز في إمكانية تقديم تنازل ضروري من أجل المُضي قُدماً، لأنه لا توجد مُصالحة فعالة بين طرفين دون تقديم تنازلاتٍ حقيقيّة تدفعها الرغبة العازمة بصدق للمُصالحة، وهذا يتبين من الحقيقة المُثلى في أن الأحقاد لا تبني الدول، والظلم لا يُقيمها، والتمني لن يُصلحها.

خــاتــمـة

مما سبق يمكننا القول إن المصالحة الوطنية هي مشروع سياسي بالدرجة الأولى، وهذا لِما لهذا المشروع من دور حيوي وفعال في تحقيق الاستقرار المجتمعي بصفة عامة، واستقرار سياسي بصفة خاصة، وهذا لدورها الفعال في الحفاظ على هذين النوعين من الاستقرار.

ولتحقيق ذلك يجب على الدولة المتمثلة في أياً من حكوماتها اليوم بتوفير مجموعة من الشروط والعوامل، فإذا أحسنت الدولة كيفية توفيرها وإدارتها، فسيكون هذا سبباً في نجاح المصالحة الوطنية لتتحقق الأهداف المرجوة منها، والتي من شأنها أن تحقق الاستقرار السياسي، والذي بدوره يضفي حالةً من السلم والطمأنينة للمواطن البسيط، والذي يسري عبره إلى الأسرة، ومنها إلى العائلة، ومنها إلى القبيلة، حتى يصل إلى المنطقة؛ ليعم المدينة فيحظى به عموم المجتمع.

إلا أن هذا النجاح يتوقف على مدى استعداد الأطراف المتنازعة للدخول في المصالحة، وتقديم التنازلات والتضحيات من أجل إنجاح مشروع المصالحة الوطنية؛ بعمل وطني شامل يتجاوز سلبيات الحروب، وتصفية الحسابات، حيث ينأى بالبلد عن الصراعات السياسية والأيديولوجية في تأثيره على السلم الاجتماعي، والتنمية، والاستقرار، والوحدة الوطنية.

إلا أن ذلك كله لا يتوفر بشكل سليم إلا بضبط الحالة الأمنية، وإنهاء فوضى السلاح، وبناء الجيش والشرطة على أُسس وطنية بحتة دون أي توجه أو تأويل، ومنها يتم الدفع بعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي إلى الأمام، والذي تحتاجه البلد في يومنا هذا بشكل عاجل وحثيث؛ لتستطيع الانتقال إلى مرحلة التوافق والانسجام.

وأخيراً وليس آخراً، بعد أن تقدمت باليسير في هذا المجال الواسع “مشروع المصالحة الوطنية”؛ نخلص ببعض التوصيات التي من شأنها أن تكون لبنة أساس لمشروع طريق مستقبلي مطلعه النور والتآخي والاستقرار.

توصيــات

  1. إقامة حكومة قوية ومتجانسة ومستقرة؛ تحظى بالقبول المجتمعي كافة، على أن تقام هذه الحكومة وفق أُسس ديمقراطية صحيحة وسليمة.

  2. تأسيس وبناء قوات وطنية مسلحة تسليحاً جيداً يتناسب مع حجم الواقع الموجود على الأرض، وخاصةً أنها في مواجهة بيئة إقليمية مضطربة، وأيضاً قوات أمنية قوية ومجهزة تجهيزاً يتناسب والمرحلة الحالية، على أن يكون ولاء هذين المكونين لله وحده، ثم الوطن، ثم المواطن، وليس لأي توجه سياسي أو قبلي أو مناطقي.

  3. صياغة مشروع المصالحة الوطنية بمنهج ولغة قانونية؛ ليضمن مشاركة فاعلة لممثلين عن النُخب الثقافية والاجتماعية والدارسين والباحثين في الشأن الداخلي، ومؤسسات حقيقية للمجتمع المدني، في هيئة عُليا لمشروع المصالحة الوطنية، وعدم اقتصار الأمر على عقد المؤتمرات التي لا تحوي الجميع، ولا يؤخذ بتوصياتها حتى عذراً فقط لأن المرحلة جدُ خطيرة في الوقت الراهن.

  4. تضمين اتفاق لصياغة مشروع المصالحة الوطنية بخصوص حل المجموعات المسلحة ونزع السلاح وحصره بيد السلطة التنفيذية فقط، وتفعيل قانون الحد من السلاح، وتلتزم الحكومة الوطنية الموحدة بتنفيذه فور مباشرة عملها.

  5. تأسيس جهاز رقابي من الخبراء في الشؤون الدولية والمحلية من أهل المعرفة بحقيقة النسيج الاجتماعي الليبي، وذلك لمتابعة عمل الهيئة من جهة، وفي رجوع تلك الهيئة لهم في طلب أي مشورة من جهة أخرى.

  6. توفير اعتراف رسمي بشأن الوقائع التي شكلت انتهاكاً لحقوق الإنسان والإقرار بمبدأ محاسبة مرتكبي الجرائم والمتسببين في إهدار حقوق الأبرياء، ويتم ذلك بشكل تصالحي يشمل كافة الجوانب السياسية والاجتماعية.

  7. توفير الدعم المادي والمعنوي للأشخاص والأهالي المتضررين من عمليات العنف، بحيث يكون هذا التعويض مبدأ رسميا مُقررا ويُعمل به.

  8. العمل بشكل جدي وفعال في بذل كافة الجهود لأجل الكشف عن جميع المختفين والمفقودين وتحديد صور اختفائهم، والتكفل بعائلاتهم ومساعدتهم في العثور على ذويهم.

  9. وضع حلول سلمية للمنازعات، على أن تكون هذه الحلول مُرضية لجميع الأطراف المتنازعة، وقادرةً على الوفاء بحاجاتهم الأساسية، والاستجابة لتطلعاتهم الجوهرية، لأنه من الممكن أن تكون لكل طرف حاجاته التي يعتبرها مبرراً لرفضه الصلح، كما أن التنازل عنها بالضغط أو الضعف لا يعتبر إعاقةً للمصالحة فقط بل يُعد تمهيداً لنزاع آخر في المستقبل القريب.

  10. دعم المؤيدين لمسار المصالحة الوطنية من أفراد وجماعات ومنظمات بهدف إقناع المترددين أو المعارضين بأهمية المصالحة الوطنية، وأنها هدف وطني لابد من بلوغه، وهذا من شأنه أن يُنتج مقاربة فعالة لتمتين العلاقات السليمة بين أعداء الأمس.

  11. تجنيد المؤسسات السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والتربوية، وأيضاً مؤسسات المجتمع المدني لدعم المصالحة الوطنية من جهة، وأيضاً للعمل في مجال التعليم السليم للنشء الجديد للحد من تفاقم الضغائن والفتن في المستقبل من جهة أخرى.

  12. بناء وتأسيس إعلام موضوعي ومحايد، يساهم في إشاعة روح التسامح ونبذ العنف ونشر ثقافة الحوار والتعايش السلمي، واحترام الرأي والرأي الآخر، ودعم مشروع المصالحة الوطنية، ويلتزم بالثوابت السياسية السليمة والاجتماعية والثقافة الوطنية.

***

خالد التومي ـ أكاديمي ليبي، دكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية، باحث بالمركز القومي للبحوث والدراسات العلمية، طرابلس

_________________