Minbar Libya

بقلم وولفرام لاشر

الحكومات الغربية لا تكترث للمعركة الدائرة حول العاصمة الليبية طرابلس حتى مع تنامي عدد الأطراف الأجنبية المتدخّلة فيها.

هذا الصراع يقدم لنا لمحة عن النظام العالمي المستقبلي، وبصفة خاصة الفوضى الدولية. ولا تعكس أنماط الحرب في ليبيا في الوقت الراهن هشاشة النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة فحسب، وإنما تساهم أيضا بشكل مباشر في زواله“. وفي هذا السياق، يوجد ثلاثة جوانب يُسلط من خلالها الضوء على الفوضى الدولية الجديدة.

أولا: الطائرات المسيرة

بمجرّد سقوط قنبلة من سماء ليبيا، تبدأ التخمينات حول مصدرها. قد تكون أي من الدول الأجنبية الخمس المتدخلة في الصراع (على الأقل) مسؤولة عنها، أو إحدى القوات الجوية الليبية المتنازعة المرتبطة بالحكومتين المتنافستين.

لكن العديد من الضربات كانت مجهولة المصدر. وتظل الولايات المتحدة الدولة الأجنبية الوحيدة التي تتبنى علانية الغارات الجوية التي يشنّها جيشها في ليبيا.

لقد اعتاد أولئك الذين لديهم مصالح أساسية أو مهنية في تحديد هوية الجناة على طرح الأسئلة التي تسمح لهم بتضييق الاحتمالات.

ما الذي يقوله الهدف المحدد عن الجاني المحتمل؟

ما الذي تنبئنا به دقة الضربة والضرر الذي أحدثته عن نوع الطائرة المستخدمة؟.

وفي حال لم تصب القنبلة الهدف، فربما يكون مصدرها واحدة من طائرات الميج أو سوخوي أو ميراج القديمة التابعة للقوات الجوية الليبية. وفي المقابل، يشير صاروخ صغير موجّه يُصيب هدفه بدقة إلى طائرة دون طيار قد تكون طائرات وينغ لونغ المصنّعة في الصين التابعة للإمارات العربية المتحدة أو طائرات بيرقدار التركية.

الجمع بين القوة المدمرة والدقة العالية قد يشير لطائرة مقاتلة حديثة، وفي هذه الحالة فإن هذه الطائرة على الأرجح قد تكون طائرة ميراج 2000 الإماراتية، أو مقاتلة رافال المصرية، أو مقاتلة من طراز إف-16 تابعة لأي من الدولتين.

وقد أصبح طرح هذه الأسئلة أمرا معتادا لأنه لن يتمكّن أي أحد من تحديد هوية الجناة علنا. يبدو الصراع في ليبيا بمثابة حرب صغيرة بين الأصدقاء، حيث يكون فضح المتنافسين وقحا. وينطبق هذا بالتحديد على دور الإمارات ومصر في ليبيا.

كان القرار الذي اتخذته تركيا مؤخرا بالتدخل علنا في ليبيا لدعم حكومة طرابلس إلى جانب نشرها سرا للمقاتلين التركمان السوريين، سببا في إثارة الانتقادات في الغرب، فضلا عن ذلك، اتهمت الولايات المتحدة روسيا علنا بإرسال مرتزقة سرا للقتال لصالح تحالف مليشيات خليفة حفتر. ولطالما اتهمت الدول الغربية روسيا بالتدخّل في صراعات أخرى.

منذ الهجوم الذي شنّه حفتر للسيطرة على طرابلس في أبريل عام 2019، نفذت الطائرات دون طيار معظم الضربات الجوية في الحرب التي تلت ذلك. ووفقا للممثل الخاص للأمم المتحدة السابق غسان سلامة، بلغ عدد الغارات الجوية التي شنتها الطائرات دون طيار بحلول نهاية السنة ألف غارة، مما حوّل ليبيا على الأرجح إلى أكبر ساحة حرب للطائرات من دون طيار في العالم.

في الحقيقة، تعتبر الطائرات من دون طيار سمة مميزة للتدخل العسكري الأجنبي في الحرب الليبية، كما تعكس أيضا اتجاها أوسع نحو الحرب البديلة، بالإضافة إلى ذلك، نجحت القوى الأجنبية في الحد من المخاطر التي تتعرض لها قواتها النظامية والتهرّب من مسؤولية تصرفاتها، في الوقت الذي تمارس فيه نفوذا كبيرا في ساحة المعركة.

ثانيا: الإنكار الدولي

الإنكار أصبح جانبا رئيسيا للحرب، ليس فقط في ليبيا، وإنما أيضا في النزاعات الأخرى بدءا من أوكرانيا وصولا إلى الخليج العربي. ويرجع ذلك إلى فشل الدول في تمويه أفعالها.

وفي كثير من الحالات، لا يعد الإصرار على الإنكار محاولة لإخفاء التدخلات بقدر ما هي محاولة لتهرّب الغرب من تحمّل المسؤولية واللوم، مؤكدا أن سياسة الإنكار تعدّ سمة مميزة للحروب المعاصرة، نظرا لأن القوى العظمى راضية عن إنكار الجهات الأخرى.

ومن أبرز الأمثلة على تحول علاقات القوى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الدور التوسعي الجديد الذي تضطلع به دولة الإمارات. ففي سنة 2014، فاجأت الإمارات إدارة أوباما عندما قصفت طائراتها المقاتلة، من دون سابق إنذار، تحالف القوات الليبية في طرابلس.

وفي المقابل، لم تتبنّ الإمارات قط الضربات. ومن جهتها، لم تمنع الولايات المتحدة الإمارات من إنشاء قاعدة عسكرية في شرق ليبيا سرا لدعم حملة حفتر في بنغازي باستخدام ما يسمى بطائرات إير تراكتور.

الإمارات تمكنّت من الإفلات بشكل تام من العقاب فيما يتعلّق بالحملات العسكرية المدمرة، ليس فقط في ليبيا، وإنما أيضا في اليمن. ويعزى ذلك إلى النجاح المذهل الذي حققه الإماراتيون في تحويل قوتهم المالية ومكانتهم كمستورد رئيسي للأسلحة من الولايات المتحدة وأوروبا إلى نفوذ سياسي في العواصم الغربية.

بالنسبة للدول التي تتدخل في مناطق الحروب النائية، فإن الإنكار لا يهدف إلى تسهيل الإفلات من العقاب على المستوى الدولي فحسب، وإنما يهدف أيضا إلى تجنّب الرقابة الداخلية للمغامرات العسكرية في الخارج.

عموما، يتعين على الدول تفادي الانخراط في حروب علنية، حيث ينبغي عليها أن تولي اهتماما كبيرا للمصالح الوطنية الحيوية“.

ثالثا: التضليل الاعلامي

وفي الوقت الذي تتراجع فيه الولايات المتحدة وأوروبا مقابل تنامي تدخل دول المنطقة، يشهد نفوذ العلاقات في وسائل الإعلام العالمية تغيرات جذرية تسببت في تدهور غير مسبوق في اقتصاد المعلومات في الدول التي تعيش أزمات، على غرار ليبيا.

إن جيوش المتصيدين من دول الخليج ومصر وروسيا تغمر منصات التواصل الاجتماعي بالدعاية، مما يزيد من تضخيم آراء المؤثرين المرتشين في عواصم الدول الغربية والشرق الأوسط، ويعزز نظريات المؤامرة التي تروج لها القنوات الفضائية مثل شبكة روسيا اليوم أو قناة العربية.

تعمل الدول الاستبدادية على توجيه مثل هذه الحملات الإعلامية المضللة إلى العديد من البلدان في الآن ذاته، حيث تحقق نجاحات في الفضاءات العامة في الديمقراطيات المتقدمة والبلدان النامية.

ومع ذلك، توفر دول مثل ليبيا بيئة خصبة بشكل خاص للقيام بعملياتها، حيث تنعدم في هذه البلدان الصحافة المستقلة المهنية، وتُعرف بإرث من التلقين الجماعي سعت من خلاله الأنظمة إلى حماية المجتمع من التدفقات العالمية للمعلومات، ناهيك عن تأثيرات الحروب الأهلية المتعاقبة التي عملت فيها الفصائل المتنافسة لفترة طويلة على نشر الكراهية تجاه خصومها السياسيين، واكتسبت خبرة واسعة في تصنيع الأخبار الكاذبة.

وحتى قبل دخول الأطراف الأجنبية إلى المشهد مع بداية هجوم حفتر على طرابلس، جعل استخدام وسائل الإعلام كسلاح في ليبيا من المستحيل على أي شخص أن يصل إلى حقيقة الأحداث دون الحصول على معلومات مباشرة.

غالبا ما تخفي القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية الرئيسية في البلاد الجهات المالكة ومصادر تمويلها، ولكن معظمها يبث من عواصم دول الشرق الأوسط، ولديها جهات راعية أجنبية، فضلا عن كونها ترتبط بشكل مباشر بالأطراف الفاعلة الرئيسية في الصراع الدائر.

وتجدر الإشارة إلى أن الدعاية في المنصات الاجتماعية والتلفزيون تسعى إلى ترويج الخطابات التي تحرض على الكراهية، ونشر الأكاذيب بطرق تتيح للراعين السياسيين إمكانية الإنكار“.
إن الصور ومقاطع الفيديو التي التقطت من بلدان أخرى أو الأحداث الماضية تعتبر العنصر الرئيسي في انتشار الأخبار الزائفة في ليبيا. فضلا عن ذلك، تلفق مقالات يزعم أنها صادرة عن صحف غربية كبرى، تستغل المهارات اللغوية المحدودة لدى أغلب الليبيين، وهو إرث خلّفه الحظر الذي فرضه القذافي على تعليم اللغات الأجنبية طيلة عقود من الزمن“.

حين اندلعت الحرب الحالية في شهر أبريل 2019، عزّز محاربو المعلومات الأجانب إلى حد كبير سيلا من الحملات الدعائية. في غضون ساعات من إعلان حفتر عن بدء الهجوم، بدأ المؤثرون السعوديون والإماراتيون والمصريون في مشاركة منشورات ونشر تغريدات لدعم هذه العملية العسكرية، بدعم من جحافل من الحسابات الآلية.

ومن الواضح أن حملة الدعم على مواقع التواصل الاجتماعي كانت منسقة في ظل وجود معرفة مسبقة بهجوم حفتر، حيث التقى حفتر مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قبل أسبوع واحد من موعد بدء العملية، مما أثار تكهنات بأن التدخل غير المسبوق للمتصيدين كان من بين نتائج هذا الاجتماع“.

ومنذ ذلك الحين، دخل اختصاصيو الحملات الدعائية من دول أخرى في هذه المعركة. بعد أيام قليلة من بدء هجوم حفتر، بدأت الحسابات القطرية والتركية في الرد. وسرعان ما بدأت التغريدات المؤيدة لحفتر في تبني شخصيات بريطانية وفرنسية، حيث نشرت العشرات من الحسابات تغريدات متطابقة حول قيام حفتر بعمل الرب في ليبيا، وإثبات أن رجلا واحدا يمكن أن يكون كافيا لتغيير مجرى التاريخ.

إن الدور الذي تلعبه التغريدات الأجنبية في تحوّل توازن القوى العالمي. وتحت ضغط الرأي العام الدولي، حذف موقع فيسبوك مئات الصفحات من السعودية ومصر والإمارات بسبب السلوك المنسق الزائف الموجّه ضد ليبيا، إلى جانب دول أخرى؛

وهي الإجراءات ذاتها التي اتخذها تويتر الذي حذف آلاف الحسابات السعودية. لكن، استمرت العديد من الشبكات المماثلة في العمل دون عقاب، مما أثار اتهامات بأن تويتر يعاني من رؤية عمياء عندما يتعلق الأمر بالتلاعب الذي تمارسه الدول القوية في الشرق الأوسط مثل السعودية والإمارات.

أن العملاء الليبيين والأجانب المشرفين على عمليات التضليل حوّلوا الفضاء العام في ليبيا إلى مزيج سام من الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية. وقد جعلت آلة حفتر الدعائية القوية الكثيرين يعتقدون، أو على الأقل يعتبرونه ممكنا، أن الصواريخ التي أطلقتها قوات حفتر بانتظام على مطار طرابلس مصدرها، في الواقع، أعداء حفتر.

والجدير بالذكر أن حرب المعلومات هذه تعمل على تعزيز إنكار التدخل الأجنبي، خاصة في نظر الشعب الليبي“.

ما الجديد؟

إن الإنكار والتضليل مفهومان قديمان قدم الحرب، وقد دخلت الطائرات المقاتلة دون طيار لأول مرة مناطق الحرب العالمية قبل عقدين من الزمن. وما يجعل الأمر مختلفا اليوم في الحرب الدائرة في ليبيا هو استخدام مجموعة كبيرة من الجهات الفاعلة لمثل هذه الأدوات في صراع واحد في الآن ذاته“.

في ليبيا، لا تستفيد القوى العظمى فحسب من رواية الإنكار. وكما هو الحال في سوريا، تتدخل قوى متوسطة متعددة في منطقة حرب بعيدة باستخدام مرتزقة من أربعة بلدان على الأقل. علاوة على ذلك، تحاكي كل من الإمارات وتركيا الممارسات الأمريكية القديمة المتمثلة في قصف الأشخاص مجهولي الهوية من أماكن غير معروفة.
أن إغراق مواقع التواصل الاجتماعي بنظرية التضليل، ونظريات المؤامرة، وخطاب الكراهية، هي استراتيجية جرى تطويرها لأول مرة في روسيا، لكن انتشر هذا النهج بسرعة في جميع أنحاء العالم.

ومن الواضح أن دول الخليج من بين المستثمرين الرئيسيين في جيوش النت والمتصيدين. وفي عواصم الغرب ودول الشرق الأوسط، انضم عدد كبير من المؤثرين المرتبطين بطريقة أو بأخرى بالدول المتدخلة في ليبيا، إلى حرب المعلومات التي لا تعتبر حربا طاحنة، ولكنها حرب مليئة بالمشاجرات الفوضوية“.

***

وولفرام لاشر كبير زملاء المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية. وهو مؤلف كتاب تجزئة ليبيا: الهيكلية والعملية في النزاع العنيف“.

_________

ترجمة (هيفاء عبيد) ـ عربي 21

المصدر: موقع WAR on the ROCKS