Minbar Libya

بقلم سارة بيج

تعثرت جهود الأمم المتحدة الأخيرة للتوسط في وقف إطلاق النار بين الجيوش المتحاربة للسيطرة على ليبيا. لكن، على الرغم من استمرار الصراع، أو ربما بسببه، ظهرت آمال جديدة للنساء الليبيات للمطالبة بدور أكبر في إعادة بناء اقتصاد بلدهن.

تعمل سبارك، وهي منظمة هولندية غير حكومية تركز على التعليم العالي وريادة الأعمال في البلدان الخارجة من الصراع، مع المنظمات الشريكة في ليبيا لمساعدة النساء على بلوغ هذا الهدف.

في كثير من الأحيان، يمكن أن تقلب الصراعات التسلسلات الهرمية القائمة بين الجنسين. على سبيل المثال، في أوروبا والولايات المتحدة، خلفت الحرب العالمية الثانية الكثير من القتلى أو الجرحى من الرجال لدرجة أصبح فيها من الضروري دخول النساء كقِوى عاملة في المجالات المدنية والعسكرية للحفاظ على الصناعات والاقتصاد. في العقود التالية، قامت النساء بحملات للحصول على فرص أكبر في التوظيف والسياسة والسلطة.

الآن، تمر ليبيا بنقطة تحول مماثلة.

قالت هالة بوقعيقيص، مؤسسة جسور للدراسات والتنمية، وهي منظمة لأبحاث السياسات وواحدة من شركاء سبارك في ليبيا، “هذه هي الفرصة الذهبية للمرأة الليبية. لا أعتقد أن النساء على استعداد للعودة إلى الظل بعد الآن.”

ينتاب آية محجوب، مؤسسة مركز للتدريب واللغة والاستشارات في بنغازي، ذات الشعور. قالت “أجبرت الحرب النساء الليبيات على دخول سوق العمل، غالبًا دون الوعي والمهارات والخبرات الكافية. لذلك، فإن التدريب على ريادة الأعمال أمر مهم للغاية. قد يكون ذلك أكثر أهمية من التمويل، لأن المشروع لا يمكن أن يستمر بدون مهارات جيدة في الإدارة والتخطيط.”

قامت نجلاء المسلاتي، من بنغازي أيضًا، بتأسيس مبادرة باسم “شي كودز”، لتعليم النساء كيفية الترميز والبرمجة. تأمل المسلاتي في رؤية المزيد من الدعم لأصحاب المشاريع في ليبيا. قالت، “الحاجة إلى التمويل والإرشاد لأصحاب المشاريع في ليبيا مهمة للغاية ويمكن أن تحدث فرقًا إذا تم تنفيذها بشكل جيد.” 

فجوة في توظيف النساء الليبيات

تتمتع نساء ليبيا بتعليمٍ عالٍ. ففي تقرير عام 2013، وجدت المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية أن عدد النساء اللائي يحملن درجة البكالوريوس (أو أعلى) تقريبًا نفس عدد الرجال، وأن 77 في المئة من النساء الليبيات دون سن 25 عامًا يعتزمن مواصلة التعليم العالي، مقارنةً بـ 67 في المئة فقط من الشباب.

لكن بعد التخرج، تعاني النساء الليبيات من وجود فجوة واسعة بين التعليم والتوظيف، حيث تحصل 43 في المئة فقط من النساء الحاصلات على تعليم عالٍ على وظائف رسمية.

هناك عدة أسباب لهذه الفجوة. فقد تم الاستهانة بقدرات المرأة في أماكن العمل في ليبيا، وما زالت الحواجز التقليدية والدينية قائمة، مثل ضرورة وجود (محرم) للمرأة عند السفر مع ولي أمرها في بعض المناطق.

وكثيراً ما يتم استغلال النساء اللائي يمتلكن وظائف بأجور منخفضة أو بيئات لا تدعم الأمهات العاملات.

ومع ذلك، فإن العقبة الكبيرة التي تواجه النساء في الحصول على عمل تتمثل في الصراع المستمر منذ 10 أعوام في البلاد بين الجماعات التي تتنافس على السلطة منذ سقوط مُعمر القذافي في عام 2011.

في عام 2016، تحدثت حنان صلاح، الباحثة في شؤون ليبيا في هيومن رايتس ووتش، مع قناة الجزيرة عن كيفية تأثير الوضع الأمني على النساء العاملات. قالت “بسبب الغياب الكامل للقانون والنظام في أجزاء من ليبيا، تأخذ مختلف الميليشيات والأفراد مسؤولية تسيير شؤون حياتهم عن طريق محاولة منع النساء من السفر بمفردهن دون وجود محرم من الذكور.” وأضافت أن بعض المليشيات قد ضايقت النساء في حرم الجامعات، مما أجبر البعض على وقف دراستهن.

يمكنك سماع دوي سقوط القنابل بالقرب منك”

شاركت شذى الماجري، البالغة من العمر 28 عامًا، في تأسيس “دراز كورنر“، وهو مركز إبداعي في طرابلس يوفر مساحة عمل مشتركة حيث تلتقي العقول الإبداعية وروّاد الأعمال وأصحاب الأعمال الحرة والطلاب والفنانين والمهندسين المعماريين. على الرغم من الغارات الجوية شبه اليومية في العاصمة، يواصل دراز كورنر عمله.

قالت الماجري “يمكنك سماع القنابل تسقط في مكان قريب فيما تخلو الشوارع من المارّة. ما زلتُ أذهب إلى العمل، لكنني واحد من القلة التي تعمل. في أي ثانية يمكن أن يتم إغلاق الطرق.”

في العام الماضي، بدأت سبارك ودراز كورنر في توفير “معسكرات التوظيف” للشباب والشابات في طرابلس، حيث قاموا بتدريس مهارات قابلية التوظيف لمساعدتهم عند التقدم للوظائف. تقدم الجلسات ورش عمل حول كتابة السيرة الذاتية وتقنيات المقابلة وبناء الثقة.

حضرت بسمة الزعبي، طالبة الهندسة المعمارية البالغة من العمر 22 عامًا من طرابلس، أول معسكر تدريبي. قالت “تأثرتُ بالمشروع ودفعني ذلك إلى المباشرة بالقيام بكل الأشياء التي كنت قد أجلتها.”

تطمح النساء من أمثال بسمة في الحصول على وظيفة مستقرة تستَهويهن، لكنهن يواجهن عددًا من العقبات التي تحول دون الحصول على حقوقهن في ليبيا.

بالنسبة لبوقعيقيص، من جسور، ولِد الدافع لتوجيه معارفها ومهاراتها وطاقتها نحو تمكين النساء من مأساة. ففي عام 2014، قُتلت إحدى قريباتها، الناشطة الليبية البارزة في مجال حقوق الإنسان سلوى بوقعيقيص، بالرصاص في منزلها في بنغازي.

قالت بوقعيقيص “عندما اغتيلت ابنة عمي الثانية بسبب دفاعها عن الديمقراطية، شعرت بأنني محطمة. كانت النساء خائفات من الحديث عن الديمقراطية أو السياسة خوفًا من أن يلقين ذات المصير. كل شيء كانت تؤمن به كان يختفي وينزوي في مكان مظلم للغاية، لذلك شعرت بأنني مجبرة على تكريم عملها.”

بصفتها محامية أعمال سابقة، أسست بوقعيقيص جسور في عام 2015، ووصفته بأنه “مركز فكر وفعل”.

قالت “في السنة الأولى، قمنا بتدريب حوالي 40 امرأة.”

بعد ثلاث سنوات، تعاونت سبارك وجسور لتقديم تدريب مهم على التوظيف وريادة الأعمال للنساء. قالت بوقعيقيص، “بدأنا في تقديم التدريب المهني، وتعزيز مهارات التكنولوجيا والمهارات الشخصية، وفي نهاية المطاف قمنا بتوفير التدريب الداخلي وفرص العمل للخريجين الجدد. حتى الآن، قمنا بتدريب 200 امرأة ليبية.” 

عقبات في وجه رائدات الأعمال

لن يؤدي إرسال النساء ذوات المهارات العالية والطموح إلى بيئة الأعمال الحالية إلا لشعورهن بالإحباط، لذلك تعمل جسور أيضًا على الضغط من أجل تنفيذ التغييرات التي تحتاجها الشركات.

يواجه رواد الأعمال الذين يرغبون في بدء عمل تجاري العديد من العقبات القانونية والتكاليف المرتفعة لتسجيل شركاتهم (حوالي 4,400 دولار أميركي).

بالنسبة للنساء، تتمثل القضية الرئيسية في الوصول إلى التمويل. تطلب معظم البنوك الليبية من أصحاب المشاريع امتلاك أراضٍ أو ممتلكات كضمان للحصول على قرض. ومع ذلك، لا يزال من غير المقبول اجتماعيًا امتلاك النساء للأرض، حتى من خلال الميراث.

مع ذلك، وعلى الرغم من الصعوبات، تكافح بعض النساء الليبيات اللاتي لديهن أعمال تجارية كل هذه العقبات.

تعتبر هبة، وهي مصممة أزياء تحظى بدعم سبارك وجسور، إحدى هذه النساء. إذ تبين أن التوظيف أحد أكبر التحديات التي واجهتها. قالت “لا يمكنك إقناع رجل بالجلوس واستخدام ماكينة الخياطة، لذلك كان عليّ أن أبحث عن النساء.”

كانت المهمة صعبة بسبب الظروف الاجتماعية التي تواجهها العديد من النساء. حيث تسعى الجوانب الأبوية للثقافة الليبية، فضلاً عن القيود الدينية وتلك المتعلقة بالحرب والتي قيدت حرية المرأة في الحركة، إلى استبعاد النساء من أماكن العمل.

كان على إيناس البحري، التي بدأت عملها التجاري في منزلها، وصنعت كعكًا يشبه إلى حد كبير الأعمال الفنية، التغلب على صعوبات التوظيف. مع توسيع نشاطها التجاري، اضطرت إلى توظيف عمال أجانب لأن الليبيين كانوا يترددون في الانضمام إلى مشروعها الخاص خوفًا من انعدام الأمن الوظيفي. توظف شركتها، موتسارت للإطعام، الآن حوالي 200 عامل، 20 في المئة منهم فقط ليبيون.

تقول المسلاتي، من شي كودز، إن الشركات الناشئة ما زالت تواجه تحديات بالتزامن مع نموها. قالت “ريادة الأعمال مفهوم جديد بالنسبة لليبيين عمومًا، ونحن جميعًا بحاجة إلى كل التوجيه والإرشاد والتدريب والتمويل الذي يمكننا الحصول عليه من أجل فرقنا. بدون المساعدة، لا يزال هذا ممكنًا، لكن ليس بنفس المستوى، ولن يكون له ذات المستوى من التأثير.”

المرأة الليبية عامل فاعل في بناء السلام

بينما يأمل المدافعون عن تمكين المرأة في ليبيا في رؤية دور أكبر للنساء في سياسة البلاد، تم استبعاد النساء إلى حد كبير من عملية السلام بشكل مجحف. على الرغم من لعب دور رئيسي في ثورة 2011 ومع البحوث التي أظهرت أن عمليات السلام التي تنطوي على مشاركة نسوية قليلة أكثر عرضة للفشل بنسبة 64 في المئة، لا تزال المرأة ممثلة تمثيلاً ناقصاً.

في ليبيا، تعمل سبارك حصريًا مع المنظمات المحلية التي تقودها النساء لأن لديها فهمًا لا مثيل له للسياق الثقافي والاقتصادي والأمني، فضلاً عن معرفة احتياجات الشابات اللائي يبنن أعمالًا ويجدن فرص عمل.

قالت بوقعيقيص، من جسور، “من بين نقاط قوتنا أننا نفهم كيفية العمل أثناء الحرب. نحن نعرف متى نتوقف ومتى نستمر.” تُعتبر هذه المنظمات رائدة في مجالاتها وعملها ضروري لتطبيع وجود المرأة في بيئات العمل وخارجها.

على الرغم من المشهد السياسي المتغيّر باستمرار وافتقاره إلى مشاركة النساء فيه، إلاّ أن الشابات في ليبيا يواجهن الآن مقاومة طويلة الأمد لمشاركتهن في العديد من جوانب المجتمع، ولاسيما الاقتصاد، لصالح جميع الليبيين.

ساهم طارق عبد الجليل في إعداد هذا التقرير.

_______________