Minbar Libya

بقلم جلال الورغي

بدا المشهد العربي منذ اندلاع الثورات العربية في نهاية عام 2010 حافلا بديناميكية صاخبة، تتراوح بين الإصرار على التغيير، ومواجهته.

وبالقدر الذي كان فيه الإصرار على الانتقال والتغيير حاسما، استجابة لشعوب متعطشة لأنظمة حكم أرشد وأصلح، كان الاستنجاد في الجبهة المضادة بالقوى الأكثر تنفذا، للالتفاف على هذه التطلعات في التغيير وإجهاضها، وإعادة إنتاج منظومة التحكم والسيطرة، بظاهر تغييري وباطن التفافي.

فبقدر ما أظهرت مجريات الأحداث في المنطقة منذ 2011 تعطش الشعوب العربية للتغيير، والحاجة لولوج حقبة جديدة في تاريخها، بقدر ما برزت عوامل تمنّع وصد، أربكت مسار التغيير وأدخلته في متاهات، الانقلابات العسكرية حينا والحرب الأهلية أحيانا.

وبقدر ما راهنت قوى التغيير على الإرادة الشعبية من أجل المضي في عملية التغيير والتحول، بقدر ما عاندت القوى القديمة هذا المسار، مستعينة بالمؤسسة العسكرية، كقوة رادعة وصادة لهذا التطلع نحو المستقبل.

فقد عاش العديد من الدول العربية بعد الاستقلال تحت أنظمة عسكرية أو شبه عسكرية لعقود طويلة. والمثير أن دولا عربية كثيرة بما في ذلك المحورية، من العراق إلى سوريا إلى مصر واليمن إلى الجزائر وليبيا، كلها خضعت لأنظمة عسكرية أو شبه عسكرية، ولم تعرف الحكم المدني بالمعنى الحقيقي للكلمة.

فمنذ الخمسينيات من القرن الماضي وقعت مصر تحت حكم الضباط الأحرار، بداية من محمد نجيب ثم جمال عبد الناصر ثم أنور السادات، ثم استمرت المؤسسة العسكرية من خلال حسني مبارك، الذي حكم البلاد لثلاثين عاما.

ولم يكن مفاجئا مع ثورات الربيع العربي أن يطاح بالرئيس المصري محمد مرسي، الوحيد الذي انتخب ديمقراطيا في أقل من عام على توليه الرئاسة، لتسترجع المؤسسة العسكرية الحكم، وتستعيد نفوذها كاملا مطلقا، خاصة أنها ربطت هيكليا كل مؤسسات الدولة إدارة وإنتاجا بها. ويسيطر العسكر المصري اليوم على أكثر من 50% من الاقتصاد الوطني.

وإذا كان هذا هو مسار التجربة السياسية المصرية، فإن الكثير من الدول العربية على غرار اليمن مع علي عبد الله صالح، وسوريا مع حافظ الأسد، والعراق مع صدام حسين، وليبيا مع معمر القذافي، والجزائر مع هيئة الأركان، وموريتانيا مع الجنرالات، بعيدا عن حال مصر، لجهة الدور المتقدم والمحوري في هندسة الحكم والتحكم في مفاصله.

وتجري اليوم في العالم العربي محاولات من بعض القوى الإقليمية والدولية، التي تمثل جبهة الثورة المضادة من أجل التمكين مجددا للعسكر في الحكم.

ويحدث هذا التمكين للعسكر بالتوازي مع مخططات حثيثة لتقويض فرص قيام أنظمة ديمقراطية، عبر استهداف قوى التغيير بمختلف مشاربها اليسارية والقومية والإسلامية، وضرب بعضها ببعض.

والحقيقة أن فكرة إعادة تعزيز دور العسكر في الحكم برزت بشكل جلي في بدايات الثورات العربية، مع ثورة تونس في ديسمبر 2010، فقد كان لرئيس أركان الجيش التونسي الجنرال رشيد عمار دور محوري في ضبط الأوضاع، لا سيما بعد هروب زين العابدين بن علي بشكل مفاجئ في 14 يناير 2011.

وعلى خلاف المؤسسة العسكرية في تونس، التي حافظت على الاستقرار، ولعبت ما يليها من دور في حماية الأمن القومي خلال الأشهر الأولى للثورة، ثم التزمت بدورها الجمهوري.

بيد أن الأمر اختلف في مصر، فقد أمسكت المؤسسة العسكرية عبر «المجلس العسكري» بالحكم بعد تنحي مبارك، وضبطت إيقاع المرحلة الانتقالية.

وبعد تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية، التي لم تفرز الشخصية المفضلة لدى العسكر، دخلوا مباشرة في ترتيبات أمنية وعسكرية وشعبية، مهدت لهم الاستيلاء على السلطة، وإزاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي.

ولعبت قوى إقليمية ودولية أدوارا متقدمة في الترتيب لاستيلاء العسكر على السلطة، عبر مواقف سياسية غير متعاونة مع الحكم المنتخب، واتصالات خفية بهدف التقويض الشعبي المفتعل للسلطة المنتخبة، من خلال عملية تجنيد غير مسبوقة للإعلام لتأليب الرأي العام.

وحصل في الثالث من أغسطس 2013 كما كان متوقعا التمكين للعسكر، عبر انقلاب عسكري قاده وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، تبين لاحقا أنه كان بضوء أخضر واضح من قبل قوى دولية كبرى، وبتواطؤ ودعم سخي من قوى إقليمية.

أغرى نجاح الانقلاب العسكري في مصر قوى الثورة المضادة بالمضي في دعم القوى العسكرية، من أجل الاستيلاء على السلطة، والسيطرة عليها في البلدان التي تعيش حراكا شعبيا يطالب بالتغيير.

فوضعت دول خليجية (السعودية والإمارات والبحرين) ثقلها في اليمن، وراء محاولة التفاف علي عبد الله صالح على تجربة التغيير، من خلال دعم الحرس الجمهوري الذي يقوده أحمد نجل علي عبد الله صالح، للإطاحة بحكم الرئيس عبد ربه منصور هادي، عبر القتال جنبا إلى جنب مع الحوثيين.

وفعلا أطيح بهادي منصور وسيطر الحوثيون على صنعاء، بتواطؤ من الحرس الجمهوري الموالي لصالح.

ولما فشل علي عبد الله صالح لاحقا في استعادة السلطة من الحوثيين، وجد دعما خفيا من قوى خليجية للانقلاب عليهم، فلما فشل وقتلوه، جرت المراهنة على نجله قائد الحرس الرئاسي، ومحاولة فرضه لقيادة الجبهة الرافضة للحوثيين.

وكانت هذه المساعي الإقليمية في دعم وتمكين أنظمة عسكرية قوية، غير بعيدة عن مواكبة ومتابعة بعض الأطراف الدولية، التي تحفظت بسرعة على المآلات الأولية للربيع العربي، وعادت سيرتها الأولى في دعم أنظمة تسلطية، أولويتها الوحيدة فرض الاستقرار، وليس دعم التغيير والتحول الديمقراطي.

لذلك ما حصل في مصر واليمن وحتى سوريا، ويحصل في ليبيا، فمنذ سنوات والمحاولات حثيثة للتمكين لنظام عسكري بديل نظام مدني، دفع الليبيون من أجله ثمنا باهظا.

فسعت قوى إقليمية، على رأسها الإمارات ومصر والسعودية، بالتنسيق حينا وبعدمه أحيانا مع فرنسا والروس للتمكين للماريشال المثير للجدل خليفة حفتر، الذي أعلن وبشكل سافر في 2014 بيانه رقم واحد، على شاشات فضائيات عربية، الاستيلاء على السلطة في ليبيا.

وحاول حفتر الذي تلقبه صحف غربية بـ»الجنرال المارق» أن يقدم نفسه بديلا عن الطبقة السياسية المتنازعة والمختلفة، زاعما أنه سيفرض الانضباط في البلاد، في مشهد ذكر الليبيين بالقذافي.

ووجد حفتر الدعم السخي، ماليا وعسكريا ولوجستيا وحتى دبلوماسيا من القوى المذكورة، للدفع بمخططه في الاستيلاء على السلطة، بقوة السلاح.

فخاض حربا على بنغازي وأخضعها بالحديد والنار، وصلت حد ارتكاب المسلحين الموالين له جرائم حرب موثقة أمميا، وحوّل أجزاء من بنغازي إلى ركام في سبيل السيطرة عليها.

ولا يزال بعد أن أجزلت له الدول الإقليمية المذكورة العطاء، يحاول السيطرة على المنطقة الغربية لليبيا لا سيما العاصمة طرابلس.

في السودان، ومع انطلاق انتفاضتها في ديسمبر 2018 حاولت جبهة الثورات المضادة مبكرا الدخول على خط الحراك، لجهة اختراق جبهة الحكم، ونظام البشير، أو لجهة الاقتراب من رموز الحراك.

وكانت لها علاقات وثيقة مع قائد قوات الدعم السريع محمد أحمد دقلو المعروف باسم «حميدتي»، والذي يشغل حاليا عضوية المجلس الرئاسي الذي يقود المرحلة الانتقالية في البلاد.

وكما هو ملاحظ فجبهة الثورة المضادة لا توفر فرصة إلا ووثقت روابطها بالعسكريين في البلدان التي تشهد تحولا، بل والعمل على دعمهم والدفع بهم إلى الواجهة.

ولا أحد في السودان ينكر اليوم أن سيناريوهات الالتفاف على الثورة واحتوائها لا تزال قائمة. بل يكفي أن يكون من يقود المرحلة الانتقالية مجلسا سياديا برئاسة عسكري ونصف أعضائه من العسكريين الطموحين للعب أدوار متقدمة، حتى ما بعد المرحلة الانتقالية.

ولم تكن تجربة الجزائر بعيدة عن هذا المسار المثير، الذي رسمته الثورات المضادة في الرهان على العسكريين، وتعزيز سلطتهم ونفوذهم والتمكين لهم من دواليب الحكم.

ففي وقت نهض فيه الشعب الجزائري في حراك شعبي غير مسبوق في المنطقة، تجاوز الآن العام، تحولت إدارة البلاد بشكل فعلي في التعاطي مع الرأي العام وتوجيهه بعد الأسابيع الأولى للحراك الشعبي لقيادة الأركان وتحديدا، رئيسها أحمد قايد صالح.

وقد تحول قايد صالح في أشهر قليلة إلى الوجه الرسمي الوحيد الذي يخاطب الجزائريين مرة ومرتين في الأسبوع، حتى بدا واضحا تماما أنه هو صاحب القرار أمرا ونهيا.

وفي اللحظة التي استشعر فيها خطر إمكانية الإطاحة به من دوائر بوتفليقة، فرض على الرئيس عبد العزيز بوتفليقة التنحي، ثم مضى وحدد موعد الانتخابات، كما عيّن رئيس لجنتها محمد شرفي، الذي اعترف بنفسه أن قايد صالح هو من عينه على رأس لجنة الانتخابات.

وفرض قايد صالح إجراء الانتخابات، رغم الجدل الكبير بشأنها، ورفض قطاعات كبيرة من الجزائريين لمسار وتوقيت إجرائها. علما أنه كان يؤدي زيارات لا تنقطع لدول خليجية رافضة جملة لمسار الربيع العربي والتغيير.

كان أحد أبرز أهداف الثورات العربية عند انطلاقتها إعادة تأسيس الدولة والنظام السياسي، وتخليصهما من المنظومة الأمنية إدارة ومن العسكرية حكما، باتجاه دولة مدنية القوانين والأجهزة، تعبر عن إرادة الشعب واختياراته.

بيد أن جبهة الثورة المضادة مضت في مواجهة موجة التغيير في المنطقة، عبر تبني استراتيجية التمكين للعسكر، أشخاصا ومؤسسات.

فمن مصر من خلال عبد الفتاح السيسي، واليمن من خلال أحمد علي عبد الله صالح إلى خليفة حفتر في ليبيا والجنرال محمد الغزواني في موريتانيا المدعوم خليجيا بسخاء والاحتفاء بعبد الفتاح البرهان وحميدتي في السودان، والدعم السياسي للانتقال في الجزائر الذي هندسه رئيس الأركان الراحل أحمد قايد صالح.

تبدو محاولة إعادة المنطقة العربية تحت حكم نظم عسكرية مسارا خطيرا، ليس فقط يحرف حلم الشعوب بالتغيير عن أهدافه الحقيقية، وإنما ينحرف أيضا بمهمة المؤسسة العسكرية حماية للأمن القومي والدفاع عن حرمة تراب بلدان المنطقة، إلى التورط في التنازع على الإدارة السياسية، التي هي من مشمولات القوى المدنية أصالة.

وإذ تغري فكرة الأنظمة القوية الذين يقدمون الاستقرار على الحرية والديمقراطية، ويعتبرون أن قيادات بخلفية عسكرية وحدها مؤهلة لتحقيق هذا الاستقرار، فإن تجربة الحكم في المنطقة العربية منذ الاستقلال إلى اليوم، لم تقدم أنظمة حكم معقولة على الإطلاق، بقدر ما أهدرت عقودا من تاريخ هذه المنطقة بأنظمة فشلت سياسة واقتصادا وتنمية.
***
جلال الورغي ـ كاتب وباحث متخصص في الشؤون المغاربية والحركات الإسلام.. ومدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية

___________