Minbar Libya

في صفقة من الأضخم بين البلدين، وافقت الحكومة الإيطالية على بيع أسلحة، من بينها فرقاطتان حربيتان من طراز فريم، إلى مصر التي تحتاج إليها، بحسب محللين عسكريين، من أجل تأمين حقول الغاز في البحر المتوسط.

واجهت الصفقة اعتراضات قوية في إيطاليا حيث طالب نواب ومنظمات حقوقية بعدم بيع أي معدات عسكرية للقاهرة حتى تتحسن أوضاع حقوق الإنسان فيها. لكن المصالح على ما يبدو أقوى، إذ قال ألبرتو كوتيلو، مدير وحدة ترخيص الأسلحة في وزارة الشؤون الخارجية الإيطالية، إن وزارتي الخارجية والدفاع لم تضعا أي قيود أو موانع في وجه المفاوضات مع القاهرة.

وجاء كلام كوتيلو في 3 مارس الجاري أمام جلسة استماع في لجنة برلمانية تتابع قضية مقتل الطالب جوليو ريجيني في مصر عام 2016، وقد ناقشت عرقلة الصفقة إلى أن يتم الكشف عن هوية القتلة.

ونقل المسؤول الإيطالي إلى اللجنة أن الخارجية لم تصدر حتى الآن التراخيص النهائية من أجل البدء في مرحلة التصدير.

وقالت تقارير وسائل الإعلام الإيطالية إن المفاوضات التي بدأت في مطلع الشهر الماضي شملت 20 زورقاً مسلحاً من فئة فلاج 2لعمل دوريات. وكشفت أيضاً عن أن الصفقة، التي تبلغ قيمتها تسعة مليارات دولار أمريكي، شملت شراء 24 مقاتلة من طراز يوروفايتر تايفون، وقمر صناعي، وطائرات تدريب ومروحيات من طراز AW149.

ولم تعلن أي جهة مصرية تفاصيل عن صفقة الأسلحة التي كشفت عنها وسائل الإعلام الإيطالية في فبراير الماضي.

لماذا تريد مصر إتمام الصفقة؟

أكدت تقارير صادرة عن مواقع عسكرية إيطالية أن مصر تريد هذه الأسلحة ولا سيما الفرقاطتين من أجل تأمين حقول الغاز في البحر المتوسط.

قال موقع الدفاعالإيطالي إن أكبر حقل غاز في المتوسط، وهوظهر، الذي تبلغ قيمته 100 مليار يورو، تتولى تشغيله شركة أيني الإيطالية، وعليه، فهناك مصلحة مشتركة بين روما والقاهرة في تأمين موارد الطاقة.

ذكر الموقع أن مصر باتت مجبرة على بناء قدراتها العسكرية البحرية لمواجهة التحركات التركية التي تتجاهل الخرائط الجغرافية في ليبيا أو في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهذا ما يهدد ليس القاهرة فحسب، بل كذلك اليونان وإسرائيل وقبرص.

وأضاف: “من الواضح أن المصريين يحتاجون إلى وحدات بحرية حديثة في غضون وقت قصير ليتمكنوا من مواجهة بحرية أنقرة“.

واشترت مصر أخيراً 24 مقاتلة من طراز رافال، وحاملتي طائرات ميسترال، وأربع فرقاطات من فرنسا. ووقعت على اتفاق شراء أربع غواصات وفرقاطتين من طراز ” MEKO 200 ” وأنظمة دفاع جوي من ألمانيا

بالإضافة إلى عقدها صفقات ضخمة مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية شملت أنظمة دفاع جوي ومقاتلات ميغ 28 وأف 16 ومروحيات من طراز تمساح وأباتشي وغيرها.

وكانت مصر ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم بين عامي 2014 و 2018، بزيادة قدرها 206٪ من واردات الأسلحة بين عامي 2009 و 2013 ، وفقاً لتقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI) في العام الماضي.

وفي تقرير صدر في  العام الفائت، قال مركز كارنيغي للشرق الأوسط إن وراء الصحوة التي يشهدها الجيش المصري في التسليح، اعتبارات عدة، أولها التهديدات الأمنية المحلية مثل محاربة التنظيمات الإرهابية في سيناء، والتحديات الإقليمية المكثّفة ولا سيما في أفريقيا حيث تبني إثيوبيا سداً على نهر النيل.

وذكر المركز في التقرير أن هذا العملاق المستيقظ من سباته (الجيش المصري) تعرض لضغوط أمريكية من أجل إعادة تحسين أدائه للمساهمة في الحفاظ على الأمن الإقليمي“.

ضغوط لوقف الصفقة

تمثل موافقة الحكومة الإيطالية على إتمام الصفقة انتكاسة كبيرة لحملة إعلامية إيطالية منذ 9 فبراير الماضي لمنع تصدير الأسلحة إلى القاهرة بسبب اتهامات تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان.

ووجهت صحيفة مانيفيستو الإيطالية نداءً إلى البرلمان الإيطالي تحت عنوان لا لبيع الفرقاطات الإيطالية لمصر، مشيرة إلى أن القاهرة لم تكشف حتى الآن عن هوية قاتلي الطالب ريجيني.

وتزايدت الضغوط الإعلامية والحقوقية والشعبية على الحكومة الإيطالية لوقف إتمام الصفقة عقب اعتقال الناشط الحقوقي باتريك جورج زكي في مطار القاهرة، خلال عودته من إيطاليا حيث كان يدرس في جامعة بولونيا.

وطالب ريكاردو نوري، المتحدث باسم منظمة العفو الدولية في روما، الحكومة الإيطالية بعدم تزويد مصر السفن الحربية، محذراً الحكومة من أن موافقتها على هذه الصفقة يجعل منها شريكة في الانتهاكات الحقوقية.

في سياق متصل، أوصى المركز الأوروبي للعلاقات الخارجية إيطاليا أن تضغط على مصر عبر تجميد بيع صفقة الفرقاطتين إلى أن يحصل تقدم في التحقيقات الجارية بشأن مقتل ريجيني وإطلاق سراح زكي.

وقال المركز، الذي يقدم توصيات إلى وزراء خارجية الدول الأوروبية، الثلاثاء 3 مارس، إن مصر التي تلعب دور الحارس في وقف الهجرة غير الشرعية إلى دول الاتحاد، يجب أن تحسٌن أوضاع حقوق الإنسان حتى تستمر علاقاتها الإستراتيجية مع بروكسل.

***

مصر والحاجة إلى ترسانة الأسلحة  .. هل هو دور وظيفي أم أمن قومي؟

سلط تقدم مصر في قائمة الدول الأكثر شراء للسلاح على مستوى العالم لسنوات عدة متتالية الضوء على مدى حاجتها لاستيراد هذا الكم والنوع من الأسلحة ومصدر تمويلها، في وقت تعاني فيه من تراكم الديون الداخلية والخارجية لمستويات تاريخية وارتفاع نسبة الفقر، وفق أرقام رسمية.

واحتلت مصر المرتبة الثالثة عالميا في استيراد الأسلحة في الفترة من 2015 إلى 2019، حيث بلغت وارداتها نحو 5.58% من السوق العالمي، بعد السعودية التي جاءت بالمرتبة الأولى 12%، والهند 9.2%، وفق أحدث تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري).

وتربعت فرنسا وروسيا على رأس الدول الموردة للسلاح إلى مصر بواقع 35% لكل منهما، في حين تراجعت الولايات المتحدة إلى المركز الثالث بنسبة 15% للمرة الأولى منذ عام 1980، حيث كانت المصدر الرئيس للسلاح إلى مصر.

وبحسب آخر تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، ارتفعت معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5% من عدد السكان بنهاية العام المالي 2018/2017، مقابل 27.8% لعام 2016/2015، مما يعني وجود أكثر من 32 مليون فقير في مصر.

وارتفع الدين الخارجي لمصر نهاية سبتمبر 2019 إلى 109.4 مليارات دولار، مقابل 93.1 مليارا نهاية سبتمبر 2018، في حين ارتفع الدين العام المحلي إلى 4.186 تريليونات جنيه (نحو 266 مليار دولار)، مقابل 3.887 تريليونات جنيه (نحو 247 مليار دولار) خلال نفس الفترة، بحسب البنك المركزي المصري.

شراء الشرعية

التقرير الصادر عن سيبريأماط اللثام عن جزء كبير من التساؤلات الخاصة بحاجة مصر لهذا الكم والنوع من الأسلحة، حيث رجح أن تكون الزيادة مرتبطة بنشاطها العسكري في ليبيا واليمن، فضلا عن حربها مع الجماعات المسلحة في سيناء“.

وفي معرض تعليقه على التقرير، قال رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشورى المصري السابق رضا فهمي إن جزءا من هذه الصفقات يتعلق بتسليح الجيش المصري، والجزء الآخر تلعب فيه مصر دور الوكيل عن الإمارات والسعودية، بالإضافة إلى رغبة النظام المبكرة في شراء شرعية دولية من دول ذات ثقل دولي وعسكري بعد انقلاب 3 يوليو 2013″.

وفي حديثه للجزيرة نت استبعد فهمي أن تكون هذه الأسلحة متعلقة بمواجهة الجماعات المسلحة في شبه جزيرة سيناء، ولكنها مرتبطة بالتحالف المصري الإماراتي في ليبيا لدعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ورغبتهما في استتباب الأوضاع في ليبيا والسودان من خلال أنظمة حكم عسكري تتناغم مع النظام العسكري في مصر، مضيفا أن مصر هي البوابة الكبيرة لدخول السلاح للشرق الليبي“.

ورغم التهديدات الكبرى التي يمثلها تقليص حصة مصر من المياه بسبب تخزين المياه أمام سد النهضة الإثيوبي فإن فهمي استبعد أن يكون لهذا السلاح دور في حسم المسألة عسكريا، مشيرا إلى أن هناك فرقا بين تأمين حاجة الأمن القومي المصري وبين تأمين أمن النظام الذي يحكم الناس بالحديد والنار.

وبالتالي يصعب التصديق أن الرئيس عبد الفتاح السيسي معني بحل أزمة المياه عسكريا، لأنه تنازل عنها طواعية من خلال توقيع اتفاق المبادئ في 2015.

الدور الوظيفي

من جهته، أرجع أستاذ العلوم السياسية عصام عبد الشافي الأمر إلى عدة اعتبارات، من بينها طبيعة الدور الوظيفي الذي يقوم به النظام المصري في هذه المرحلة، سواء فيما يتعلق بغاز شرق المتوسط والملف الليبي والملف اليمني وأمن البحر الأحمر، إضافة إلى أن هناك توترات في شبه جزيرة سيناء، وأنه يوجد دور آخر في سوريا، والذي كشفت عنه الكثير من التقارير مؤخرا“.

وفي حديثه للجزيرة نت لفت عبد الشافي إلى احتمال أن يلعب النظام المصري دور الوسيط في شراء الأسلحة لتمريرها لجهات أخرى، مثل قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا كما ذكر التقرير، حيث يحظى بدعم وتسليح وتدريب من قبل الجيش المصري، سواء في مصر أو في شرق ليبيا.

وبشأن الحديث عن جدوى التسلح في ظل أزمة نقص المياه التي تلوح في الأفق، أوضح عبد الشافي أن الأمر مرتبط بإشكالية كبيرة، فالعلاقات المصرية الأفريقية من الصعب اللجوء فيها للخيار العسكري بدرجة كبيرة، إلى جانب أن هناك شكوكا بشأن تورط النظام في ملف سد النهضة من خلال تمرير اتفاق المبادئ في 2015 للحصول على شرعية من الاتحاد الأفريقي.

ورأى أن هذه الأسلحة لا تصب بدرجة أساسية في مستهدفات تعزيز الأمن القومي للدولة المصرية والذي تم إهداره في جزيرتي تيران وصنافير ومياه نهر النيل وغاز شرق المتوسط، لافتا إلى أن هذا النظام لا يعنيه بأي حال من الأحوال حماية الأمن القومي بقدر ما يعنيه حماية أمنه، وبالتالي هذه الترسانة وإن كانت مهمةليست مؤشرا على تعزيز القدرات العسكرية أو القتالية للجيش المصري.

وقبل يومين كشف تقرير في صحيفة غارديان البريطانية أن الإمارات زودت اللواء الليبي المتقاعد حفتر بخمسة آلاف طن من الأسلحة منذ يناير الماضي.

وأشارت بيانات الصحيفة إلى أن شحنات الأسلحة المذكورة نقلت في طائرات نقل مستأجرة كانت تهبط في مطار قريب من بنغازي معقل حفتر، أو في غرب مصر.

وفي عام 2015 بثت قنوات المعارضة المصرية تسريبا صوتيا لمدير مكتب السيسي اللواء عباس كامل وهو يتحدث عن شحنة أسلحة موجهة إلى ليبيا.

__________