Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

التنافسُ على أشده على خلافة المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، إذ يسعى كل فريق من القوتين المتصارعتين إلى فرض شخصية موالية له.

لكن الغريمين الليبيين لا قول لهما، عمليا، في هذا الخيار، لكون اللعبة خرجت من أيديهم، وباتت بين أصابع اللاعبين الإقليميين والدوليين.

وهذا ما تكشفه كثرة الأسماء المتداولة من أجل الضغط على الأمين العام للأمم المتحدة وإرباكه.

ومن الأسماء المتداولة وزير الخارجية الجزائري الأسبق رمضان العمامرة، الحائز على دعم الإمارات وفرنسا، ولم يُعرف حتى الآن موقف بلده، وهو الذي تزامل مع الرئيس عبد المجيد تبون، لما كانا عضوين في الحكومة، على أيام الرئيس المُقال عبد العزيز بوتفليقة.

غير أن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف ودريان، أشار في تصريح الخميس الماضي إلى احتمال تشكيل محور فرنسي جزائري إماراتي لدعم العمامرة، إذ أكد أن باريس والجزائر “اتفقتا على العمل سوية لإحلال السلام في ليبيا ومنطقة الساحل” وأن فرنسا “ترى في الجزائر شريكًا أساسيًا لحل الأزمات الإقليمية في هذه المنطقة”.

وعلى الجانب الجزائري أيضا، ما زال كبار المسؤولين الحكوميين يعرضون استضافة حوار ليبيليبي، وهو العرض الذي جدده الرئيس تبون، في الكلمة التي ألقاها باسمه رئيس الحكومة عبد العزيز جراد، في افتتاح الاجتماع الأول لمجموعة اتصال الاتحاد الافريقي حول ليبيا، المنعقد في الكونغو الخميس الماضي.

لا بل إن الجزائريين حرصوا على لسان تبون على إبراز استعدادهم “لتقديم التسهيلات الضرورية وتهيئة كل الإمكانات والظروف اللازمة لاحتضان مؤتمر المصالحة الوطنية الليبية المُزمع عقده في يوليو المقبل”.

المستفيد الأول

إذا ما أعطى هذا التحالف الجزائري الفرنسي الإماراتي ثماره، بتسمية العمامرة لخلافة سلامة، سيكون القائد العسكري للمنطقة الشرقية اللواء خليفة حفتر، المستفيد الأول من تسمية العمامرة.

لكن مصادر جزائرية تؤكد أن الوزير الذي اشتغل طويلا على الملف الليبي، ليس العمامرة وإنما هو عبد القادر مساهل، الذي خلف الأخير على رأس الدبلوماسية الجزائرية، والذي جال في جميع مناطق ليبيا من الرجمة والبيضاء شرقا إلى طرابلس والزنتان غربا إلى سبها جنوبا، في مايو 2017.

وشدد مساهل في خاتمة تلك الجولة، على أن تسوية الأزمة الليبية لا يكون إلا في إطار حوار ليبيليبي شامل، لا يستثني سوى الارهابيين.

هناك أوساط أخرى تدفع بالدبلوماسية الأمريكية ستيفاني توركو وليامز إلى الواجهة، وترى فيها أفضل من يخلف سلامة على رأس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا،

أولا باعتبارها شغلت منصب نائب رئيس البعثة منذ 2018 وهي مطلعة جيدا على ملفات الأزمة الليبية،

وثانيا لأن خلفها الولايات المتحدة بكامل ثقلها، باعتبارها أحد الخبراء البارزين في الشؤون العربية بوزارة الخارجية، بحكم عملها السابق في كل من البحرين والعراق والإمارات والكويت والأردن، قبل ترقيتها إلى قائمة بالأعمال في السفارة الأمريكية بطرابلس.

ويُشكك البعض في حياد وليامز ويتوجسون من كونها قد تكون أميل إلى حكومة الوفاق الوطني، وأحرص على تطبيق اتفاق الصخيرات، الذي يعتبره اللواء حفتر منتهي الصلاحية، أو “كادوك” طبقا للعبارة الشهيرة للرئيس الراحل عرفات.

فشل المبادرة الثلاثية

في هذا السباق إلى تولي رئاسة بعثة الدعم الأممية، يتردد أيضا اسم وزير الخارجية التونسي السابق خميس الجهيناوي، الذي تابع الملف الليبي عن كثب طيلة خمس سنوات، وبات معروفا من أطراف الصراع في ليبيا.

شارك الجهيناوي في المبادرة الثلاثية للوساطة في ليبيا، إلى جانب نظيره المصري سامح شكري والجزائري العمامرة (ثم مساهل من بعده)، غير أن المبادرة لم تُسفر عن نتائج وقُبرت بعد مراوحة كبيرة عند نقطة البداية.

وعلى الرغم من أن التونسيين حافظوا على خط مفتوح مع اللواء المتقاعد حفتر، ظلت علاقاتهم أكثف مع حكومة الوفاق في طرابلس، لاعتبارات جغرافية تجعل من الجنوب التونسي رئة التنفس لليبيين الذين لا يستطيعون السفر إلى أوروبا للعلاج أو الأعمال أو السياحة. ويُشكك أنصار الحكومة الموازية غير المعترف بها دوليا (مقرُها في مدينة البيضاءشرق) في مدى محافظة الوزير التونسي السابق على مسافة متساوية من الفريقين المتصارعين في ليبيا.

كما ينتقد آخرون، بمن فيهم الرئيس التونسي قيس سعيد، تولي الجهيناوي إدارة مكتب الاتصال التونسي في تل أبيب في تسعينات القرن الماضي.

في ظل هذا التجاذب الشديد، حاول الرئيس الفرنسي ماكرون تجميع أوراق جديدة بين يديه، بدعوة حفتر إلى باريس، حيث أعلن استعداده للتوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار “شريطة التزام الطرف المقابل بتنفيذه”، وكأن أصل الأشياء أن يُوقع اتفاق وقف إطلاق النار ليُحفظ في أدراج المكاتب.

كما دعت فرنسا وزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا إلى زيارة باريس، من أجل إجراء محادثات مع نظيره الفرنسي كريستوف كستنير، ولم تدعُ السراج هذه المرة، بالرغم من أنها سبق أن جمعت مرتين الغريمين حفتر والسراج، آخرتهما في مطلع العام الماضي. وعزا مصدر فرنسي هذا التجاهل إلى أن باريس باتت تعتبر السراج “دمية في أيدي الدول المؤثرة في الأمم المتحدة” فيما تنظر إلى باشاغا بوصفه الرجل الأقوى في المنطقة الغربية.

توزيع أدوار

ويُضيف المصدر أن فرنسا تعتقد أن باشاغا بات الرجل الوحيد في المنطقة الغربية، القادر على التفاوض مع حفتر، بحكم الشعبية التي يحظى بها في كل من مصراتة وطرابس.

ويميل ماكرون حسب المصدر إلى توزيع الأدوار بين حفتر وباشاغا، بحيث يتولى الأول الجيش والأمن، فيما يتعهد الثاني بمراقبة الميليشيات، وهو تقسيم مُجحف في حق خصوم اللواء المتقاعد، خاصة بعد إخفاق حملته العسكرية للاستيلاء على طرابلس.

ويُروج الفرنسيون إلى كون حفتر قبل بتنفيذ الترتيبات الأمنية المُضمنة في وثيقة ملحقة باتفاق برلين. ويأمل الفرنسيون، التفافا على الحكومة المعترف بها دوليا، الدفع باتجاه تشكيل حكومة جديدة، يصفونها بـ”حكومة وحدة وطنية حقيقية تُشرف على إدارة المسارين الدستوري والانتخابي.

الفرنسيون يتطلعون، على ما ذكر المصدر، إلى اللقاء الثلاثي، المقرر للأيام المقبلة بين الرئيس التركي اردوغان والمستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ماكرون (إن لم يعصف فيروس كورونا بأجندات الزعماء) والذي سيُركز على ملف المهاجرين، لكن لا شيء يمنع الثلاثة من التباحث في الملفين الليبي والسوري.

ويمكن القول إن عيون الزعماء الثلاثة على ملف آخر، لا يقل أهمية عن التسوية السياسية للصراع، ويتمثل في توزيع صفقات إعادة الإعمار. وكشف رئيس مجلس العلاقات التركية الليبية مرتضى قرنفل أن تركيا تلقت دعوة من حكومة الوفاق في هذا الاتجاه، وحض المجموعات والشركات التركية على الاستفادة من الاستثمار في قطاع المقاولات، المُقدر بـ120 مليار دولار.

ويُقدر الأتراك قيمة المشاريع التي كانوا يُنفذونها قبل الاطاحة بالقذافي بـ19 مليار دولار، أما الأموال المستحقة حاليا لشركات ومقاولات تركية، فقدرها قرنفل بـ4 مليارات دولار، وهي تخص المبالغ المستحقة بسبب الخسائر الناجمة عن الحرب، بما في ذلك التأمين والآلات والمعدات، على ما قال.

ولم يُخف قرنفل رغبة أنقرة بالاستحواذ على حصة الصين من صفقات إعادة الاعمار في ليبيا، إذ أفاد أن تلك الحصة تبلغ حوالي 13% ، وعلق قائلا “نستطيع تحويل حصة الصين في ليبيا والدول الافريقية لصالحنا باستخدام ميزات موقعنا الجغرافي والسياسي”.

ثنائيات

بعد اتفاق موسكو لوقف إطلاق النار، الذي رفض حفتر التوقيع عليه في 13 يناير الماضي، وإعلان برلين في 19 من الشهر نفسه، الذي لم يجد طريقه إلى التنفيذ، تعززت الثنائيات التي تتجاذب الملف الليبي، بين فرنسا التي استقبلت حفتر وبريطانيا التي استقبلت باشاغا، وكذك ثنائية الجزائر والمغرب، إذ تزامن عرض الرئيس تبون استضافة مؤتمر مصالحة ليبي، مع التصريحات التي أدلى بها رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، وأكد فيها أن “الوضع الراهن في ليبيا لا يتطلب مبادرات سياسية جديدة” معتبرا أن المبادرات الدولية “لن تتمكن من إيجاد حل للصراع الداخلي في ليبيا أفضل من اتفاق الصخيرات”.

ومع الإنذارات المتوالية من حكومة الوفاق وكذلك من أوساط اللواء حفتر، المُحذرة من أن الأيام المقبلة ستشهد تصعيدا عسكريا على كافة الجبهات، يبدو أن المبادرات الصلحية ستبقى بلا نتيجة، وأن فيرس كورونا هو الوحيد الذي سيتقدم، مستعينا بالطائرات المسيرة والمدافع، التي ستوقع مزيدا من الضحايا في صفوف المدنيين.

وفي أثناء ذلك، يعاني الليبيون من تأخر صرف الرواتب على مدى ثلاثة أشهر، بسبب النفقات الضخمة التي تُسببها الحرب الدائرة بين الإخوة الأعداء، منذ الرابع من أبريل من السنة الماضية. وسدد تخفيض سعر البرميل من النفط إلى 25 أو 30 دولار، ضربة قاضية للدول المُصدرة، ومن بينها ليبيا، فضلا عن الخسائر الناجمة عن إقفال حفتر الموانئ والحقول النفطية بنسبة 90 في المئة.

____________