Minbar Libya

في هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة شاملة وبعمق لفهم كل ملابسات وخلفيات وتداعيات توقيع الاتفاقية الليبية التركية، وما سينتج عنها من انعكاسات داخلية وخارجية سوف تلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي المضطرب منذ عام 2011م .

الجزء الأول

لقد شكل توقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا في 27 نوفمبر عام 2019م فاتحة لفصل جديد من فصول الصراع ، ليس فقط في منطقة شرق البحر المتوسط . بل في كل منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا، خاصة في ظل الصراع الدولي والإقليمي على النفوذ والمصالح الذي تشهده ليبيا .

لم تكن دول منطقة شرق البحر المتوسط الموقعة على اتفاق ترسيم الحدود فيما بينها في عام 2013م تعلم بان ألأتراك والليبيين سوف يقدمون على خطوة شجاعة وغير متوقعة، وهي توقيع مذكرتي التفاهم في 27 نوفمبر عام 2019م .

لسنا مجانبين للصواب إذا ما قلنا بان ما حدث أشبه بحجر ثقيل تم إلقاؤه في مياه شرق البحر المتوسط فحمل إلى سواحل اليونان ومصر وإسرائيل وقبرص اليونانية أمواج تسونامي عاتية تنذر بان هيكل المصالح الذي تم وضع أسسه في عام 2013م قد أصبح عرضة للتصدع والانهيار .

في مشهد الصراع الليبي ظلت حكومة الوفاق لفترة طويلة عاجزة عن الفعل ، وتتلقى الضربات الموجعة . إلا أنها بتوقيع مذكرتي التفاهم مع تركيا تكون قد أعلنت للجميع بان ليبيا الغارقة في حرب أهلية مدمرة لم تخرج من خرائط الجغرافيا السياسية وأنها لا تزال قادرة على الفعل والمبادرة، وإنها بحكم مسؤوليتها التاريخية كحكومة شرعية يعترف بها العالم ، لن تترك الثروات الليبية في البحر المتوسط غنيمة سهلة لليونان وغيرها من الدول الطامعة، والتي تستغل ظروف الحرب والأزمة الليبية لتستولي على ثروات هائلة من النفط والغاز .

مذكرة التفاهم الليبية التركية بشأن التعاون العسكري والأمني

هي مذكرة لا تقل أهمية عن مذكرة التفاهم لترسيم الحدود البحرية بين البلدين ، وتتكامل معها ، كما أن تفاصيل مذكرة التفاهم بشأن التعاون العسكري والأمني لم تظهر كل تفاصيلها للعلن ، ولكن نستطيع من خلال تصريحات بعض المسؤولين الليبيين خاصة وزير الداخلية فتحي باشاغا أن نفهم ما تحتويه مذكرة التفاهم بشأن التعاون العسكري والأمني .

كما أن عرض أردوغان على حكومة الوفاق إرسال قوات تركية إلى ليبيا ، وهو عرض تكرر أكثر من مرة . ثم مصادقة البرلمان التركي على مذكرة التفاهم ألأمنية والعسكرية . وطلب حكومة الوفاق رسميا من تركيا دعم امني وعسكري يؤكد الهدف من توقيع هذه المذكرة ، وهو تقديم الدعم العسكري التركي لليبيا.

ليس خافيا احتدام الصراع الدولي والإقليمي على النفوذ والمصالح في ليبيا الغارقة في الحرب ، والتي تشهد منذ 4 ابريل عام 2019م هجوما عنيفا تشنه قوات حفتر على طرابلس وبدعم من قوى إقليمية ودولية ، كل ذلك يجعل حكومة الوفاق بحاجة إلى حليف قوي بوزن تركيا يقدم لها الدعم العسكري واللوجستي ، وكل أنواع الدعم الأمني والاستخباراتي لكي تدافع عن عاصمة الدولة وعن المنطقة الغربية من ليبيا التي يقطنها أكثر من ثلثي السكان .

 مذكرة التفاهم الليبية التركية بشأن ترسيم الحدود البحرية: الخلفية التاريخية وأبعادها السياسية والاقتصادية.

الخلفيات التاريخية

لم يأتي توقيع الاتفاقية الليبية التركية بشأن ترسيم الحدود البحرية عبثا، بل كانت هناك مفاوضات بين ليبيا وتركيا منذ عهد معمر القذافي، بعد أن أعلنت ليبيا المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها في عام 2009م مما جعلها منفتحة على الاتفاقيات الدولية، وقد ذكرت بعض المصادر أن تركيا حاولت التوصل لاتفاق مع ليبيا قبل عام2011م ، وأن أردوغان حمل الخرائط بنفسه في زيارة إلى ليبيا في نوفمبر عام 2010م ، لكن وقوع الثورة حال دون التوصل للاتفاق.

وبعد الثورة حاولت تركيا مجددًا، كما ذكرت مصادر تركية أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قام خلال زيارة له إلى ليبيا في نوفمبر عام 2018م من أجل تفاهمات أمنية بإعادة فتح ملف المباحثات حول اتفاقية السيادة البحرية مما أكسب المباحثات سرعة أكبر.

أما بالنسبة إلى اليونان فقد فشلت المفاوضات بينها وبين ليبيا في عام 2004م لترسيم الحدود البحرية. وفي 22 ديسمبر عام 2012م أعلن وزير التعاون الدولي الليبي محمد عبد العزيز أن ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا واليونان لم يتم بصفة نهائية وأن المفاوضات مستمرة.

وقال عبد العزيز في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية اليوناني ديمتريس افراموبوليس : ” تبادلنا وجهات النظر مع وزير الخارجية اليوناني حول قضية الحدود البحرية، ليس فقط ما بين ليبيا واليونان، ولكن بين ليبيا واليونان ودول الجوار “.

وأضاف محمد عبد العزيز بقوله  : ” أننا تبادلنا وجهات النظر فيما يتعلق بالتعاون بالمجال البحري ، وكيفية الاستفادة من الإدارة التي تتولاها حكومة اليونان فيما يتعلق بإدارة الموانئ وكيفية الاستفادة من هذه الخبرة “.

الأبعاد السياسية والاقتصادية

ـ ليبيا

لقد ظن أعداء الثورة الليبية من داعمي حفتر وفي مقدمتهم مصر والإمارات بأنه بإمكانهم السيطرة والهيمنة على موارد وثروات الدولة الليبية، مستغلين في ذلك الظرف التاريخي الحساس الذي تمر به البلاد، والحرب والصراعات بين الليبيين.

إن توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية بشأن ترسيم الحدود البحرية تؤكد على وجود وقوة وهيبة الدولة الليبية ممثلة في حكومة الوفاق الشرعية، وهي رسالة قوية لأي دولة تظن بأنها قادرة على نهب ثروات الليبيين.

وبشأن الجدل حول قانونية توقيع هذه الاتفاقية ، وفي شقها البحري ، يقول الباحث محمود الرنتيسي : ” وان كان المتداول هو رسم المناطق البحرية من خلال خطوط رأسية ويتفق مع هذا ترسيم الحدود المحتمل مع قبرص ومصر، ولكن الأدميرال البحري السابق والخبير في القانون البحري جهاد يايجي قد استحضر فكرة رسم الخطوط القُطرية لتحديد المناطق البحرية لتركيا منذ سنوات عديدة حيث بنى فكرته على أن موقع تركيا المائل جغرافيًّا ينص على حقها في رسم خطوط قُطرية لتحديد مناطقها البحرية وتوقيع اتفاقيات ترسيم الحدود مع ليبيا وإسرائيل ولبنان ” .

وأضاف يايجي بقوله : ” أن اعتبار ساحل درنة وطبرق وبوردية في ليبيا وفتحية ومرمريس وكاش في تركيا بمنزلة سواحل متقابلة متصلة يتماشى مع القانون الدولي والمصالح المطلقة للبلدين ” .
إن ما يقوله الخبير جهاد يايجي يؤكد عدم صحة الادعاءات اليونانية بعدم قانونية توقيع مذكرة التفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا.
من الناحية الاقتصادية فان توقيع مذكرة التفاهم بين ليبيا وتركيا بشان ترسيم الحدود البحرية قد مكنت الدولة الليبية من استعادة مساحة 39000كم2 من المياه الاقتصادية الليبية التي استولت عليها اليونان في عام 2004م .

بل وأقدمت على خطوة خطيرة في عام 2018م حيث أعلنت عن رغبتها في التعاقد مع الشركات العالمية للتنقيب عن النفط والغاز ، وهو ألأمر الذي رفضته ليبيا حيث وجهت حكومة الوفاق رسالة إلى ألأمم المتحدة في عام 2019م تندد فيها باغتصاب اليونان لحقوقها، وتعلن عدم اعترافها بما قامت به اليونان.

ـ تركيا

في صراعات شرق البحر المتوسط يبدو واضحا بان كل دول الإقليم تتحالف ضد تركيا في إطار منتدى غاز شرق المتوسط الذي أعلن عنه في عام 2019م، لذا فان تركيا لم تقف مكتوفة ألأيدي وهي ترى دول الإقليم تتقاسم النفوذ وتستحوذ على موارد النفط والغاز.

كما إن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص واليونان وإسرائيل في عام 2013م كان فيها إجحاف لحقوق تركيا وليبيا في شرق البحر المتوسط. ويمكن أن نجد دوافع وأهداف تركيا بتوقيعها مذكرة التفاهم مع ليبيا فيما يلي:

  1. إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط ، والذي استُبعدت تركيا منه على الرغم من أنها جزء مهم من إقليم شرق المتوسط .

  2. يعتبر هذا الاتفاق مع ليبيا اتفاقًا تاريخيًّا لأنه يمثل أول صفقة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا مع دولة ساحلية باستثناء قبرص التركية. ويعتقد أنه سيزيد الجرف القاري لتركيا في المنطقة المذكورة بحوالي %30.

  3. توفير أساس سياسي وقانوني لمحاولات تركيا المستقبلية في شرق المتوسط ، ويعطيها الحق في حماية حقوقها جرَّاء توقيع الاتفاقية وخاصة أعمال سفنها التي تقوم بالحفر والتنقيب.

  4. منع اليونان من ترسيم الحدود البحرية مع مصر قبرص اليونانية عبر جزر كريت وميس. وكانت اليونان قد نشرت خرائط تقصر المنطقة التركية على خليج أنطاليا فحسب والذي يغطي مساحة 41 ألف كيلومتر مربع ، ومن المستغرب أن تعارض حكومة السيسي هذه الاتفاقية رغم أنها تنسجم مع المصالح المصرية، وستكون طرفًا مستفيدًا من اتفاقية ترسيم الحدود البحرية.

  5. إحباط خطط عزل تركيا والقبارصة الأتراك وزيادة تأثير تركيا على الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط .

  6. تعتبر الاتفاقية بطاقة قوة بيد تركيا في أي حوار قادم يتعلق بحقوقها وبمستقبل ليبيا أيضًا.

  7.  إعادة تذكير الدول المكتشِفة لموارد الطاقة والدول المستقبِلة بأن المرور عبر تركيا هو الخيار الأكثر منطقية اقتصاديًّا وأمنيًّا في ظل محاولة حرمانها من ربط حقول غاز شرق البحر المتوسط بالأسواق الأوروبية.
    من الناحية الاقتصادية أيضا يمكن أن نجد دوافع ملحة لتركيا في توقيعها لمذكرة التفاهم مع ليبيا بشان ترسيم الحدود البحرية.

تتمثل هذه الدوافع في عدم وجود اكتفاء ذاتي لدى تركيا في الطاقة، وحاجتها لاستيراد حوالي 90% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج وهو أمر مكلف جدا للاقتصاد التركي، ما تقدمه الاتفاقية مع ليبيا من موارد هائلة من النفط والغاز تكفي تركيا وفق إحدى التقديرات لمدة 500 عام ويعتبر مكسب استراتيجي كبير لدولة تعاني الفقر في موارد الطاقة. بل لدولة تعتبر قوة صاعدة ومستهدفة في أمنها القومي .

***

محمد عمران كشادة (باحث ليبي)

__________