Minbar Libya

بقلم امراجع السحاتي

في هذه الدراسة يحاول الباحث أن يوضح تأثير الهوية السياسية الليبية على الوطنية لدى المواطنين الليبيين، كما يحاول الباحث توضيح تأثير الهوية الاجتماعية على الوطنية في ظل تواجدها تحت مظلة الهوية السياسية من خلال الإجابة على التساؤل الذي يقول: هل للهوية السياسية والاجتماعية في ليبيا تأثير على الوطنية؟

الجزء الرابع

ثالثا: الخاتمة

وأخيرا فإن الهوية الاجتماعية والتي هي العلامة التي تميز الأشخاص والشعوب والأمم عن بعضها البعض، وهي التي تنبع من عدة مقومات أو عناصر كالتاريخ والعادات والتقاليد وكافة الفنون الأدبية الشعبية والعلم والنشيد.

الهوية الحقيقية هي التي تولّد في نفوس الناس المواطنين الروح الوطنية فالتاريخ والدين واللغة والعادات والتقاليد والثقافة الشعبية وسلوك أفراد المجتمع هي التي تغرس في المواطن الروح الوطنية فإذا فقدت عناصر ومقومات الوطنية أو حدث فيها تشويه فإن ذلك يؤدي إلى إضعافها.

الوطنية تتأثر تأثيرا بالغا بالهوية السياسية عندما لا تحوي الهوية الاجتماعية، وعادة الهوية السياسية تضعف من الهوية الوطنية خاصة عندما تكون الدولة تحتوى على أكثر من هوية اجتماعية.

ورغم ذلك فإن الوطنية قد تنعدم عندما لا يتم الاهتمام بهوية الدولة لأن الكثير من الدول هوياتها سياسية وبالتالي فإن الوطنية ترتبط بالهوية السياسية والاجتماعية ولكن أذا حدث أن كانت الهوية الاجتماعية للدولة تتكون من عدة هويات محلية فإن الوطنية قد تتأثر وتضعف بسبب من الأسباب.

فإذا لم تهتم الدوية بالهويات المحلية وتحاول أن تلصقها في هوية اجتماعية واحدة فإن تمرّد هوية قد يؤدي إلى خلل في الوطنية لأن الهوية الاجتماعية أقوى من الهوية السياسية التي يخلقها النظام القائم والوطنية في حال تصارع الهويات الاجتماعية في الدولة الواحدة التي تضم تلك الهويات فإن الوطنية تصاب بالمرض وتضعف وقد تموت إذا انفردت كل هوية اجتماعية لتكوين دولة لتضم هويتها.

إذن هناك علاقة وثيقة بين الهوية والوطنية حيث تعتبر الهوية بما تشكله من مقومات وعناصر تؤثر في المواطن وتغرس فيه الوطنية فإذا لم تستطع الهوية التأثير على المواطن فإن الوطنية تنعدم وقد تتلاشى والتاريخ حافل بالكثير من الهويات التي انتهت وتلاشت.

الهوية قد تتغير من فترة إلى أخرى ولكن الهوية الأم الأولى تبقى ولا يمكن طمسها لأنها قد نقشت في ذاكرة الزمن وسجلت في التاريخ باسم شخصيتها التي ابتكرتها وكونتها وصنعتها.

قد تتعرض الهوية إلى سلب من قبل مؤتمرات خارجية تؤثر في مقومات الهوية، والسلب يأتي من خلال تقمص هوية الغير.

فقدان مقومات الهوية يفقد الوطنية فالهوية تعتبر دافع قوى للإلتصاق بالوطن الذي هو المكان فبدون مقومات الهوية لا وجود للوطنية.

في غياب الإلمام بمقومات الهوية الليبية يحدث السلب وهذا الغياب له عدة أسباب منها الغزو الثقافي أو طغيان ثقافة معادية، هذا الغزو قد يكون مقصود والقصد منه تدمير هوية أمة ما أو قد يكون عفوي يأتي من خارج حدود الأمة أو الشعب وساهم في حدوث ذلك الاستلاب ما نسميه السلطة الرابعة أي وسائل الإعلام المختلفة خاصة القنوات الفضائية.

في ليبيا حقيقة الهوية غير واضحة وغير مفهومة بسبب إقصاء الدولة للهويات الثقافية المحلية لكافة المكونات الليبية. فالحكومات الليبية المتعاقبة والأنظمة التي انبثقت منها لم تهتم بالهوية الليبية عدا الاهتمام ببعض المقومات من مقومات الهوية مثل إبراز جزء من تاريخ ليبيا وإقصاء الباقي بسبب الحقد والكراهية من الحكام ففي مراحل التعليم الأساسي في ليبيا لم نتعرف على كل تاريخ المناطق الليبية وأبطال المكونات الليبية ومقاومتهم للاستعمار.

إن عدم النظر في مقومات الهوية للمكونات الليبية ككل وتفضيل إحداها على غيرها، وطمس أخرى سوف يجرد المواطن الذي طمست هويته من الوطنية الليبية. كما أن الإستهزاء بالموروث الثقافي من ملابس وصناعات تقليدية وأدب شعبي وأكلات وأطعمة شعبية سوف يفقد الوطنية رونقها ويبعد المواطن عن الوطنية لأنه حينها يصبح جاهلا بمقومات هويته التي تساعد في الحفاظ على وطنيته.

رابعا: النتائج والتوصيات

أـ النتائج

من خلال ما ورد في الدراسة تم استقصاء النتائج التالية:

ـ إن للهويتين السياسية والاجتماعية تأثير على الوطنية.

ـ إن الهوية السياسية قد تتلاشى وتنتهي بانتهاء النظام السياسي الذي كانت تدور في فلكه وعادة لها تأثير سلبي على الوطنية عندما تغيب الديمقراطية.

ـ إن إهمال الهويات الاجتماعية للمكونات التي تشكل ليبيا سوف يؤدي إلى إضعاف الوطنية ويفكك الدولة.

ـ إن الهوية الاجتماعية يمكن أن تضعف ولكن لا يمكن أن تتلاشى وهي الكفيلة بغرس الوطنية في نفوس أصحابها.

ـ إن الهوية الليبية تعيش في مرحلة جمود وتتعرض لتهديد من الثقافات الخارجية سواء كانت إقليمية أو دولية لأن الهوية الليبية حقيقة غير واضحة والبارز منها شيء بسيط خاصة بعد أن صارت تهمش بعض مقومات الهوية نتيجة ظروف طبيعية مثل اللغة والأسماء وغيرها وهذا له تأثير سلبي على الوطنية.

ـ إن الانتعاد عن الهوية واعتناق هوية أخرى غير الهوية الاجتماعية كهوية المنظمات الخارجية والهوية التي يقوم بصناعتها الحاكم جرّد المواطنين من الوطنية.

ب ـ التوصيات

من خلال ما اتضح من نتائج فإن الدراسة توصى بالآتي:

ـ ضرورة أن يتم تحديد ملامح الهوية السياسية للدولة الليبية مع انسجامها واتحادها مع الهويات الاجتماعية للمكونات الليبية، لأن ذلك سوف يخرج هوية قوية للدولة الليبية تجمع كل الهويات.

ـ ضرورة تشكيل لجنة على مستوى ليبيا تتشكل من كل المكونات الليبية من أجل وضع هوية سياسية لا تتناقض مع الهويات الاجتماعية الليبية وتكون علاقتها مع لجنة الدستور ليوضع كل شيء في الدستور.

ـ ضرورة أن يتم تحديد أزياء المكونات الليبية وتسجيلها محليا وإقليميا ودوليا ، فحقيقة هذا المقوم قد يتعرض للإندثار والإخفاء في ظل الهجمة الثقافية، مثلا في إرتداء ملابس أمم أخرى حيث نرى الكثير من الليبيين يرتدون أزياء شعوب أخرى على أنها أزياء شعبية مثل ارتداءهم الأزياء الخليجية المختلفة.

ـ ضرورة تسجيل وتوثيق فكرة وطريقة الأطعمة الشعبية الليبية لكل المكونات محليا وإقليميا ودوليا، لأن العالم ليس لديه أي فكرة عن الأطعمة الليبية وحتى داخل ليبيا هناك فئة كبيرة جدا لا تعرف الأطعمة الليبية الشعبية لكل مكونات ليبيا.

ـ ضرورة الاهتمام بكافة المكونات الليبية وتجميع تاريخها وثقافاتها وتدوينها ضمن الثقافة الليبية.

ـ ضرورة أن يحدد مصطلح المواطنة الليبي في الدستور الليبي الغائب.

ـ ضرورة التصدي للحملات الإعلامية من الإعلام المضاد الذي يهدف إلى تمزيق اللحمة الوطنية.

ـ ضرورة تدريس ثقافة كل المكونات الليبية في مدارس المراحل المختلفة من الإبتدائي إلى الجامعة.

ـ ضرورة التعريف بثقافات المكونات الليبية التي تشكل الثقافة الليبية وتوثيقها هي الأخرى محليا وإقليميا ودوليا. لأن الثقافة الليبية حسب اعتقادي ناقصة وغير واضحة والوجه الظاهر من الثقافة الليبية هو أجزاء من الثقافة العربية التي جلها ممسوخة بالثقافات الواردة من الخارج خاصة في ظل العولمة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية فنحن نرى أن هناك عادات هي من ثقافة دول الجوار غزتنا وصارت من ثقافتنا كالتقاليد في إقامة الأفراح في ليبيا التي اقتبست من مصر.

ـ كما يتطلب من المفكرين والمثقفين وأساتذة الجامعات أن يتعمقوا في دراسة هويات المكونات الليبية والتي تعتبر مجتمعة هي التي تشكل وتكوّن الهوية الليبية. لأن غض النظر عن أي هوية من هويات المكونات الليبية تعتبر ظلم ومحاولة طمس وإخفاء تاريخ وحضارة ذلك المكون إضافة إلى أن ذلك سوف يؤثر على الوطنية الليبية لدى مواطني المكوّن وقد ينهي شيء اسمه ليبيا.

ـ يتطلب أن تكون الهوية السياسية حاضنة للهويات الاجتماعية للمكونات التي تكوّن الدولة، ويكون ذلك من خلال وضع خطة لتشكيل هوية سياسية تتكون من الهويات الاجتماعية.

ـ تجنيد وسائل التنشئة الإجتماعية في توعية المواطنين من الصغر بالوطنية والمحافظة على الهويات الليبية كافة.

____________

المصدر: مجلة الفصول الأربعة ـ عدد 124 ـ يناير 2020