Minbar Libya

في هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة شاملة وبعمق لفهم كل ملابسات وخلفيات وتداعيات توقيع الاتفاقية الليبية التركية، وما سينتج عنها من انعكاسات داخلية وخارجية سوف تلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي المضطرب منذ عام 2011م .

.الجزء الثاني

تدني نسب الاكتفاء الذاتي من موارد الطاقة والتبعية للخارج

مع التزايد المستمر في الصادرات السلعية التركية، والتي زادت قيمتها من 28 مليار دولار في عام 2000م إلى 157 مليار دولار في عام 2017م ، يظل السؤال حول أسباب استمرار العجز في الميزان التجاري التركي، والمستمر منذ سبعين عاما بلا انقطاع .

وأحد الأسباب الرئيسية لهذا العجز هو تدني نسب الاكتفاء الذاتي من موارد الطاقة، والتي تصل لحوالي 5% للنفط ، و1% للغاز الطبيعي، و47% للفحم، ما يتطلب استيراد كميات كبيرة من الوقود لتغطية استهلاك نحو81 مليون فرد من السكان، بخلاف المهاجرين من سوريا والسياح الواصلين لتركيا، والذين زاد عددهم على الثلاثين مليون سائح منذ عام 2008م ، وتجاوز عددهم الأربعين مليون سائح في عامي2014م و2015م .

وتضمن التوزيع النسبي لاستهلاك الطاقة في تركيا حسب أنواع الطاقة: النفط بنسبة 31%، وكلا من الفحم والغاز الطبيعي 28% ، والطاقة الكهرومائية 8% ، 4 والطاقة المتجددة%.

وحسب شركة البترول البريطانية، فقد بلغت كميات النفط المستهلكة في تركيا عام 2017م 1.007 مليون برميل نفط يوميا، بينما كان الإنتاج اليومي من الخام من داخل تركيا 49 ألف برميل فقط ، مما دفعها لاستيراد 520 ألف برميل نفط خام يوميا لتكريره محليا، مع بلوغ طاقة التكرير المحلية 596 ألف برميل يوميا.

لكن هذا لا يكفي لمواجهة الاستهلاك من المنتجات النفطية، مما دفعها لاستيراد 556 ألف برميل يوميا من المشتقات حسب أوبك، وهو وضع متوقع استمراره مع صغر حجم الاحتياطيات النفطية، والتي تبلغ 389 مليون برميل فقط ، مما يضعها بمركز متأخر بالاحتياطيات النفطية بدول العالم بالمركز الرابع والخمسين.

ويتشابه الأمر في الغاز الطبيعي ، حيث لم تنتج سوى 381 مليون متر مكعب سنويا ، حسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وبالمركز الثالث والسبعين دوليا، بينما بلغ استهلاكها من الغاز الطبيعي في عام 2017م 54 مليار متر مكعب حسب أوبك، لتقل نسبة الاكتفاء الذاتي عن1%، مما دفعها لاستيراد 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

وهو وضع مرشح للاستمرار مع ضعف الاحتياطيات التركية للغاز الطبيعي، والتي بلغت 19 مليار متر مكعب، أي أن الاحتياطيات لا تكفي لاستهلاك نصف عام.

وعلى خليفة التوتر والصراعات بين تركيا وروسيا في سوريا ، وأيضا عدم التوافق الواضح بشأن الأزمة الليبية ، وسيناريوهات توتر العلاقات مستقبلا وما يحدث في إدلب ألان مثال على ذلك ، فإننا يمكن أن نفهم مدى الخطر الذي تشعر به تركيا نتيجة احتياجها لاستيراد الطاقة من الخارج وخاصة من روسيا وإيران اللتان تختلف معهما كثيرا في عدة ملفات في المنطقة .

يتضح جليا حجم الترابط الوثيق بين تركيا وروسيا في مجال الطاقة، حيث تستورد تركيا من روسيا سنويًا 50 مليار مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما نسبته 27% من حجم الغاز الطبيعي الروسي الإجمالي. وبذلك تُعتبر تركيا المستورد الثاني للغاز الروسي، بينما تعتبر روسيا المُصدر الأول للغاز الطبيعي لتركيا.

وتكشف صحيفة خبر ترك في تقريرها بعنوان: “مصادر الطاقة الخاصة بتركيا، أن تركيا تؤمن حاجتها من الغاز الطبيعي من خلال استيراد ما نسبته 58% من روسيا، و19% من إيران، و 9% من العراق ، و3% من نيجيريا.

وتوضح الصحيفة أن تركيا توفر حاجتها من النفط من خلال استيراد ما نسبته 32% من العراق، و28% من إيران، و15% من المملكة العربية السعودية.

يشير البروفسور المختص في هندسة المعادن علي كهريمان ، في مقال بصحيفة ملييت بعنوان إستراتيجية تركيا للطاقة إلى أن : “تركيا توفر حاجتها للطاقة من مصادرها المحلية بنسبة ¼ فقط، بينما تستورد الثلاث أرباع الأخرى من الدول الأخرى مقابل 60 مليار دولار سنويًا، وتشكل مصادر الطاقة الروسية ما نسبته 1/3 من كميات الطاقة المستوردة“.

ويتابع كهريمان بالقول: “هذه النسب وغيرها من الإحصاءات الخاصة بمصادر الطاقة المستوردة، تُظهر مدى التبعية التركية للخارج ومدى الخطر الجيواقتصادي الاستراتيجي الذي تعيشه تركيا والذي ظهر جليًا إبان الأزمة الروسية، إذ لوحت بعض التحليلات بإمكانية قطع روسيا لمصادر الطاقة، فدقت القيادة التركية ناقوس الخطر، وبدأت ملهوفة ومُسرعة للبحث عن مصادر بديلة لمصادر الطاقة التي يُستورد ثلثها من روسيا“.

ويضيف كهريمان : ” إلى أنه في الوقت الحاضر هناك موجة حروب شديدة على مصادر الطاقة، مؤكدًا أنه في ظل هذه الحروب يجب على تركيا أن تؤمن نفسها بشكل حذر جدًا، لأن الإطار العام للحروب والصراعات في وقتنا الحالي، هو إطار جيو اقتصادي بالدرجة الأولى، وهذا ما يجعل تركيا بحاجة ماسة إلى تنويع مصادر الطاقة بقدر المستطاع لتقي نفسها من أي تحدي جيو سياسي يكون أحد أطرافه ذو قوة جيو اقتصادية نابعة عن مصادر الطاقة، مثل ما يحدث الآن مع روسيا تمامًا.

منطقة شرق البحر المتوسط والموقف الدولي والإقليمي .. صراعات النفط والغاز

منذ أعوام ومنطقة شرق البحر المتوسط تشهد صراعات بين دول الإقليم على موارد النفط والغاز. . صراع بين لبنان وإسرائيل من جهة ، وصراع بين تركيا واليونان وقبرص اليونانية من جهة أخرى ، وألان بتوقيع الاتفاقية الليبية التركية دخلت ليبيا طرفا رسميا في هذا الصراع.

لذا فان فهم وقائع الصراع على موارد النفط والغاز في شرق البحر المتوسط وكل تفاصيله مهم جدا بالنسبة لنا في ليبيا، ونعلم جيدا بان الدول التي وقعت اتفاقية ترسيم الحدود فيما بينها في عام 2013م وهي مصر وقبرص اليونانية واليونان وإسرائيل كلها ترفض توقيع الاتفاقية الليبية التركية ، وأنها سوف تشكل محور معادي لنا.

أهمية غاز شرق البحر الأبيض المتوسط

قدَّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في عام 2010م احتمال وجود ما يقرب من 122 تريليون م3 من مصادر الغاز غير المكتشفة في حوض شرق المتوسط قبالة سواحل سوريا ولبنان وإسرائيل وغزة وقبرص، بالإضافة إلى ما يقارب 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج.

وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تبقى في إطار التقديرات ولا تشمل أيضًا الأرقام المتعلقة بحوض دلتا النيل، إلا أنها لم تأت من فراغ، فخلال العقد الماضي جرى اكتشاف العديد من حقول الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط.

وبدأت عمليات الاستكشاف بالازدياد بعد نجاح الكونسورتيوم الذي تقوده شركة نوبل إنرجي الأمريكية في اكتشاف حقل تمار في عام 2009م قبالة ساحل إسرائيل، ومع توالي الاكتشافات أصبحت دول المنطقة أكثر اهتمامًا بتكليف الشركات الأجنبية بالقيام بأعمال الاستكشاف.

ويحظى الغاز في شرق منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط بأهمية خاصة نظرًا لعدة عوامل هي :-

  • الأهمية الجيوبوليتيكية للمنطقة الأوسع التي يقع فيها وهي منطقة الشرق الأوسط التي تضم حوالي 47% من احتياطي النفط، و41% من احتياطي الغاز في العالم. وزاد من أهميتها انفتاح البحر المتوسط على تقاطع آسيا وأوروبا وإفريقيا، واتصاله بطرق التجارة العالمية عبر مضايق السويس والبوسفور وجبل طارق.

  • الآمال الجيوسياسية والجيواقتصادية والجيوأمنية التي يحملها الغاز في تلك المنطقة بالنسبة إلى دول الجوار والتي راهن البعض على أنها ستغير المعطيات السياسية والاقتصادية لدول المنطقة.

  • الصراع على استغلال ثروات الهيدروكربون والتنافس على طرق تصديرها والتزاحم على حصص الأسواق الخارجية، بالإضافة إلى تحويل دول المنطقة إلى لاعب دولي صاعد في لعبة الغاز.

  • المنافع السياسية والاقتصادية والأمنية التي افترض كثيرون أن الغاز سيأتي بها لدول المنطقة.

***

محمد عمران كشادة (باحث ليبي)

__________