Minbar Libya

بقلم فهد سليمان

الدولة المدنية، الدولة الوطنية، الدولة – الأمة مفاهيم، مصطلحات، صيغ في التدبير السياسي للمجتمعات الإنسانية، تلتقي فيما بينها وتلبّي عملياً نفس المعنى.

.

.الجزء الثاني

تداعيات العولمة على الدولة الوطنية

العولمة والليبرالية القصوى (الألتراليبرالية) التي تلازمها، أتت وتأتي على حساب السيادة الوطنية، إحدى المرتكزات الأهم التي تقوم عليها الدولة الوطنية، بما هي سيادة الدولة على أراضيها، حدودها، مواطنيها، أمنها، واقتصادها.

لقد أدت العولمة، وتؤدي إلى تقليص مدى ومفعول الإجراءات الحمائية (القانونية، الإجرائية) التي تتخذها في العادة الدولة الوطنية، لصون كيانها، استقلالها، سيادتها، قرارها، وترتيباتها وفقاً لأولوياتها الوطنية.

وهذه ظاهرة كونية تنعكس كأزمة، بدرجات متفاوتة من الشدة على الدول، شرقاً وغرباً؛ كما أنها تتباين بأشكال تجلّيها، وتتمايز – كأزمة في تعبيراتها، تبعاً لمستوى تطور هذه الدول، حصانتها، عراقة مؤسساتها وكياناتها، قوة اقتصادها، فضلاً عن خصوصيات الشرط الثقافي والتاريخي (التي قد تكون في حالات معيّنة شديدة التأثير)، في كل من هذه البلدان على حدة..

تبرز هذه الأزمة في عدد من الدول الأوروبية على المستوى الإقتصادي (ديون اليونان، عدم قدرة عدد من الدول الوفاء بمقاييس ماستريخت الصارمة حول المالية العامة، لا سيما ما يتصل بعجز الموازنة، الخ..)، وتجد امتدادها في عدم استقرار الحكم، وأحياناً تغيير صيغته (إنفراط عقد الأحزاب الرئيسية في الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية الفرنسية عام 2017)، وفي مغادرة الإتحاد الأوروبي (المملكة المتحدة البريكسيت)، وفي كيفية التعاطي مع موجات الهجرة (من جوار أوروبا شرقاً وجنوباً، إليها).

وأيضا في ملف الخلاف المفتوح على السياسات والصلاحيات بين المؤسسات الوطنية/ القومية (المنتخبة تعبيراً عن سلطة الشعب)، وبين المؤسسات الأوروبية الجامعة (المنتخب منها، والمعيّن، ومن بين أبرزها البنك الأوروبي المركزي)، علماً أن الأخيرة – أي المعيَّنة – أكثر إستجابة لمتطلبات العولمة (أي على تغليب مصالح رأس المال الإحتكاري العابر للحدود) من الأولى – المنتخبة الأكثر تلمساً، وتحسساً لمشكلات مجتمعاتها.

كما تتبدى هذه الأزمة في أوروبا على المستوى الداخلي أيضاً، أي ضمن حدود دول بعينها، من خلال تعزيز المنحى الإنفصالي – الكامن، أو المعبر عنها بدرجات متفاوتة من الوضوح الحركي – لمناطق، وأحياناً لقوميات بعينها، كما هو حال كاتالونيا في إسبانيا، ولومبارديا في إيطاليا، وسكوتلندا في المملكة المتحدة، والفلمنك في الفلاندرز في بلجيكا.

هذا دون أن ننسى – وإن في سياق مختلف – الحروب الداخلية، بطابعها القومي، والمذهبي، التي مزَّقت يوغسلافيا إرباً، على امتداد تسعينيات ق 20، وما زالت تداعياتها تجرجر نفسها، حتى يومنا، بمثال الصراع بين صربيا وكوسوڤو.

ضمن هذا المشهد تزدهر مطالب الإتجاهات السياسية القومية اليمينية، القائمة على إبراز المطالبة باستعادة ما يسمى بـ «الحمائية».

وفي هذا السياق تأتي المطالبة بالخروج من الإتحاد الأوروبي، أو اعادة صياغة المشروع الأوروبي لجهة تقييد صلاحياته، أو حتى حصره في إطار، وبحدود منطقة التبادل الحر، الخ..

والأمر نفسه نلاحظه في الولايات المتحدة (بعد أن كانت «أم» العولمة، خاصة أثناء رئاسة كلينتون من 1992-2000 ، حيث شكلت «الحمائية» محوراً رئيسياً من برنامج دونالد ترامب خلال معركة الرئاسة (خريف 2016).

إن قرارات إدارة ترامب وإجراءاتها، بعد وصوله إلى البيت الأبيض، شملت مراجعة الإتفاقيات الإقتصادية مع محيطه المباشر (كندا + المكسيك)، وعبر الأطلسي (مع أوروبا)، إضافة إلى التضييق على استيراد السلع من أوروبا والصين، أي الدول ذات الحصة المرتفعة في السوق الداخلية للولايات المتحدة، والدفع باتجاه المطالبة بإعادة توطين المصانع التي نزحت إلى خارج البلاد، بحثاً عن اليد العاملة الأقل كلفة.

والظاهر للعيان إحتدام «الحرب التجارية» مع الصين (وأوروبا) بعناوين مختلفة، وآخرها ما يتعلق بحماية الحرية الفكرية والسطو على الإختراعات.

قيمة وطنية تجمع، أم قيمة هوياتية تفكك؟

المنطقة العربية – أسوة بغيرها – تنداح عليها أيضاً تداعيات العولمة، بما هي أزمة متعددة المستويات. لكنها، أي الأزمة، تأخذ أشكالاً أكثر حدة وتفجراً بسبب من قابلية دولنا البنيوية، وضعف مناعتها المكتسبة.

ففي عدد وافر من الدول العربية نلاحظ أن الأزمة لا تقتصر على مشكلات الحكم (الحوكمة)، أو الإقتصاد والتنمية عموماً، أو التوترات (وأحياناً الإنفجارات الطبقية الإجتماعية الناجمة عن الفقر والبطالة، وتفاوت مستويات الدخل، الخ..)، بل تتخذ – إضافة إلى كل ما سبق – شكل إندحار فكرة «الدولة الوطنية»، وصعود برنامج الكيان – الهوية على أساس إثني، جهوي، طائفي، الخ..

من خلال المقارنة بين الوضعين الأوروبي والعربي، بالإمكان الخلوص إلى مايلي: على خلفية الأزمة العامة وفي امتدادها، يتحصَّن بالدولة الوطنية، الإعتراض على الإتحاد الأوروبي، ككيان سياسي للوحدة قيد التأسيس؛ هذا في الوقت الذي تسعى فيه الإتجاهات الهوياتية الإنفصالية للتأكيد على استمرار الإنتماء إلى الإتحاد الأوروبي، كبديل لانتمائها الحالي إلى الدولة الوطنية، التي تسعى للفكاك منها.

أما في الحالة العربية، فالإتجاهات الكيانية الهوياتية تسعى بوعي، أو أن مشروعها يقود – موضوعياً – إلى وضع الدولة الوطنية في مهب الريح، إضعافاً لها، أو حتى تفكيكاً لكيانها، وذلك بأفق الإنعزال عن محيطها في الدولة الوطنية، أي عن مكوناتها الأخرى؛

وبالمقابل الإنفتاح على الخارج (القريب، كما البعيد) وصولاً إلى الإرتباط به، أو التبعية له، ذلك الخارج الطامع ببلادنا، بما فيها من خيرات، والمعادي لطموحات شعوبها المشروعة في التحرر الوطني، والتنمية، والتقدم الإجتماعي، والديمقراطي.
إن المقارنة بين الحالتين الأوروبية والعربية – بطبيعتها – تكون نسبية وتقريبية، وظيفتها المساهمة في توضيح وتعزيز الفكرة، أو الحجة، وليس إقامة البرهان القاطع على صحتها.

وفي السياق المحدد الذي يعنينا، فإن هذه المقارنة تبرز المنحى التفكيكي التابع لدينامية الأزمة في منطقتنا العربية، في الوقت الذي تتحرك فيه الأزمة في أوروبا تحت سقف الخيارات الإيجابية التي تصون المصلحة الوطنية (أكاد أقول القومية)، نظراً لتمسكها بالكيان السياسي الجامع، أكان في إطار الدولة الوطنية، أم في سياق مشروع الإتحاد القاري، بصرف النظر عن مدى إنفتاح الأخير على ملاقاة إستحقاقات المستقبل، على افتراض أنه توجد إمكانية إتفاق مسبق على هذه الإستحقاقات، يحملها عنوان / سؤال: هل ينطوي المشروع الأوروبي – بمعطياته الحالية – على إمكانية / إحتمال تحقيق الوحدة السياسية؟.

 إن ضياع القيمة الوطنية الجامعة، وصعود القيمة الهوياتية المُفَكِكة للكيان الوطني، في الوقت الذي يعبّر فيه عن عدم قدرة الدولة الحديثة، الدولة الوطنية، بصيغتها الحالية على احتواء التناقضات الداخلية، وفتح أفق ديمقراطي ووطني لحلها، إنما يؤشر إلى بلوغ هذه التناقضات حداً بات يستلزم جعل المطروح على أجندة العمل الوطني مايلي:

إجراء إصلاحات واسعة على بُنى الدولة الوطنية القائمة، وصولاً إلى إعادة تأسيسها إذا تطلب الأمر، كما هو الحال في العراق، ليبيا، السودان، اليمن، الصومال..
إن الدولة المدنية، الدولة الوطنية الديمقراطية، القائمة على المساواة في المواطنة، التي تضمن حقوق جميع المكونات، هي الجواب على التحدي المطروح على شعوب، أو عدد وافر من شعوب منطقتنا، ذلك التحدي الذي أطاح باستقلالها، أو صدَّع مرتكزاته بأقل تقدير، ما يطرح – بدوره – ضرورة المسارعة في استعادة، وإحياء، وتجديد برنامج التحرر الوطني، الذي ساد الميل لفترة طويلة، لا بل الإعتقاد، أنه بات خلف الظهر

***

فهد سليمان – كاتب فلسطيني ونائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

____________