Minbar Libya

إعداد إسماعيل أبوبكر المحجوبي و جمال أحمد بادي

يتناول البحث قانون تنظيم عمل الأحزاب السياسية في ليبيا رقم 29، والذي صدر عام 2012م وفي مرحلة تحول ديمقراطي، وكان أول قانون يصدر بالدولة الليبية منذ استقلالها.

.الجزء الثاني

المطلب الثاني: المبادئ الأساسية لتأسيس الحزب السياسي

إن حرية تأسيس الأحزاب السياسية، أحد الركائز الأساسية للنظم الديمقراطية. فالديمقراطية قوامها الحرية، ومن متطلباتها لنفاذ محتواها تعدد حزبي يكون ضرورة الأسهام في تكوين أرادة شعبية لها القدرة على نشر الوعي السياسي بحرية تامة.

ولقد نصت المادة الرابعة من الإعلان الدستوري المؤقت الليبي على إقامة نظام سياسي مدني ديمقراطي مبني على العددية السياسية والحزبية بهدف التداول السلمي الديمقراطي للسلطة.

ونصت المادة الخامسة عشرة على حرية تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات وسائر منظمات المجتمع المدني، واشترطت تكوينها بصدور قوانين تنظمها، ولا يجوز إنشاء جمعيات سرية أو مسلحة أو مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة وغيرها من التنظيمات التي تضر بوحدة التراب الوطني الليبي.

يعتبر الإعلان الدستوري أو دستور ليبي يسمح بتشكيل الأحزاب السياسية، وتعد حرية تأسيس الأحزاب السياسية، إحدى وأهم الدعامات الأساسية للنظم الديمقراطية. وتقلد السلطة بالطرق الديمقراطية التي لا تخالف الدستور والقوانين النافذة والمنظمة لها، على أن تلتقي بعنصر مشترك هو الوصول للسلطة.

لذا نجد أن نصوص معظم الدساتير تمنح حرية تأسيس الأحزاب السياسية والإنظمام إليها ضمن الحقوق والحريات الإنسانية الأساسية التي يتم إدراجها بنصوص دستورية وجب إحترامها، وهذا ما تم إدراجه بالإعلان الدستوري الليبي بنص المادتين الرابعة والخامسة عشرة.

أما بخصوص حق تأسيس الأحزاب السياسية والإنضمام لها في الحالة الليبية فنجد أن المادة الثالثة قد نصت على منح الحرية الكاملة لكل مواطن ليبي لتأسيس حزب سياسي، أو الإنتساب إليه، مع اشتراط عدم الإزدواجية أو الإشتراك في أكثر من حزب في الوقت ذاته.

وكما نصت المادة السادسة على منع وحظر منتسبي الهيئات العسكرية القوات المسلحةومنتسبي الهيئات المدنية المنظمة قوات الأمن العام وأجهزتها، الشرطة والجمارك، وأعضاء الهيئات القضائية، قضاة وأعضاء النيابة العامةمن الإنتماء إلى الأحزاب السياسية.

ويعتبر هذا المنع مقبولا لكونه معمولا به في معظم قوانين تنظيم الأحزاب السياسية لعدد كثير من الدول. وأما بخصوص المساواة بين الأحزاب السياسية من جميع النواحي السياسية والقانونية فلقد نصت المادة السابعة على أنها جميعا متساوية بضمان القوانين والتشريعات المعول بها بالدولة الليبية وعلى رأسها القانون المنظم لها.

هنا سوف نعرض المحظورات التي تضمنتها المادة التاسعة، والتي لا تخلو القوانين المنظمة لعمل الأحزاب السياسية منها: يحظر على الحزب السياسي إقامة التشكيلات العسكرية أو شبه العسكرية أو حتى دعمها، ومنع استخدام الأساليب العنيفة بكافة أشكالها، وأما الجانب الإعلامي الموجه فألا تتضمن برامجه أو نشرته أو مطبوعاته كل ما من شأنه التحريض على العنف والكراهية وإثارة الفتنة داخل المجتمع، وبما أن المجتمع الليبي يتصف بأنه إسلامي، ولا توجد به ديانات أخرى فإن الحظر انحصر في الأمور التي توجد بها مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية.

وبالتالي كان من الواجب على المشرّع توضيح مواطن المخالفات التي يمكن أن تحدث خلال مراحل التحول الديمقراطي التي تشهدها البلاد. وترك لتقدير بعض الجهات، مما يفتح الباب للنقاش والنزاع مثلا حول تعريف مصطلح العلمانية ومبدأ فصل الدين عن الدولة“.

من خلال تحليل النصوص السابقة نخلص إلى الملاحظات الآتية:

ـ رفعت السلطة التشريعية الحظر المفروض على تأسيس وتشكيل الأحزاب الذي كان مفروضا عليها.

ـ منع الدستور الليبي الإعلان الدستوري المؤقت لسنة 2012م، ومع بداية المرحلة الإنتقالية الثانية، حرية تأسيس الأحزاب السياسية.

ـ صدر عن السلطة التشريعية القانون رقم (29) بشأن تنظيم عمل الأحزاب السياسية التي تشكلت بموجب الإعلان الدستوري، والذي جاء لترسيخ الصبغة الدستورية والقانونية لها.

ـ منح القانون كامل الحرية لكافة المواطنين الليبيين دون تمييز بين كافة المكونات الثقافية داخل المجتمع، وكذلك لم يمنع أنصار النظام السابق من حقهم في المشاركة السياسية بالنظام السياسي الجديد.

ـ حظر الإعلان الدستوري والقانون المنظم، إقامة الحزب السياسي على أيديولوجية دينية معينة أو إقامة تشكيلات مسلحة.

ـ حظر ومنع منتسبي القوات المسلحة ومنتسبي قوات الشرطة والجمارك ومنسبي الهيئات القضائية من الإنتماء للأحزاب السياسية.

المطلب الثالث: أحكام تأسيس الحزب السياسي

بداية لابد لنا من الإشارة إلى الجهة التي أوكل لها مهمة الإشراف ومنح تصريح ممارسة الأحزاب السياسية لنشاطها السياسي، وجاءت المادة العاشرة لتوضح تبعية اللجنة لجنة شؤون الأحزاب، وبالتالي من يحق له دستوريا تشكيلها، حيث نصت المادة صراحة على أن تكون تبعيتها إلى إدارة القانون التابعة للمجلس الأعلى للقضاء التي هي تتبع وزارة العدل.

بناء على القرار رقم (29) لسنة 2012م بشأن تشكيل لجنة شؤون الأحزاب السياسية والصادر عن وزير العدل، والذي نصت مادته الأولى على تشكيل لجنة تتكون من رئيس وأربعة أعضاء قانونيين، منهم ثلاثة برتبة مستشار. وإثنان برتبة أستاذ، وفي المادة الثانية: “تمارس اللجنة مهامها وفق الاختصاصات المسندة لها بقانون تنظيم الأحزابوالمتمثلة في النظر في طلبات تسجيل الأحزاب وفحص وثائقها، للتأكد من مطابقتها للشروط المذكورة بالمادة الثامنة من قانون تنظيم الأحزاب، وبالتالي إصدار التصاريح القانونية التي تسمح للحزب السياسي بممارسة نشاطه السياسي.

كان نص المادة الأولى بخصوص توضيح معنى المصطلحات التي كان منها مصطلح لجنةالذي يدل على لجنة شؤون الأحزاب السياسية، وجاءت المادة الرابعة عشرة لتضع مهامها كما يلي:

ـ تقوم اللجنة بالنظر في الوثائق التي تقدمها الأحزاب السياسية بغرض إصدار تصاريح لها، مع ضرورة أن تكون منتظمة الإجراءات المنصوص عليها بالمادتين الحادية عشرة والثانية عشرة، وعلى أن تنظر في طلب الحزب في نطاق مدته خمسة أيام من تاريخه، مع إصدار شهادة لصالح الحزب السياسي لممارسة نشاطه العلني وفقا لنصوص القانون.

ـ تصدر اللجنة مذكرة توضح فيها أسباب عدم اعتماد الحزب وفقا لأحكام القانون.

ـ يحق للحزب الطعن في رفض التسجيل خلال مدة خمسة أيام أمام هيئة قضائية تشكلها المحكمة العليا لذات الغرض، وعلى المحكمة أن تبت في الطعن خلال مدة أقصاها خمسة عشر يوما.

وقد تضمن القانون عددا من الشروط التي يجب توافرها في من يحق له الإنتساب للحزب السياسي، منها نص المادة الخامسة التي اشترطت فيمن يكون عضوا بالحزب السياسي أن يكون ليبي الجنسية، متمتعا بكامل الأهلية القانونية، وأن يكون قد أتم الثامنة عشرة من عمره، ومتمتعا بحقوقه السياسية والمدنية.

لكن لم يتقيد الكثير من المؤسسين بنص المادية الحادية عشرة والتي اشترطت الإقامة الإعتيادية لمن يتقدم بطلب لتأسيس حزب سياسي، حيث أن هنالك رؤساء أحزاب سياسية لا يقيمون داخل ليبيا، كما أن لهم جنسيات أجنبية بالإظاقة للجنسية الليبية، مما يعد انتهاكا للنص القانوني من كلا اللجنتين، العضو المؤسس ولجنة شؤون الأحزاب السياسية.

وبالنظر في نصوص المواد السابقة يتضح لنا ما يلي:

ـ حدد القانون الجهة المخولة بتشكيل اللجنة والتبعية الإدارية والقانونية لها.

ـ منح الحق القانوني للطعن أمام أعلى هيئة قضائية ليبية، وهذا دليل على أهمية الإجراءات ونزاهتها.

تمتعت لجنة شؤون الأحزاب بالشخصية المعنوية والقانونية، ويمثلها شخصيات من أعلى الهيئات القضائية.

ـ لم يربط المشرع الليبي لجنة شؤون الأحزاب بالمفوضية العليا للإنتخابات حتى تكتمل الجهات الرقابية في جسم رقابي واحد يتمتع بالاستقلالية التامة عن السلطة التنفيذية، ويكون ارتباطها المباشر بالسلطة التشريعية.

ـ لم يحدد القانون الصفات التي يجب أن يتحلى بها رئيس الحزب السياسي: من حيث الجنسية والمستوى التعليمي والخبرة السياسية.

يتبع في الجزء التالي بداية بـ المبحث الثاني: القواعد المنظمة لعمل الحزب السياسي“.

***

أ. إسماعيل أبوبكر أحمد المحجوبي – دارس دكتوراه بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا. كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية. قسم العلوم السياسية.

أ.د جمال أحمد بشير بادي – أستاذ بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.

____________

المصدر: مجلة العلوم السياسية والقانون : العدد 21 مارس 2020 – المجلد4 – وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيابرلين.