Minbar Libya

في هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة شاملة وبعمق لفهم كل ملابسات وخلفيات وتداعيات توقيع الاتفاقية الليبية التركية، وما سينتج عنها من انعكاسات داخلية وخارجية سوف تلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي المضطرب منذ عام 2011م .

.الجزء الثالث

دول شرق البحر المتوسط . الصراعات والخلافات على موارد النفط والغاز

قبرص التركية ـ قبرص اليونانية

تَعتبر قبرص التركية أن ثروات الجزيرة هي ملك لجميع أبنائها، ولا يجوز استغلالها بمعزل عن الطرف الآخر، لكن قبرص اليونانية تجاهلت هذا الأمر وقامت بالانتهاء من ترسيم حدود منطقة اقتصادية خالصة لها (EEZ) تمكنها من استغلال ثروة الغاز بشكل أحادي في عام 2010م مما دفع قبرص التركية للرد بخطوة مماثلة.

فقامت بتحديد حدودها البحرية، كما وقَّعت اتفاقًا مع تركيا لترسيم الجرف القاري في عام 2011م. ونتيجة لهذه الإجراءات، أصبح هناك تداخل بين المناطق المحددة من قبل الطرفين القبرصيين التركي واليوناني . ولذلك تطالب قبرص التركية بحقها في المناطق التي قامت قبرص اليونانية بترسيمها.

تركياـ قبرص اليونانية

تركيا ليست عضوًا في معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار التي تتيح تحديد المناطق البحرية، وأحد أسباب ذلك هو نزاعها مع اليونان في بحر إيجه. تعتبر تركيا أن المنطقة الاقتصادية الخالصة التي حددتها قبرص اليونانية تتداخل مع الجرف القاري التركي ومع المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها لم يتم الإعلان عنها رسميًّا” .

واستنادًا إلى هذه المطالب، لا تعترف تركيا بالاتفاقات التي أقامتها قبرص اليونانية لترسيم منطقتها الاقتصادية الخالصة مع كل من مصر وإسرائيل ولبنان، وترى أن إرساء المناقصات على الشركات الأجنبية للبحث والتنقيب على الغاز في هذه المنطقة غير قانوني، لأنه ينتهك حقوق أنقرة . كما تدعم تركيا مطالب قبرص التركية في حقوقها في المناطق التي أعلنتها.

يتضح مما سبق حجم الصراعات في شرق البحر المتوسط بين تركيا وجيرانها حول موارد النفط والغاز ، إن توقيع مذكرتي التفاهم التركية الليبية هي محاولة تركية شجاعة لكسر الطوق والعزلة المفروضة على تركيا . تركيا بهذه الاتفاقية تزداد قوة في مواجهة خصومها وأعدائها التاريخيين .

إسرائيللبنان

هناك صراع متعدد الأبعاد بين لبنان وإسرائيل. البلدان لم يُرسِّما حدودهما المائية مع بعضهما البعض، أضف إلى ذلك أن إسرائيل ليست موقِّعة على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، وهي تعتبر أن هناك رقعة تابعة لها ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة التي رسَّمها لبنان.

يبلغ حجم الرقعة التي تدعي إسرائيل أن لها فيها حقوقًا حوالي 850 كلم2 ، ويثار الإشكال تحديدًا حول المناطق 8 و9 و10 من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان ولاسيما المنطقة رقم 9 حيث يعتقد أن هناك موارد طبيعية هائلة من الغاز والنفط.

في المقابل، يرفض لبنان هذه المزاعم الإسرائيلية، ويعتبر أن استناد إسرائيل إلى الخط الأزرق البري في رسم حدود بحرية غير قانوني ولا يُعوَّل عليه، كما ترفض الحكومة اللبنانية أيضًا اتفاق الترسيم الذي تم بين قبرص وبين إسرائيل، وتطالب نيقوسيا بأن تقوم بتعديل هذا الاتفاق ليعكس الترسيم اللبناني لحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها، وهو الأمر الذي ترفضه نيقوسيا أيضًا .

وقع لبنان مع قبرص في عام 2007م اتفاقية ثنائية لترسيم الحدود البحرية اللبنانية القبرصية يتم بموجبها تحديد المنطقة الاقتصادية الحصرية الخالصة لكل من الدولتين ، وذلك بهدف توطيد علاقات حسن الجوار والتعاون فيما بينهما لاستثمار الثروات النفطية.

وقد تم الترسيم وفقا لقاعدة خط المنتصف، وبالاستناد إلى النقطة 23 باعتبارها نقطة ثلاثية ألأبعاد ، وجرى تحديد خط حدود بحري بين نقطتين مؤقتتين غير نهائيتين هما النقطتين “1 جنوبا و6 شمالابانتظار التفاوض مع الدول المعنية، بحيث ألزمت الاتفاقية أي طرف يدخل في تفاوض مع طرف أخر للترسيم وفقا للإحداثيات 1و6 الرجوع للطرف ألأخر أولا.

واستندت هذه الاتفاقية إلى القوانين المرعية ألأجراء في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ، غير أنها لم تدخل حيز التنفيذ كما لم تودع نسخة منها لدى ألأمم المتحدة ، لكون الدولة اللبنانية لم تبرم الاتفاقية ولم تصدق عليها .

من جهتها، وقعت قبرص لاحقا اتفاقية أخرى لترسيم الحدود البحرية مع دولة الاحتلال في 17 أكتوبر عام 2010م لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، دون الرجوع إلى لبنان بشان ما تم الاتفاق عليه وفقا للإحداثيات المذكورة، وقد أدى ألأمر إلى خسارة لبنان مساحة مائية تزيد على 860 كم2 ، وسمح لإسرائيل أن تدعي بحقوق التنقيب في المياه اللبنانية بعد التصديق على الاتفاقية .

اليوم من المهم جدا على صانع القرار السياسي في ليبيا ، أن يدرك أهمية الانفتاح على لبنان والتنسيق مع لبنان في صراعات شرق البحر المتوسط على موارد النفط والغاز.

الموقف الدولي والإقليمي

معظم المواقف الدولية والإقليمية ترفض مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا ، ولكل دولة دوافعها وأسبابها في الرفض.

الموقف ألإقليمي
يعتبر الموقف اليوناني اشد المواقف ألإقليمية الرافضة لتوقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا ، حيث لجأت اليونان إلى الأمم المتحدة، كما طلبت من الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على تركيا. وقال متحدث باسم الحكومة اليونانية : ” إن بلاده أحالت إلى الأمم المتحدة اعتراضاتها على الاتفاق التركي الليبي باعتباره انتهاكا للقانون الدولي، لأن المناطق البحرية لتركيا وليبيا لا تلتقي، ولأنه لا توجد حدود بحرية بين الدولتين، حسب تعبيره.
وبالإضافة إلى قولها إنه لا توجد حدود بحرية بين تركيا وليبيا، تقول أثينا : “إن مذكرة تحديد النفوذ البحري التركية الليبية تخترق الجرف القاري لجزيرة كريت اليونانية“.
مصر هي ألأخرى كان لها موقف رافض ، في 28 نوفمبر عام 2019م أدانت وزارة الخارجية المصرية توقيع ليبيا وتركيا مذكرتي التفاهم في المجال الأمني والبحري . ووصفت الخارجية المصرية في بيان لها  الاتفاقية بمعدومة الأثر القانوني

بالنسبة لإسرائيل ، أعلنت عن موقفها الرافض لتوقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا. في 24 ديسمبر عام 2019م أعلن وزير خارجية ألإسرائيلي (يسرائيل كاتس) في مقابلة مع القناة13 العبرية عن رفض الاتفاقية مع عدم الرغبة في الدخول بصراع مع أنقرة.

الموقف الدولي

يبدو بان غالبية المواقف الدولية تصب في صالح اليونان وبقية دول منتدى غاز شرق المتوسط ، وان كانت بعض الدول الكبرى لا تعلن رفضها صراحة بشأن توقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا ، إلا أن ما يفهم من تصريحاتها أنها غير راضية.

في 5 ديسمبر عام 2019م طالب الاتحاد الأوربي في بيان له بمزيد من الإيضاحات حول الاتفاقية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبي بشأن الحدود البحرية. وأعلن الاتحاد الأوروبي في بيانه تضامنه التام مع اليونان وقبرص ، وشدد على ضرورة أن تحترم تركيا السيادة والحقوق السيادية لجميع الدول.

وجاء في البيان الختامي لقمة زعماء الاتحاد الأوروبي في بروكسل بان مذكرة التفاهم المبرمة بين تركيا وليبيا تتعارض مع قانون البحار، وأنه لا يتمخض عنها نتائج قانونية ملزمة بالنسبة للدول الأخرى.

بالنسبة لموقف روسيا في 3 ديسمبر عام 2019م قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: ” لا يمكن تقديم أي تقييم قانوني لهاتين الوثيقتين إلا بعد الاطلاع على فحواهما الذي لم يتم الكشف عنه بعد. لكننا لفتنا مع ذلك اهتمامنا إلى الرد الحاد بما فيه الكفاية على توقيعهما من قبل بعض دول منطقة البحر المتوسط خاصة اليونان وقبرص ومصر“.

وأضافت زاخاروفا: “على الرغم من التصريح الرسمي للخارجية التركية الذي جاء فيه أن المذكرة التركية الليبية حول تحديد المناطق البحرية لا يتعارض مع القانون الدولي، إلا أن أثينا ونيقوسيا اتهمتا أنقرة بانتهاك اتفاق الأمم المتحدة الخاص بالقانون البحري والعبث بمصالحهما“.

وأضافت زاخاروفا بقولها : “أم مذكرة التفاهم حول التعاون في مجال الأمن فأعطى إبرامها أسسا للحديث عن محاولات تركيا لشرعنة دعمها العسكري للحكومة في طرابلس في المواجهة مع الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، بما في ذلك عبر الخرق السافر لحظر توريد السلاح.

أما عن موقف الولايات المتحدة ألأمريكية بشأن توقيع مذكرتي التفاهم . ففي 21 ديسمبر عام 2019م أكد مسؤول أمريكي على أنها استفزازية ومثار قلق للولايات المتحدة، وقال بان بلاده قلقة للغاية تجاه التصعيد العسكري من جانب حفتر وتدعو كل الأطراف لعدم التصعيد.

فرنسا أيضا ترفض توقيع مذكرتي التفاهم بين تركيا وليبيا ، ويتضح في كثير من المناسبات والمحافل الدولية حجم الصراعات بين تركيا وفرنسا ، وعدم التوافق في ملفات عديدة خاصة ألازمة الليبية ، وبالتالي ترفض فرنسا توقيع الاتفاقية الليبية التركية، بعد أيام من توقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا وتحديدا يوم الجمعة 29 نوفمبر عام 2019م هاجم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان نظيره الفرنسي ماكرون على خلفية انتقاده التدخل العسكري التركي في سوريا، مشيراً إلى أن سيّد الإليزيه في حالة موت دماغي ، مستعيراً العبارة التي استخدمها ماكرون مؤخراً لوصف حلف شمال الأطلسي.

ايطاليا وفي 15 ديسمبر عام 2019م وعلى لسان رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي أعلنت عن رفضها توقيع مذكرتي التفاهم بين ليبيا وتركيا. وقال كونتي في تصريح نقلته عنه وكالة سبوتنيك:” إن الاتفاقيتين غير مقبولتين بالنسبة لإيطاليا، وإنه سيبحث تفاصيلهما لاحقا مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان“.

***

محمد عمران كشادة (باحث ليبي)

__________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية