Minbar Libya

بقلم فريدريك ويري

نشرت مؤسسة «كارنيجي» البحثية الأمريكية تقريرًا مطولًا عن التحديات الأمنية المتزايدة في تونس، وكيف أثر النزاع الليبي عليها، وكشف أوجه القصور الحادثة في التحولات العسكرية بالبلاد في مجال القدرات اللوجستية، والتنسيق بين الوكالات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط الإستراتيجي، وعلاقة الجيش مع رعاة الأمن الخارجي.

.الجزء الثاني

الأولويات الأربع الخاصة بخطة العمل الثنائية :

  • تطوير «مركز العمليات المشتركة » الذي سيركز على التكامل الجوي – الأرضي. وستتصدى لجنة العمليات المشتركة أيضًا للتهديدات غير المباشرة من ليبيا، بما في ذلك القادمة من المتطرفين والتسلل الجوي، خاصة من الطائرات المُسيّرة بدون طيار.

وأنشأ مركز العمليات المشتركة المرافق وأعد الموظفين لهذا الغرض، لكنه لا يزال يعمل على وضع إجراءات التشغيل القياسية الخاصة به. واعترف أحد مسؤولي الدفاع الأمريكي العاملين في تونس أن مركز العمليات المشتركة لا يزال مجرد «مسرحية».

  • تعزيز «الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع »، من خلال شراء أسطول من «طائرات الاستطلاع الأمريكية » التي ستقوم بتزويد مركز العمليات المشتركة بالبيانات الاستخباراتية.

  • تطوير وترقية أداء العاملين في المخابرات العسكرية التونسية من خلال المساعدة الأمريكية لمركز تدريب المخابرات العسكرية. وسيساعد هذا في إعداد القوات المسلحة التونسية إعدادًا أفضل لتحليل التهديدات العدائية الأجنبية والتنبؤ بها.

  • تحسين قدرة قوات العمليات الخاصة التونسية واستعداداتها العملياتية

أكثر المنظمات العسكرية احترافية في المغرب العربي والقارة الأفريقية

عند تقييم تطور الجيش التونسي، من المهم أن نأخذ في الاعتبار وجهة النظر بعيدة المدى – ونقدر الخطوات الهامة التي خطتها القوات المسلحة منذ ثورة 2011.

فمن بين الجيوش العربية، تبرز القوات المسلحة التونسية لاحترامها المؤسسات المنتخبة والسلطات المدنية، حتى لو كانت العلاقات متوترة أحيانًا، وتتعثر بسبب عقبات ثقافية، وسياسية، وبيروقراطية.

وبالنسبة لقوة تعرضت للإهمال على نحو محزن وحُصرت إلى حد كبير في الثكنات قبل عام 2011، تُثبت هذه القوات بشكل منتظم كفاءتها وقدرتها في القتال. إذ استجابت بفاعلية لعدد من التهديدات الأمنية، خاصة التي شكلها الإرهابيون والمتمردون.

وبحسب مراقبين داخل تونس ومستشارين أجانب، فإنها تتبنى ببطء الإصلاحات التي ستحولها إلى واحدة من أكثر المنظمات العسكرية احترافية في المغرب العربي، بل وبالتأكيد في القارة الأفريقية، وكل ذلك يجري أثناء أدائها دورًا داعمًا في التحول الديمقراطي في تونس.

ومع ذلك لا تزال هناك تساؤلات بشأن المسار الطويل الأجل الخاص بإصلاح هذه القوات.

وعلى وجه الخصوص، هناك حالة من عدم اليقين بشأن استعدادها لمواجهة مجموعة من التحديات، لا سيما تلك الناشئة من ليبيا، أكثر البلدان التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها، وأكثر البلدان ذات الصبغة العسكرية من بين جيرانها.

إن النقص في القدرات المذكورة أعلاه، والعوائق البيروقراطية، ونقص التخطيط يعوق هذا التحول، خاصة فيما يتعلق بليبيا.

وينبغي على الحلفاء الأجانب للجيش التونسي المساعدة في التخفيف من هذا العجز. ومع ذلك يجب أن يكونوا مدركين لآثار اعتماد تونس المفرط عليهم، وأن يدركوا أن البلاد في حاجة إلى إجراء إصلاح دفاعي بالسرعة التي تناسبها.

وفي هذا الشأن يمكن أن يكون الجيش الأمريكي معلمًا ومدربًا مثاليًا، ولكن لا ينبغي للولايات المتحدة والشركاء الأجانب الآخرين أن يحتلوا مركز الصدارة في جهود التنسيق وتبادل المعلومات، ولا يجب أن يلعبوا دور الحكم بين الوكالات التونسية المتنافسة.

إذا أخذنا ذلك في الاعتبار فإن القلق المباشر في الاستجابة للتحدي الذي تشكله ليبيا يتطلب تهيئة الجيش التونسي بشكل أفضل للقيام بمهمة إنفاذ المطلوب على الحدود في الجنوب.

ويجب أن يشمل ذلك تطوير وإضفاء الطابع الرسمي على القدرات العسكرية التي تركز على السكان، مثل الشؤون المدنية، والشؤون العامة، والخدمات الطبية.

ومثل هذا التوجه، يجب أن يوضح أيضًا التفويض القانوني للجيش بشأن الاعتقالات ومصادرة الأشياء المُهربة، وتحسين التنسيق بين الجيش وقوات وزارة الداخلية، ومعالجة الفساد في صفوف الجيش بشكل استباقي من خلال آليات محددة مثل تحسين الأجور والمزايا، ومراجعة الحسابات، والتفتيش بوجه عام.

وإلى جانب التعامل مع التحديات غير المباشرة مثل التهريب والإرهابيين، يحتاج الجيش التونسي إلى الاستعداد بشكل أفضل للتهديدات التقليدية الواردة من ليبيا، بما في ذلك تسيير الطائرات بدون طيار، والصواريخ أرضجو، بل حتى القوات البرية. كل هذه الأمور قائمة حاليًا في ساحة معركة طرابلس، على بعد أقل من 100 كيلومتر من الأراضي التونسية.

الجيش ليس أداة السياسة الوحيدة للتعامل مع الحدود التونسيةالليبية

هناك ضرورة ألا يكون الجيش أداة السياسة الوحيدة، أو الأساسية للتعامل مع مسألة الحدود التونسية الليبية. فهناك حاجة إلى إجراء حزمة شاملة من الإصلاحات الاجتماعية، والاقتصادية، والاندماج السياسي على نحو أفضل بالنسبة للجنوب، وهو حل قال المسؤولون المدنيون التونسيون والضباط العسكريون إنهم يعترفون به، لكن ذلك قد يستغرق سنوات حتى يجري تنفيذه.

بالإضافة إلى ذلك أكدت ديناميكية المشهد الليبي في الصراع على حاجة الجيش التونسي إلى وجود استخبارات قادرة على التنبؤ، أو التوقع بشكل أفضل على المستويين العملياتي والإستراتيجي.

لكن مثل هذه التقييمات لا تكون جيدة إلا إذا تم نشرها ومشاركتها.

وفي هذه النقطة نذكر مرة أخرى أن مؤسسة الدفاع التونسية تعاني من الأساليب العتيقة، والهيكلة التقنية القديمة، ونقص التدريب على مستوى الوحدات.

ومن الناحية المثالية، يجب أن تعتمد الاستخبارات الإستراتيجية على التخطيط العسكري للقدرات المستقبلية، والاستحواذ، وهيكلة القوة، ولكن هذه العملية يعوقها نقص الموظفين، وتعاقب أو تبدل المدنيين، وحالة عدم الثقة البيروقراطية.

ونتيجة لذلك، تتأثر الأولويات الإستراتيجية للقوات المسلحة بشدة أو يدير وجهتها شركاء أجانب، وخاصة الولايات المتحدة.

ويمثل هذا الأمر مشكلة بالنسبة لتونس، ليس فقط لأنه يخلق حالة من التبعية، ولكن أيضًا لأن التونسيين يعرفون سياقهم المحلي بشكل أفضل: فالحجم الجغرافي الصغير للبلد، والموارد المتواضعة، والبيئة الإستراتيجية الفريدة تتطلب قدرة محلية للتخطيط بدلًا عن القدرة المتأثرة بقوة عظمى أجنبية.

وبدون التخفيف من هذه المشكلات، وجعل التخطيط أكثر حيوية بشكل يحقق تغييرًا ملموسًا، لا يمكن للجيش التونسي أن يكتفي بأن يثقل نفسه بالمعدات الباهظة الثمن التي لا تتناسب مع المهام الفعلية فحسب، بل يمكن مرة أخرى أن تدرك بعض العناصر غير المنظورة أو غير المتوقعة مدى ضعف حمايتها فيحدث معها ما سبق أن جرى في هجمات قفصة أو بن قردان.

***

فريدريك ويري ـ زميل أقدم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. يتناول بحثه النزاعات المسلحة والقطاعات الأمنية وسياسات الهوية ، مع التركيز على ليبيا وشمال إفريقيا والخليج.

____________