Minbar Libya

دروس من الحراكات العربية أو “الربيع العربي”

بقلم د. بشير محمد الخضرا

على الرغم من وجود اختلافات في تفسير الحراكات العربية ومحرِّكاتها ونتائجها، فإني أرى أن هناك واجبا علينا أن نحاول استخلاص بعض الدروس المستفادة فيما يتعلق بالتغيير السياسي وما يرتبط به من تشعبات، وهي قضايا سوف تستمر مجتمعاتنا في مواجهتها، فلا بد من تحليل ما حدث لكي نتوصل إلى مفاهيم مشتركة لمستقبل أفضل.

وأتناول هنا متلازمة استعمال السلاح والاستعانة بالقوة أو القوى الخارجية لتغيير النظام السياسي، سواءً كانت تلك القوى دولاً أو جماعاتٍ تتحرك بدوافع مادية أو عقائدية أو غير ذلك. وهدفي إثارة النقاش والحوار لإيجاد مفاهيم مشتركة، ولا أدعي القول الفصل.

من المفاهيم التي تعودنا عليها منذ الصغر، أنه “ما بيجي من الغرب إلاّ الهم والكرب”، والغرب هنا معروف لدينا من خلال تاريخ طويل، سواء استذكرنا معه ما يُسمّى ب”الحروب الصليبية” أو حروب الفرنجة؛ أو تجربة “الثورة العربية الكبرى” بقيادة الشريف حسين الذي قدم للحلفاء ضد العثمانيين مصالح لا تقدر بثمن لقاء وعود بدولة عربية، ثم خذلوه والقوه في سجن النفي في قبرص؛

أو بمعرفتنا عن نماذج الاحتلال التي مارستها الدول الغربية على وطننا العربي ودول أخرى، فحين كانت تلك الدول الغربية تتمتع ب”الديموقراطية” وتتشدق بحقوق الإنسان، كانت لا تتوانى في استحلال حكم ونهب ثروات الإنسان الهندي والإفريقي واللاتيني والآسيوي والعربي؛

أو بجريمة الانتداب واحتلال فلسطين التي نحن شخصيا وعائليا من ضحاياها؛ ومن قبلُ، إنسان “العالم الجديد” الذي أبادته القوى الغربية إبادة شبه كلية.

وإن أي “ثوري” أو “إصلاحي” لا يستحق أن يقود أي مبادرة إذا كان لا يرى هذه الحقائق، ويتوقع من الغرب أي خير في إنصاف بلده أو “ثورته”، ولا يدرك استمرارية دوافع الدول الغربية في نهب ثرواتنا والحصول على الامتيازات الاستراتيجية من قواعد عسكرية وشركات استثمارية وتأثير في قيمنا وثقافاتنا وسياساتنا الاقتصادية والتربوية والصناعية والعسكرية، مع ما يرافق ذلك من إذلال وضياع تام لسيادتنا الوطنية ووحدتنا القومية.

وعلى الرغم من أن هذا التاريخ يعيش بقوة في ذاكرتنا، فقد أظهرت الحراكات العربية أن هناك “معارضات وطنية” في أكثر من بلد عربي، بل وقطاعات من الشعوب العربية، لا يرون بأسا أو حرجا في السير في المسار المجرب (والمُخَرَّب) عندنا وعند شعوب كثيرة، وهو اللجوء إلى استعمال السلاح والاستعانة بالقوى الخارجية (وهما متلازمان) لإحداث التغيير في النظام السياسي، حيث يتبين في النهاية أن المقصود هو إزاحة النظام.

وهذا ما حدث واضحا ومُعلناً في احتلال العراق والحرب على سوريا والفتنة في ليبيا، وما كان مواربا أو خفيّا في حالات “الربيع” الأخرى.

وفي الحالة الليبية كان “الفضل” لجامعة “الدول العربية” في الطلب من حلف الناتو التدخل “لمساعدة” الشعب الليبي، ورأينا أشكال “المساعدة” التي قدمها الناتو والدول الغربية وبعض الدول العربية والمرتزقة هناك، وما زالت القوتان المتصارعتان الرئيستان في ليبيا تعتمدان على متلازمة السلاح والقوى الخارجية.

وقد شكلت هذه الحالات وغيرها معضلات كأداء تواجه إعادة بناء الدولة وتشكيل سيادتها واستقلالها.

ولغرض التحليل العقلاني الهادف للسلام المجتمعي في أي بلد عربي، أرى أن سلوك المعارضة أو “الثورة” في مسار متلازمة السلاح والقوى الخارجية في إصلاح أو تغيير النظام السياسي يؤدي إلى فشل “الثورة” (لو افترضنا أنها ثورة) للأسباب التالية:

ـ إعطاء الفرصة للحكومة لاستعمال القوة واستدعاء الخارجي، و”بشرعية” مبررة، وبشراسة أشد ومصادر أكبر.

ـ نتيجة لذلك، تصبح الدولة تحت رحمة القوى الخارجية، سواءً كانت القوى مع المعارضة أو مع الحكومة، وهذا الخارجي غالبا ما يكون هو الأقوى الذي له اليد الطولى في مصير الصراع.

ـ غالبا ما يكون مبرر “المعارضة” لاعتماد مسار المتلازمة، زعمهم بأن هذا الاعتماد يؤدي إلى حسم أمر الصراع خلال فترة قصيرة، وكأنهم افترضوا أن الحكم ليس له حق الدفاع عن نفسه وعن وطنه، ويسلم لهم بالأمر حالاً.

ولكن ما حدث فعلا هو إطالة أمد الصراع، ربما بلا نهاية، لآن غرض القوى الخارجية، وبخاصة الدول الكبرى الغربية، من التدخل في شؤوننا، هو إطالة أمد الصراع بغض النظر عن الأطراف المشتركة فيه، لأن الهدف الحقيقي هو خدمة أهدافهم الاستراتيجية المتضمنة احتلال جغرافيتنا وثرواتنا وثقافتنا.

ـ هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى ضياع حالة الأمن والأمان وتعطيل أي شكل من أشكال الديموقراطية؛ فالحكومة ترى مبررات قوية لتعطيل أي شكل من أشكال الإصلاح اعتمادا على التهديدات الحاصلة والمخاطر الأمنية وشح الأموال وتوجيه المتاح منها إلى الجهد الحربي ومواجهة الكوارث الاقتصادية والاجتماعية إلخ.

ـ النتيجة الطبيعية لمتلازمة السلاح والأجنبي هي تحمل الوطن للأثمان الباهظة التي تفوق قدراته وتؤدي به إلى دولة مدمَّرة وفاشلة.

فقد شهدنا أن التكلفة ليست مجرد خسائر في قيمة الأسلحة المستعملة والآليات والعتاد والمنشآت والمرافق وعدد القتلى من مقاتلين وعساكر ومدنيين من كل جانب، بل أيضا هجرة ولجوء الملايين من ألأسر والأفراد والجماعات واضطرارهم للعيش في أسوأ وأذل المستويات الإنسانية، ما يدفعهم لطلب الهجرة الدائمة إلى دول أخرى وبخاصة الأوروبية أو الغرق في البحار عَبَثاً.

بالإضافة إلى تعطيل كل أشكال الحياة الاجتماعية والتعليمية وتعطيل العمالة والإنتاج الصناعي والتجاري والزراعي والخدماتي بحيث تنهار الدولة وتُدمّر ويزيد فشلها واعتماديتها على الغير، دون أن تعترف “المعارضة” التي تبنت المتلازمة بتحمل هذه النتيجة أو بعضٍ منها، أو أن تقف متأملة ومراجعة أو متراجعة.

ولا عجب أن بعضا منا كان يدافع عن هذا المسار بسبب حملة الإعلام الصهيونية التي سبقت الحراك ورافقته طيلة الوقت، حيث تم التركيز على “جرائم” الحكم “الكافر” مقابل مظلومية المعارضة ونُبل أهدافها.

وفي سبيل معالجة هذا الوضع الخطير لا بد من التأكيد على أن الأنظمة العربية بعامة هي المسؤولة عن كافة المظالم التي تعاني منها شعوبهم، كل بقدره، ومنها الفشل في بناء مؤسسات عصرية قوية وفاعلة تحقق المشاركة الشعبية الحقيقية والتنمية والعدالة الاجتماعية، واقترن هذا الوضع بدرجة عليا من الفساد المالي والإداري.

وسواءً أكانت الحراكات العربية في البداية مُدَبَّرة أو عفوية، فقد أظهرت أن تدخل القوى الغربية كان واضحا منذ اللحظات الأولى.

ومن قال إن تلك القوى غابت لحظة واحدة عن التدخل في حياتنا كعرب منذ بداية القرن العشرين، بل قبل ذلك؟

وفي الوقت ذاته، أظهرت الحراكات ضخامة التجاوب الشعبي في كل الحالات، وكان ذلك دليلا على أن السيل قد بلغ الزبى لدى الشعوب من حكوماتها.

ومما ساعد على فشل “الثورة” إصرار “المعارضة” على ” الانتصار التام”، دون أي تنازلات؛ ولا عجب، فقد كان هذا التشدد المتصلب نتيجة لدور القوى الخارجية بمن فيها من مرتزقة تخضع لقوى كبرى.

 فالدروس المستفادة، إذن، لا تخص فقط المعارضة التي تطالب بالتغيير، بل إن أول من يجب أن يستفيد ويتعلم مما حدث في الحراكات العربية هي الحكومات العربية التي يجب أن تُدرك أن الاستبداد والفساد والاعتماد على القوى الخارجية يُدمر الدول بمن فيها النظم الحاكمة وتوابعها، وأن القوى الخارجية ليست ضمانا لها ولا لاستقلال الوطن وسيادته، بل هي تسعى دائما إلى التخلص من الذين اعتمدت عليهم عندما ترى ذلك ضروريا لمصالحها واستراتيجياتها.

والأسوأ أن القوى الغربية كانت قد نجحت في زرع الفتن بين الدول العربية ما جعلها شتى وسهل تدميرها مجزأة وهزيلة.

فالحكومات العربية يجب ألا ترى لها شرعية إلّا من خلال شعوبها التي تحميها من تدخلات وأوامر القوى الكبرى وغيرها.

أما بالنسبة للمعارضة، فالبديل المنطقي لمسار المتلازمة، هو معارضة الحكم من داخل الدولة، وبالطرق السلمية، وبدون استعمال أي أسلحة، وبدون الاعتماد على القوى الخارجية، على الرغم من التضحيات المتوقعة لهذا المسار السلمي.

ولا بد من الاستدراك هنا بأن مطلبنا عدمَ استعمال السلاح لا ينطبق على مقاومة الاحتلال طبعاً، فهذا موضوع آخر.

ولا شك في أن الكثير من الأنظمة العربية لا ترحب حتى بالمعارضة الحقيقية ولو كانت أساليبها سلمية، بدليل أن هناك الكثير من مساجين الرأي والناشطين الذين لا يؤمنون أصلا باستعمال السلاح ولم يمارسوا ذلك في معارضتهم.

ومع ذلك، فهذا الوضع لا يبرر اللجوء إلى مسار متلازمة السلاح والأجنبي، وهو المسار الذي يؤدي إلى فداحة الخسائر، كما بيّنّا، وهي ليست خسائر “للنظام” فقط، بل للشعب والوطن والدولة وكل ما يتعلق بالمستقبل والتنمية والقوة.

وبالمقارنة، فإنّ تكاليف المعارضة السلمية على الدولة لا تقارن بتكاليف المسار الآخر ولن تصل بالضرورة إلى أشكال ومستويات المساوئ التي أشرنا إليها في ذلك المسار، عدا تكاليف الاستبداد والفساد وتأخر التنمية وغياب عدالة التوزيع. وهذه كانت قائمة أصلا وشكلت مبررات المعارضة للتحرك للتغيير و “الثورة”.

وفي رأيي إن الاختيار بين المسارين وتكاليف أي منهما يُظهر حقيقة قيادات المعارضة:

هل قيادة المعارضة مستعدة للعيش مع جماهيرها للمواجهة وتحمُّل التضحيات معها، أم أنها سوف تُحيل التكاليف لتلك الجماهير فتجعلها الضحية والمُضَحِّية، بينما تهرب القيادات إلى دول أخرى ليست بالضرورة نماذج للديمقراطية وحقوق الإنسان،

ومن هناك تطالب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان لأوطانها، ومن هناك تُوَجّه “الثورة” من الخارج وتعيش في كنف القوى التي استعانت بها على حساب شعبها الذي “تناضل من أجله”!

لذلك، ليس من المقبول لأي معارضة أن تبدأ “ثورة مسلحة”، جدلاً، دون أن تحسب حساب الزمن والتكاليف والتضحيات التي سوف يؤدي لها هذا المسار، ودون أن تكون مستعدة للتوقف أو المراجعة عندما تبدو التكاليف على الوطن والشعب مدمِّرة، أو عندما يتبين أن المستفيد الوحيد هو العدو الصهيوني والقوى الخارجية، أو عندما يتبين أن تحقيق الهدف المعلن أصبح مستحيلا.

ويبقى السؤال المستقبلي الاستشرافي الأساسي الذي يجب أن تأخذه أية ثورة بعين الاعتبار، هو: “هل أهداف التغيير المعلنة أو الخفية أو المزعومة أو المتحققة أخيرا وما يرافق ذلك من صراع بقوة السلاح والأجنبي، تستحق كلَّ هذه التضحيات والتكاليف على الوطن والشعب وكيان الدولة، وهل نريد في النهاية أن نُسعد الإنسان من خلال “الثورة” أم نشقيه ونفتح الفرصة للأجنبي ليحكمنا من جديد؟

***

د بشير محمد الخضرا ـ كاتب أردني

_________