Minbar Libya

في هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة شاملة وبعمق لفهم كل ملابسات وخلفيات وتداعيات توقيع الاتفاقية الليبية التركية، وما سينتج عنها من انعكاسات داخلية وخارجية سوف تلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي المضطرب منذ عام 2011م .

.الجزء الخامس

احتدام الصراع التركي المصري على النفوذ والمصالح في ليبيا.

يحتدم الصراع المصري التركي على ألأرض الليبية ، وله خلفيات تاريخية تعود الى فترة الصراع على النفوذ في منطقة البحر المتوسط والشرق ألأوسط بين مصر في عهد محمد علي باشا والدولة العثمانية .

وفي عالم القرن الواحد والعشرين وعلى ارض ليبيا المضطربة يبدو بان الصراع التاريخي قد تجدد . قال أردوغان في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء التركية الرسمية الأناضول : ” إن الوضع في ليبيا بات يهدد بسيناريوهات مظلم يمتد خطرها لأمن المنطقة ، ليبيا فيها حكومة تتلقى شرعيتها من الشعب، ودكتاتور مدعوم من أوروبا وبعض الدول العربية“. وطبعا أردوغان هنا يقصد مصر والإمارات والسعودية ” .

في يونيو عام 2019م قال الفريق محمود حجازي مسؤول اللجنة المصرية المعنية بمتابعة الملف الليبي في تصريحات صحفية : ” إن تركيا تهدد المصالح المصرية في ليبيا “. وأشار حجازي إلى أن أردوغان يدعم بشكل علني مباشر السلطات في طرابلس، والمتمثلة في رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري.

لقد مثلت هذه التصريحات بالنسبة لنا مؤشرا واضحا على وجود صراع مصري تركي على النفوذ في ليبيا ، لكن هناك فرق في السياسات والأهداف بين مصر وتركيا.

ويمكن أن نفهم أيضا من تصريحات بعض النخب المصرية حقيقة الصراع المصري التركي على النفوذ والمصالح في ليبيا . حيث يرى الكاتب محمد منصور بأنi هناك مواجهة إقليمية جيوسياسية بين القاهرة واسطنبول ، تمتد ما بين جزيرة سواكن السودانية، وقاعدتي مصر البحرية والجوية في برنيس، وصولاً إلى التخوم التركية في اليونان وقبرص، لكنها مواجهة ردع وتهديد لا تتطلب مواجهة مباشرة بالنيران الحية، المواجهة الحقيقية والحاسمة ستكون غالباً على أرض ليبيا.

وتابع منصور قائلا :”الصبغة الإقليمية للصراع حول مصر لم تقتصر على التطورات الميدانية على أرضها، بل تعدتها لتصبح دول أخرى مسرحاً لهذه المبارزة التي تؤدي فيها تركيا دور البطولة، وتريد فيها حصار دور مصر الإقليمي.

ولعل آخر إرهاصات هذه المبارزة، زيارة الرئيس التركي إلى السودان، وتوقيعه عشرات الاتفاقات مع حكومتها وعلى رأسها اتفاقية إستراتيجية تسمح لدولته بالتمركز في جزيرة سواكن السودانية، التي تقع على بعد نحو 350 كم من الحدود بين السودان ومصر، لتأهيلها خلال مدة زمنية غير محددة، وهو ما يسمح للأسطول التركي بالتحرك في هذه المنطقة بشكل شبه دائم، ومن ثم من الممكن اعتبار هذه الجزيرة قاعدة جديدة للجيش التركي تضاف إلى قاعدته الموجودة في العاصمة الصومالية مقديشو وقواته التي تم تعزيزها خلال الأيام الماضية في قطر“.

في 21 فبراير عام 2020م قالت صحيفة العرب الاسبوعية نقلا عن مصادر أمنية لم تسمها أن رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل زار سرّا عدة دول عربية وفي شمال أفريقيا سعى من خلالها إلى تشكيل تحلف استخباري وعسكري لمواجهة تركيا.

وقالت المصادر للصحيفة المقربة من التحالف السعودي الإماراتي : ” إن كامل عرض معلومات فائقة الحساسية، على نظرائه في الدول التي زارها، عن التحركات والعمليات التركية في ليبيا وسوريا بالإضافة إلى وجودها العسكري في قطر“.

وقال مصدر في القاهرة للصحيفة : ” إن رئيس المخابرات المصرية نجح في تحقيق هدف أساسي من جولته، وهو تكوين خلية أمنية عالية المستوى شبيهة بغرفة عمليات تضم ممثلين رفيعي المستوى عن أجهزة أمن هذه الدول لمواجهة ما أسماه المخطط التركي والرد عليه.

ولكن الخبير المصري في شؤون الأمن القومي محمد  مجاهد الزيات، استبعد في تصريح للصحيفة أن تصل التحركات المصرية إلى مستوى التحالف الأمني بين القاهرة والعواصم المعنية ، وأوضح أن تونس والجزائر تحتفظان بعلاقات جيدة مع أنقرة، ولهما تقديرات حول الأزمة الليبية لا تتطابق مع الرؤية المصرية.

سيناريو الصدام الروسي التركي

هناك مؤشرات على سيناريو صدام روسي تركي على ألأرض الليبية ، ويمكن أن نلاحظ ذلك من تصريحات الساسة والمسؤولين ألأتراك والروس التي أخذت وجهة تصعيدية ، وأعطت مؤشرات قوية على عدم التوافق في وجهات النظر ما بين تركيا وروسيا في الملف الليبي .

قال الرئيس التركي أردوغان : ” إنه لن يكتفي بمشاهدة الأحداث التي تحصل في ليبيا وإنه سيستمر في الوقوف إلى جانب ليبيا كما فعل مع الشعب السوري من قبل “. وأعلن أردوغان عبر قناة تي آر تي التركية : ” أن من يقف وراء الأحداث العسكرية في ليبيا هم دول مصر والإمارات وفرنسا و إيطاليا إضافة إلى روسيا من خلال إرسالها قوات الفاغنر التي تقاتل إلى جانب مسلحي حفتر “.

ونقلا وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء عن مصدر بوزارة الخارجية الروسية  قوله يوم الجمعة 20 ديسمبر 2019م : ” إن موسكو قلقة بشدة من احتمال إرسال تركيا قوات إلى ليبيا مضيفا أن الاتفاق الأمني بين تركيا والحكومة الليبية المعترف بها دوليا يثير تساؤلات كثيرة“.

لقاء اردوغان \ بوتن في 8 يناير 2020م لم يأتي بجديد لحل الازمة الليبية ، بل كان يمثل توافق مؤقت بين ألأتراك والروس حول الملف الليبي . وفي اجتماع موسكو بشان ألازمة الليبية أبدى ألأتراك جديتهم في دعم الحل السياسي في ليبيا ، بينما نجد الروس قد سمحوا لحليفهم حفتر بالتهرب من التوقيع على وقف إطلاق النار بدون أن يمارسوا عليه أي ضغوط حقيقية.

كما استخدم الروس حق الفيتو ضد مقررات مؤتمر برلين الداعية إلى حل سياسي للازمة الليبية ، وهذا يؤكد رغبة الروس في دعم حليفهم حفتر والاستمرار في عسكرة ألازمة الليبية، وهو موقف مناقض للموقف التركي .

يقول الدكتور نبيل عكيد المظفري في دراسة له بعنوان .. الموقف التركي من قضية الاستقلال الليبي خلال الفترة 1950م-1960م.. يقول : “إن تركيا كانت تمتلك رؤية إستراتيجية بعيدة المدى حول ليبيا ، وان دعمها لا ينبع من إيمانها بحق الشعوب في الاستقلال والحرية فقط ، بل كانت تريد إبعاد النفوذ السوفييتي عن المنطقة لما له من مخاطر على أمنها القومي ، وبالتالي فإنها كانت تريد أن يكون لها دور كبير في هذه المنطقة الحيوية ، وقد أكد السكرتير العام في وزارة الخارجية التركية فؤاد جارم ، إن بلاده مع استقلال ليبيا ، لكنها في الوقت نفسه تعمل وبشتى الوسائل على منع وصول النفوذ السوفييتي إلى ليبيا إذا تعذر تحقيق الاستقلال ، كما أكد إن تركيا مستعدة لتقدم العون والمساعدة لليبيا وفق هذه الرؤية “.

كما أن ما يحدث في ادلب ألان من حرب بين تركيا والنظام السوري المدعوم من روسيا ، سوف ينعكس على ألازمة الليبية، فبعد أن وجهت تركيا ضربات موجعة لقوات ألأسد في سراقب، رأينا تصعيد في مكان أخر. حيث بدا القصف على أحياء طرابلس بالقذائف . وتبين فيما بعد بان مرتزقة الفاغنر الروس هم من قاموا بالقصف ، وفق تصريحات وزير الداخلية فتحي باشاغا.

ثم كان توقيع مذكرة التفاهم لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين الحكومة المؤقتة في شرق ليبيا ونظام ألأسد يوم ألأحد 1 مارس عام 2020م لا يمكن أن يتم بدون ضوء اخضر من روسيا لنظام ألأسد ، وهذا مؤشر خطير يؤكد حقيقة التدخل الروسي في ليبيا، والترابط بين ألازمة الليبية وما يحدث في سوريا من صراعات بين الروس والأتراك.

***

محمد عمران كشادة (باحث ليبي)

__________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية