Minbar Libya

في هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة شاملة وبعمق لفهم كل ملابسات وخلفيات وتداعيات توقيع الاتفاقية الليبية التركية، وما سينتج عنها من انعكاسات داخلية وخارجية سوف تلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي المضطرب منذ عام 2011م .

.الجزء الرابع

مذكرة التفاهم الليبية التركية وانعكاساتها على المشهد السياسي في ليبيا:

لا شك بأن توقيع الاتفاقية الليبية التركية سيكون له انعكاسات على المشهد السياسي الليبي ، وهو ما نراه ألان واقعا ملموساً. بعض الدول الرافضة لتوقيع الاتفاقية الليبية التركية سيكون ردها على ألأرض الليبية من خلال دعم حفتر في مواجهة حكومة الوفاق . وبالتالي يتجه المشهد السياسي والعسكري إلى مزيد من التصعيد والتعقيد.

  • انعكاسات محلية.

هناك انعكاسات محلية تتعلق بالداخل الليبي ، وسير المعارك بين قوات حفتر ، وقوات حكومة الوفاق ، وهي انعكاسات وان كانت تتم على ألأرض الليبية إلا أنها لا تخلو من مؤثرات خارجية دولية وإقليمية .

  1. معركة طرابلس.

بات من الواضح بعد توقيع الاتفاقية الليبية التركية خاصة في شقها الامني والعسكري المتعلق بمذكرة التفاهم ألأمنية والعسكرية ، بان مسالة سقوط طرابلس ودخول حفتر بقواته  منتصرا أمرا مستبعدا بكل المقاييس .

على مدى أكثر من  10 أشهر عجز حفتر عن دخول طرابلس ، وألان في ظل الدعم التركي لن يستطيع أن يحسم معركة طرابلس ، صوت البرلمان التركي على مذكرة التفاهم ألأمنية والعسكرية ، وطلبت حكومة الوفاق رسميا من تركيا الدعم وإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا .

وتحصلت حكومة الوفاق على أسلحة نوعية من تركيا ، من ضمنها أنظمة دفاع جوي . وأصبح سلاح الطيران التابع لحفتر وداعميه عاجزا عن شن هجمات جوية على طرابلس ، واقع جديد فرضه الدعم العسكري التركي ، وتغير لموازين القوة فرض حقائق جديدة على ألأرض.

  1. سيناريو التقسيم

لان حفتر أكثر من غيره يرى حقيقة واضحة أمامه بان مهزوم على أسوار طرابلس ،  ولان مصر التي تدعمه وتؤجج الصراع في ليبيا لن تكون قادرة على مواجهة تركيا في ليبيا لفترة طويلة . فان سيناريو التقسيم أصبح هو ألأقرب في الحالة الليبية، لن يكون من مصلحة نظام السيسي أن يخرج مهزوما من ليبيا وهو قد راهن على حليفه حفتر منذ أعوام ، ولان صورته وشرعيته سوف تهتز أمام الرأي العام المصري وخصومه كثر .

فان السيسي سوف يستميت في تأجيج الصراع في ليبيا ودعم حفتر ، وإذا وصل إلى قناعات بان سقوط طرابلس لن يحدث فانه سيراهن على تقسيم ليبيا ليحقق جملة من المكاسب ليس لمصر الدولة والتاريخ والحضارة والتي لن يكون من مصلحتها تقسيم ليبيا ، بل لمصلحة نظامه حتى لا ينهار .

سوف يعمل السيسي على دغدغة مشاعر المصريين الرافضين لاتفاقية عام 1925م لترسيم الحدود بين ليبيا ومصر ، سوف يعمل بكل ثقله لكي يحدث تغييرا في الحدود الليبية المصرية ، ونهب ثروات برقة من النفط والغاز.

إطالة أمد الصراع والفرقة بين الليبيين هو ما يخدم مصلحة السيسي لكي يسيطر على برقة ويظل يوهم المصريين بان جيشهم يحارب ألإرهاب في ليبيا ويدافع عن امن مصر القومي ، وقد يدفع بموجات من العمالة المصرية إلى برقة ليحدث تغييرا ديموغرافيا في التركيبة السكانية يشكل حالة من الغزو المصري للأراضي الليبية.
سوف تسعى ألإمارات بقوة لتقسيم ليبيا، وستتبع نفس السياسات التي اتبعتها في اليمن ، فقد سيطرت على المواقع ألإستراتيجية الهامة مثل جزيرة ميون في مدخل مضيق باب المندب ، وجزيرة سوقطرى ، والمدن الهامة على بحر العرب مثل عدن .

إن اجتماع القاهرة المنعقد في 9 فبراير عام 2020م وفق المسار الاقتصادي المعلن عنه في مقترح البعثة ألأممية يمثل خطوات عملية من جانب مصر والإمارات وداعمي حفتر للسيطرة على الموارد الاقتصادية لبرقة ، حيث توجد ثروات هائلة من النفط والغاز .

  • انعكاسات دولية وإقليمية.

  1. ليبيا تدخل إلى حلبة الصراع في شرق البحر المتوسط .

بتوقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية تكون ليبيا قد دخلت إلى مسرح ألأحداث المضطرب في شرق البحر المتوسط ، وستكون طرف أساسي ورئيسي في الصراعات بين دول ألإقليم على موارد النفط والغاز .

ستجد ليبيا نفسها في مواجهة مصر وقبرص اليونانية وإسرائيل . هذا ما تؤكده ردود ألأفعال القوية الرافضة لتوقيع مذكرة التفاهم بين ليبيا وتركيا .
قد لا تشكل اليونان خطرا كبيرا على ليبيا ، مثل الخطر الذي تشكله مصر . رغم أنها كشرت عن أنيابها ورفضت بقوة توقيع مذكرتي التفاهم الليبية التركية، وأرسلت وزير خارجيتها نيكوس دندياس  إلى بنغازي في 22 ديسمبر عام2019م غير أن مصدر الخطر ألأكبر هو في مكان أخر على خرائط الجغرافيا السياسية في شرق البحر المتوسط .

أنها إسرائيل ، هي غير راضية على توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية ، وقد لا يكون السبب في ذلك هو إفشال مشروعها لنقل الغاز إلى أوروبا بعد توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية فقط .

بل هناك أسباب أخرى ومصالح تفرض نفسها من أهمها دعم بعض أعدائها العرب الذين أصبحوا حلفاء لكي يقوموا  نيابة عنها  بتدمير الدول العربية.
إسرائيل تعيش ألان  في عصرها الذهبي ، فهي أصبحت دولة تنتج النفط والغاز ، وبالتالي تخلصت من عقدة ونقطة ضعف في تكوينها وهي فقرها إلى الموارد وحاجتها للدعم الغربي لكي تظل صامدة وسط محيط عربي يرفضها.

لهذا فان موارد النفط والغاز في شرق المتوسط ذات أهمية كبرى لأمنها القومي ، فلن تكون بعيدة عن حلبة الصراع .

إسرائيل معنية بالصراع في ليبيا خدمة لمصالحها ، في أغسطس عام 2019م دعا مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي لمراقبة الدور التركي في ليبيا، على اعتبار أن أنقرة ترى في تكريس نفوذها هناك وسيلة لمواجهة التعاون الإسرائيليالمصرياليونانيالقبرصي في مجال استخراج الغاز واقتصاديات الطاقة، وأن التحولات التي قد تشهدها ليبيا يمكن أن تؤثِّر سلبًا على مصالح تل أبيب ألإستراتيجية.

وفي محاولة لقراءة حقيقة الموقف الإسرائيلي . قال الخبير الإسرائيلي كارتشر : ”  أنه لا يتوقع أن تكون إسرائيل طرفا مباشرا في الأزمة الليبية، من الممكن أن يكون الدعم الإسرائيلي لطرف ما بالأزمة الليبية ليس بشكل مباشر، وإنما بواسطة طرف ثالث، وعلى شكل مساعدات أو تقديم استشارات على أكثر تعديل“.

الصراع بين إسرائيل ولبنان .. الموقف ألأمريكي ودور ألأمم المتحدة

في صراعات شرق البحر المتوسط مهم جدا أن نعرف الموقف ألأمريكي ، ودور ألأمم المتحدة في الصراع بين إسرائيل ولبنان ، لنعلم بان حلبة الصراع التي دخلناها حديثا لن يكون مجديا فيها أن نراهن على الدعم ألأمريكي ، أو دعم أي دولة كبرى ، أو ألأمم المتحدة في ترجيح كفتنا في صراع لن يكون سهلا ، بل سيكون اللاعبون ألأقوى على حلبة الصراع من يملكون القدرة على خلق التحالفات ، واستثمار أوراق القوة الحقيقية.

  1.  دور الولايات المتحدة ألأمريكية.

شهدت ألازمة الحديثة الناشئة حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان ودولة الاحتلال ، حيزا من المساعي الدبلوماسية من قبل الولايات المتحدة ألأمريكية بالتعاون مع ألأمم المتحدة بهدف معالجة القضية ومنع تحول الحدود البحرية إلى بؤرة توتر بين إسرائيل ولبنان . فقد تحركت الولايات المتحدة ألأمريكية جديا لمعالجة هذا الملف انطلاقا من أنها وحدها القادرة على ممارسة الضغط على إسرائيل .

وعلى الرغم من المساعي الجدية ألأمريكية نحو حل ألازمة في ملف النفط والنزاع البحري بين إسرائيل ولبنان ، وصف الدور بالمتقلب ، وكان للدولة اللبنانية مأخذ على السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة في هذا ألإطار ، مما دفع لبنان إلى العدول عن الوساطة الخارجية والسير بالحل الداخلي .

فقد قامت الولايات المتحدة ألأمريكية في بداية المفاوضات بتعيين فريدريك هوف احد كبار موظفي وزارة الخارجية لتولي الوساطة بين لبنان وإسرائيل في قضية ترسيم الحدود البحرية، ولاقى هوف ترحيبا لبنانيا واسعا ، إذ كان وفق تعبير الرئيس بري منفتحا على النقاش ، فاقر هوف في خلاصة النقاشات مع الطرفين بحق لبنان في 530 كم2 من المساحة البحرية المتنازع عليها ، والتي عاد وأضاف إليها لاحقا عشرات الكيلومترات ، لتقارب النسبة المعترف بسيادة لبنان عليها 700 كم2 .

غير أن الولايات المتحدة ألأمريكية سرعان ما كفت يد هوف عن الملف ، وتولاه عوضا عنه مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة أموس هوشتاين ، والذي يؤخذ عليه طابعه اليهودي مما أثار هواجس لبنان وما لبث أن اصدق المخاوف اللبنانية في تراجعه عن السقف الحدودي الذي كان قد اعترف به هوف.

  1. دور ألأمم المتحدة.

وجه لبنان رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة تشرح حيثيات المطالب اللبنانية، من خلال السؤال عن إمكانية الحصول على مساعدة ألأمم المتحدة في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل ، مشيرا في سياق السؤال إلى دور قوات اليونيفيل في ردع الاعتداءات ألإسرائيلية على سيادة لبنان وحقه في الثروة النفطية، اثر قيام إسرائيل بالتفرد بترسيم حدودها.

وجاء جواب أولي من ألأمم المتحدة على لسان  الناطق باسم ألامين العام مارتن نيسيركي بان قوات اليونيفيل ليست مخولة بموجب القرار 1701 ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل .

كذلك كان جواب نائب ألامين العام للأمم المتحدة يأن الياسون في تصريح لصحيفة السفير، أن أي وساطة من الأمم المتحدة تفترض طلبا من الطرفين اللبناني وإلاسرائيلي ، فيما ألأمم المتحدة لم تتلق طلبا إسرائيليا في هذا الخصوص.

ومع ألأخذ بالعلم أن اليونيفيل البحرية استقدمت بعد صدور القرار 1701  الذي لم يلحظ صلاحياتها، فان وجهة النظر اللبنانية تتلخص في هذا الخصوص بان مهمة هذه القوات تكمن بحسب منطوق القرار 1701 في مساندة لبنان على بسط سيادته على كامل حدوده ومنها البحرية، إذ أن قوات يونيفيل لم تقم بتعريف وتحديد منطقة عمليات القوات البحرية بوضوح.

مما يؤكد بأننا على موعد مع صراعات كبرى ومصيرية في شرق البحر المتوسط هو ما قامت به فرنسا مؤخرا عندما أرسلت حاملة الطائرات شارل ديغول إلى المنطقة في إطار عملية أوروبية بحجة محاربة ألإرهاب .

في يوم الخميس 16 يناير عام 2020م ، قال ماكرون : “إن القوة البحريةالجوية ستذهب دعما لعملية الشمال الشق الفرنسي ضمن عملية التحالف الدولي العزم الصلب من يناير إلى أبريل قبل أن تنتشر في المحيط الأطلسي وبحر الشمال“.

وأكد أنّ حاملة الطائرات ستكون في صلب عمليات مشتركة بين عدة دول أوروبية ، موضحا أن ألمانيا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا والبرتغال واليونان ستشارك في مواكبة شارل ديغول خلال عملياتها .

بعد حوالي أكثر من شهر من إرسال حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول إلى شرق البحر المتوسط ، هناك حدث أخر مهم يؤكد لنا بان الهدف الحقيقي من إرسال حاملة الطائرات الفرنسية وتشكل القوة ألأوروبية التي تحدث عنها ماكرون هو ذي صلة بصراعات النفط والغاز .

يوم الثلاثاء 25 فبراير 2020م أعلنت شركة توتال الفرنسية والحكومة اللبنانية وصول سفينة حفر للقيام بعمليات التنقيب لأول بئر استكشافية للنفط والغاز قبالة السواحل اللبنانية،

وقالت شركة توتال:”إن سفينة الحفر تنغستن إكسبلورر موجودة الآن في المنطقة الاقتصادية الخاصة للبنان لبدء عمليات التنقيب في أول بئر استكشافية في القطعة رقم 4، والتي تقع على بعد حوالي 30 كيلومترا قبالة العاصمة بيروت.

وافق لبنان في عام 2017م على تراخيص لكونسورتيوم دولي بقيادة شركة توتال وإيني الإيطالية ونوفيتك الروسية للمضي قدما في تطوير حقول النفط والغاز في البحر في قطعتين من بين 10 قطع في البحر المتوسط .

لا شك بان مؤشرات الصراع والتصعيد في شرق البحر المتوسط واضحة، وان الغرب لن يسمح لتركيا بان تعيد هندسة خرائط النفوذ والمصالح في منطقة إستراتيجية بها ثروات هائلة من النفط والغاز.

في 29 فبراير عام 2020م أعلن وزير البترول المصري طارق الملا، أن إسرائيل وقبرص واليونان وجهتالدعوة لمصر للمشاركة في مشروع خط  لأنابيب الغاز بالبحر المتوسط.

وأوضح الملا لموقع مستقبل وطن نيوز بقوله : ” أن  الدعوة جاءت لمصر للمشاركة في مشروع إيست ميد لمد خط أنابيب من إسرائيل يمر باليونان وقبرص لتصدير الغاز إلى أوروبا“.

وأضاف بقوله: ” تلقينا دعوة من إسرائيل واليونان وقبرص للانضمام للمشروع وهذا شيء متروك لنا، لكن ما الداعي للانضمام لهذا المشرو ونحن نمتلك الإمكانيات لتصدير الغاز لأوروبا ولأي دولة في العالم عن طريق محطات تسييل الغاز؟ “.

ويظل السؤال المهم .. ما هو حجم التوافق ما بين فرنسا وإسرائيل بشأن الخطوة الفرنسية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الاقتصادية اللبنانية؟. وهل هناك نوايا لدى فرنسا والغرب لمواجهة تركيا في شرق البحر المتوسط ؟.

هل بدأ العد التنازلي للمواجهة بالتزامن مع التوتر في ادلب بين روسيا وتركيا، وأين ليبيا من هذه الصراعات، ما هو موقفها ، وكيف ستتعامل معها ؟

***

محمد عمران كشادة (باحث ليبي)

__________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية