Minbar Libya

إعداد إسماعيل أبوبكر المحجوبي و جمال أحمد بادي

يتناول البحث قانون تنظيم عمل الأحزاب السياسية في ليبيا رقم 29، والذي صدر عام 2012م وفي مرحلة تحول ديمقراطي، وكان أول قانون يصدر بالدولة الليبية منذ استقلالها.

.الجزء الرابع

المبحث الثالث: إيقاف الحزب السياسي عن ممارسة نشاطه، أو حله

من المتعارف عليه أن الوثائق الدستورية تحمل في طيها نصوصا تسمح بالتعددية السياسية، مع ضمان وكفالة ذلك الحق بنصوص دستورية واضحة توثق حرية تأسيس الأحزاب السياسية، وهذا الحق أكده الإعلان الدستوري بمادته الخامسة عشرة، وأما الإنتساب والإنسحاب من الأحزاب السياسية، فأكده قانون تنظيمها بمادته الثالثة، كما اشترط ألا يكون المواطن الليبي عضوا في أكثر من حزب واحد.

ولم يختلف الإعلان الدستوري عن قانون تنظيم الأحزاب السياسية في شأن تنظيم وممارسة هذه الحرية لغرض ضبط مسارها بشكل لا تختل معه المصالح العليا للدولة الليبيية، وهو ما يعرف بالدفاع عنها بالأسلوب الديمقراطي، وعلى حد تعبير القاضي بالمحكمة العليا الأمريكية روبرت جاكسونالذي قال إن الدستور ليس ميثاقا انتحارياوبالتالي لا يمكن أن تكون الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور إحدى أدوات التدمير الوطني.

مهما يكن حرص الدساتير على تأكيد الحماية لتلك الحقوق والحريات، فلا يمكن اعتبارها حقوقا وحريات مطلقة، فلابد أن تقيّد تلك الحقوق والحريات بالمصالح العليا للدولة.

كما أن المفهوم المطلق للحقوق قد تغيّر وفق قضاء المحاكم الدستورية، إذ كان ينظر لها على إنها حقوق أصيلة للأفراد وإنها لازمة لتطورهم كحرية شخصية، في حين أن النظرة الجديدة صنفتها بكونها حرية لازمة للبناء الديمقراطي التنافسي، وأنها أساس الديمقراطية التنافسية، وبالتالي عليها أن تدور في هذا الفلك ولا تتجاوزه حفاظا على المصالح العليا للدولة.

من هنا يبرز حل الأحزاب السياسية كمفهوم سياسي وقانوني، على الرغم من كونها تعد من المنابر التي تمثل حق المواطن في اختيار ممثليه، إلا أن الديمقراطية لها الحق في حماية نفسها كنظام للحكم، ومن الناحية التاريخية، فقد استغلت الأحزاب السياسية الإطار الديمقراطي للوصول إلى السلطة، ومن ثم عملت على تقويض النظام الديمقراطي الذي كان سببا في وصولهم للحكم.

هنالك أمثلة كثيرة على ذلك ولعل أهمها ما قام به الحزب النازي بقيادة هتلر، فبعد وصوله للحكم عن طريق الإنتخابات، قام بتطبيق نظام حكم شمولي قوض بموجبه النظام الديمقراطي، لهذا فإن حل الأحزاب السياسية بعد خيارا ضروريا للحفاظ على بنيه النظم الديمقراطية، وهذا ما سنعرضه في مطلبين كما يلي:

المطلب الأول: إيقاف نشاط الحزب السياسية

من المتعارف عليه أن الأحزاب السياسية إنما تتشكل لغرض ممارسة أنشطة محددة بالدستور، وينظم عملها قانون ملزم بذلك ـ كما تم تعريفها سابقا ـ ويكون الهدف من تأسيسها هو التنافس لغرض الوصول إلى السلطة، والتي تقوم أصلا على الحرية، ولضمان تطبيق محتواها، فقد تم تأسيس التعددية الحزبية كضرورة لازمة لتكوين الإرادة الشعبية، وتحديد السياسة الوطنية تحديدا حرا مدركا لماهية التحول الديمقراطي.

وكما حدد نص المادة الرابعة مهام الأحزاب السياسية الرئيسية لكونها تسهم في تحقيق التقدم السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي وتعمل على توعية المواطنين وتمثيلهم سياسيا، غير أن ذلك لا يمنع من إيقاف نشاط الحزب السياسي عن ممارسة أعماله لمدد وحالات يحددها القانون، ترتقي وتتناسب مع الفعل الذي يترتب عليه هذا الإيقاف.

وقانون الأحزاب الليبي لم يتطرق إلى إيقاف نشاط الحزب إلا بطريقة واحدة فقط، هي أن يحل الحزب نفسه، أو يوقف نشاطه، أو أن يقوم بإعادة تنظيمه عبر أحكام يتخذها الحزب السياسي، وتكون ضمن مكونات نظامه الأساسي.

كما نصت المادة الثانية بما يجب أن يتضمنه النظام الأساسي، الفقرة: “أحكام وقف نشاط الحزب وإعادة تنظيمه أو إنهاء عمله، وقانون الأحزاب السياسية الليبي منح بمادته الثلاثين الحصانة القانونية للحزب السياسي بأنه لا يجوز حل الحزب أو وقف نشاطه إلا بقرار قضائي، بناء على طلب يتقدم به رئيس لجنة شؤون الأحزاب إلى المحكمة المختصة، يشرح فيه كافة الظروف والمخالفات التي تكون أهمها أن يفقد الحزب أحد شروط التأسيس أو إخلاله بأحكام هذا القانون.

ومن الواضح أن المشرع الليبي قد قام بمنح الأحزاب السياسية الحصانة اللازمة التي تمنع تدخل السلطات التنفيذية والتشريعية في حل أو إيقاف الحزب السياسي عن ممارسة نشاطه، بل أوكل المهمة للسلطات القضائية، والوضع الاختياري الذي تقوم به الأحزاب السياسية نفسها من حل وإيقاف النشاط والإندماج مع حزب آخر مما يعد الحزب السياسي منحلا.

أما بالنسبة للجهة التي تقوم برفع طلبات وقف النشاط والحل للسلطات القضائية، فهي رئيس لجنة شؤون الأحزاب لكونه المسؤول المباشر بالرقابة على الأحزاب السياسية.

كما نصت المادة الحادية والثلاثون على: “للمحكمة توجيه إنذار إلى الحزب السياسي المخالف بإزالة أي مخالفة لأحكام القانون وتصحيح أوضاعه، وفي حالة إمتثاله تقتصر معاقبته بغرامات مالية لا تقل عن عشرة آلاف دينار، ولا تزيد على خمسين ألف دينار بدلا من إيقاف الحزب وحله.

وما نلاحظه على الأحكام المذكورة أعلاه، أنها أخذت أسلوب التدرج في فرض العقوبة، بين توجيه الإنذار لغرض إصلاح الحزب نفسه، وبأنها أعطت الفرصة للحزب السياسي لتفادي الحل والإيقاف الكامل، وبين اقتصار العقوبات على شكل غرامات مالية، ولم تتطرق إلى حالات عقابية أخرى مثل فرض عقوبات على رئيس الحزب، أو وقف أنشطة إصدار صحف الحزب، أن نشراته الخاصة، أو منعه من استخدام وسائل الأعلام العامة، أو تمجيد حسابات الحزب المصرفية لفترات محددة يجب أن يتضمنها نص قانوني واضح.

المطلب الثاني: حل الحزب السياسي

نصت المادة التاسعة والعشرون بعد الحزب السياسي منحلا في حالات منها كما ورد بالفقرة الأولى: إذا قام الحزب بحل نفسه اختياريا، ويتضح بأن القانون قد أجاز للحزب اتخاذ كافة الإجراءات لحل نفسه دون أن يضع أي ضابط أو شروط وقيود على ذلك، مما قد يسبب سيطرة وتفرد القيادات العليا للحزب بالقرار دون الرجوع لكافة الأعضاء.

كما نصت الفقرات (2، 3، 4) على الحالات الأخرى التي يحل بموجبها الحزب السياسي، ولكل منها ظروف خاصة بها وهي:

ـ إذا كان حل الحزب يموجب حكم قضائي

ـ إذا اندمج مع حزب سياسي آخر

ـ إذا نقص العدد الإجمالي لأعضائه عن الحد المحدد بالقانون

تحليلا لما سبق من نصوص نستنتج الملاحظات التالية:

ـ نصت المادة (29) على عدة حالات يجوز بموجبها حل الحزب السياسي، ومن ملاحظة هذه الحالات نجد فيها ما يتلاءم مع هذا الجواز.

ـ لم يتضمن القانون حالات أخرى يمكن أن تمثل مواطن خطيرة يترتب عليها الحل والحظر الجزئي أو الكامل، مثل حالة إثبات التواصل الخارجي المباشر وغير المباشر ما لم يكن عبر وسائل التواصل الدبلوماسي المتعارف عليها بين الدول، ومن الحالات الأخرى أيضا إقامة تشكيلات مسلحة تابعة للحزب أو بناء قنوات فئوية قبلية يكون من شأنها ضرب النسيج الاجتماعي.

الخاتمة

تعتبر الأحزاب السياسية محورا أساسيا في محاور العملية الديمقراطية، وتعد القوانين المنظم لعملها وممارسة نشاطها السياسي من المرتكزات الديمقراطية الرئيسية، لكونها تؤسس لحياة سياسية تعمل في إطار المنافسة والنزيهة والشفافة الرصينة، ومعيارها التداول السلمي على السلطة هذا كله ما سعى له قادة التغيير في ليبيا تحقيقا لطموحات الشعب الليبي.

بعد عرضنا لأهم ما تضمنه قانون تنظيم الأحزاب السياسية الذي يعتبر أول قانون ليبي يصدر بهذا الشأن، وبعد تقييمه وتحليله يتضح لنا بأن القانون تكون من (33) مادة أخدت طابع التسلسل بدون تقسيمه إلى عناوين رئيسية يختص كلا منها بجانب أساسي من مراحل تشكيل الحزب السياسي مما فتح الباب أمام التجاذبات التحليلية المعرقلة لعمل الأحزاب السياسية التي تصدّرها بعضا من السياسيين المستقلين وغيرهم من قادة وأعضاء بعض الأحزاب السياسية، بل وصل الحد بتلك التجاذبات بأن ترتقي لمستوى خلافات قانونية ودستورية، وسبب ذلك راجع لعدم إصدار اللائحة التنفيذية لقانون الأحزاب السياسية.

وقام الباحث من خلال تتبع مكونات ومضامين القانون ودراستها حسب الخطة البحثة تحقيقا لبيان الإشكالية وإجابة على الأسئلة منها كان إصدار القانون متوافق مع الإعلان الدستوري المؤقت، احترم القانون مبدأ التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.

نظم القانون عمل ونشاط الأحزاب السياسية بالعديد من النصوص القانونية، ولكنه كان يعتريه الكثير من النواقص التي يجل أن تؤخذ في الإعتبار، ومنها عدم تضمنه على نص قانون يحمل في طيّه الإجراءات التي يجب على الحزب تطبيقها لممارسة الديمقراطية الداخلية التي يمكن أن تنعكس نتائجها الإيجابية على التحول الديمقراطي الكامل.

لم يتطرق القانون بصورة نص قانون يكلف بموجبه الحزب بدوره في تنشئة وتثقيف المواطن الليبي على ممارسة حقه بالمشاركة السياسية الفاعلة مما أنعكس على الواقع السياسي وفشل الكثير من السياسات التي كانت بدايتها من داخل قاعات المؤتمر الوطني العام مما خلق نوع من التفاعلات الشعبية الرافضة للإنضمام والإنخراط بالعمل السياسي داخل الأحزاب السياسية، ولتفادي ذلك فإننا نقوم بتسجيل النتائج والتوصيات التالية:

النتائج

ـ لم تصدر لائحة تنفيذية تفصيلية خاصة بكيفية تطبيق أحكام القانون.

ـ يعد قانون الأحزاب السياسية أول قانون يصدر بالدولة الليبية منذ استقلالها سنة 1951م، ويعتبر خطوة جيدة لترسيخ التحول الديمقراطي، ويحمل في طيّه معايير دولية متعلقة بحرية تأسيس الأحزاب السياسية والإنضمام لها والإنسحاب منها، كما رسخت نصوصه مبادئ التعددية السياسية.

ـ لم يخل القانون من الجوانب السلبية منها عدم الدقة في الصياغة الدستورية، وعدم تقسيم القانون لمحاور رئيسية يتخللها الترتيب القانوني والتشريعي لمراحل التأسيس وغيرها.

التوصيات

بعد ما توصلنا إليه من نتائج متعلقة بموضوع البحث، فإن غاية البحث الخروج بتوصيات ومقترحات نرى ملاءمتها لما قد اعترى القانون من نقص وعدم دقة في الصياغة وعدم وجود إرث قانوني وتاريخي يمكن أن يعتمد عليه في السابق، ونسرد هذه التوصيات كما يلي:

ـ دمج لجنة شؤون الأحزاب السياسية مع المفوضية العليا للإنتخابات واعتبارها هيئة رقابية مستقلة.

ـ إعادة ترتيب القانون في محاور ذات تسلسل يوضح مفاهيم التأسيس، والقواعد المنظمة للعمل الحزبي، وإيقاف نشاط الحزب السياسي وحلّه.

ـ تعديل المادة الخامسة بإضافة فقرة خاصة بأن لا يكون من يتولى منصب قيادي بالحزب السياسي له جنسية أخرى غير الجنسية الليبية، لوم يتحصل على جنسية أخرى في السابق حتى لو تنازل عنها.

ـ تعديل المادة العشرين والخاصة بالدعم المالي المقدم من الدولة، وذلك بتحديده تحديدا صريحا لقيمته وكيفية صرفه.

ـ تعديل الفقرة الثانية بالمادة الثامنة، والتي حدد بموجبها أقل عدد للمنتسبين بتحديد نسب ثابتة معينة توزع على البلديات، مع مراعاة التعداد السكاني بهدف ضمان عدم تأسيس الحزب السياسي على أسس من الجهوية والقبلية، مع رفع أقل عدد مسموح به من (250) إلى (2000) عضو.

ـ إضافة نص قانوني يقوم بتوجيه الأحزاب السياسية للقيام بواجباتها في تنشئة وتثقيف المواطن الليبي سياسيا.

ـ إضافة نص قانوني يفرض على الأحزاب السياسية إجراءات من شأنها تقوم بترسيخ الديمقراطية الداخلية فيها.

***

أ. إسماعيل أبوبكر أحمد المحجوبي – دارس دكتوراه بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا. كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية. قسم العلوم السياسية.

أ.د جمال أحمد بشير بادي – أستاذ بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.

____________

المصدر: مجلة العلوم السياسية والقانون : العدد 21 مارس 2020 – المجلد4 – وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيابرلين.