Minbar Libya

بقلم د. علاء عبد الحفيظ

الديموقراطية هي مجموعة القواعد التي تحكم العملية السياسية بحيث تحقق قدراً أكبر من المشاركة في السلطة والثروة: رأسياً (بين الحاكم  والمحكومين) وأفقياً (بين القوى والجماعات السياسية).

.الجزء الأول

الديموقراطية من الناحية اللفظية في الأساس كلمة يونانية مركبة من جزأين، الجزء الأول Demos وتعني الشعب، والجزء الثاني Kratos وتعني حكم أو سلطة. وبذلك تصبح الديموقراطية مصطلحاً يُطلق على شكل للحكم يتولى فيه الشعب الحكم، وبعبارة أوضح هي حكومة الشعب أو الحكم بواسطة الشعب.

لا تختلف عن هذا التعريف غالبية دوائر المعارف والقواميس. فالقاموس السياسي الأمريكي يذهب إلى أن “الديموقراطية هي نظام للحكومة تُمارس فيه السلطة السياسية بواسطة الشعب”.

الديموقراطية تصبح حسب تعريف القواميس ودوائر المعارف مصطلحاً يُطلق على حكم الكثرة كمقابل لحكم القلة أو حكم الفرد، حيث لا يمكن وصف النمطين الأخيرين بالديموقراطية. وتوجد مئات التعريفات لمفهوم الديموقراطية الذي أُطلق في استخدامه الأصلي على أحد أشكال الحكم، ويرجع ذلك إلى أن الديموقراطية لا تعني نفس الشيء للشعوب والدول المختلفة، فالديموقراطية كمفهوم وكمؤسسة نبعت من الحضارة الغربية ثم امتدت إلى مناطق أخرى من العالم وأصبح لها الآن استخدام عالمي.

أولاً: التعريفات الاصطلاحية للديمقراطية

وقد عرّف لنكولن Lincoln الديموقراطية بأنها “حكم الشعب للشعب وبالشعب”، بينما عرفها لويل  Lowell بأنها تجربة في الحكومة، في الوقت الذي عرفها سيلي Seely بأنها “الحكم الذي يملك فيه كل فرد نصيباً. وتوجد تعريفات أخرى متعددة للديموقراطية، من أشهرها ما طرحه شومبيتر من أن جوهر الديموقراطية يتمثل في وجود آلية سياسية لاختيار القيادة السياسية.

وهذه الآلية هي الانتخابات التنافسية الحرة. ويعرف شومبيتر الديموقراطية بأنها “التدابير المؤسسية التي تتخذ من أجل التوصل إلى القرارات السياسية التي يكتسب من خلالها الأفراد سلطة اتخاذ القرار عن طريق التنافس على الأصوات”.

وبالتالي فالمواطنون وفقاً لهذا التعريف لهم حرية الاختيار ما بين متنافسين على أصوات الناخبين، لكن ما بين انتخابات وأخرى يتخذ القادة السياسيون القرارات. وفي الانتخابات التالية يمكن للمواطنين الناخبين أن يتخلصوا من القيادات الموجودة ويحلوا محلها قيادات أخرى تتفق ومصالحهم بصورة سلمية.

يوجد تعريف آخر للديموقراطية أكثر اتساعاً طرحه ديفيد هيلد لا يقصر الديموقراطية على وجود انتخابات تنافسية كما فعل شومبيتر، وإنما يذهب إلى أن الديموقراطية تتضمن العناصر التالية:

1- وجود قواعد أساسية لما يُطلق عليه هيلد مبدأ “الاستقلال الديموقراطي”، بمعنى أن يتمتع الأفراد بحقوق متساوية، ومن ثم يكون عليهم التزامات متساوية في تحديد الإطار الذي يولد الفرص المتاحة لهم أو يحد منها شريطة ألا يُستخدم هذا الإطار في تجاهل حقوق الآخرين.

2- ضرورة توافر حقوق وحريات أساسية يتمتع بها المواطنون جنباً إلى جنب مع الحقوق السياسية ليتحقق مبدأ الاستقلال الديموقراطي. فبدون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن التمتع بالحقوق السياسية. وبدون التمتع بالحقوق السياسية فإن أشكالاً جديدة من عدم المساواة في توزيع السلطة والثروة والمكانة يمكن أن تظهر لتنتهك تطبيق وإقرار الحريات الاقتصادية والاجتماعية.

3- توافر درجة عالية من المساءلة لجهاز الدولة.

4- توافر فرص متساوية للمشاركة السياسية.

ويرى هوارد وياردا أنه لابد للباحثين من الحرص عند تعريف الديموقراطية، فالديموقراطية ليست مجرد إجراء انتخابات، على الرغم من أن هذه خطوة أولى جيدة، فإذا كانت الديموقراطية تعني مجرد إجراء انتخابات، فيمكن وصف دول مثل نيكاراجوا والسلفادور وروسيا بأنها دول ديموقراطية.

إن الديموقراطية تتطلب إلى جانب إجراء انتخابات حرة وبصفة دورية وجود العديد من المؤسسات التي يجب أن تعمل بكفاءة، مثل وجود برلمان قوي ومستقل، ووجود نظام قضائي مستقل، وأحزاب سياسية قوية، وجماعات مصالح قوية قادرة على التعبير عن وجهات نظرها، ومشاركة سياسية واسعة.

ووفقاً لهذا التعريف، يمكن القول إن العديد من الدول التي تم ذكرها لا تزال ديموقراطيات جزئية غير كاملة، أو ديموقراطيات في طور التشكيل.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الديموقراطية تتطلب التسامح واحترام وجهات النظر المختلفة، والتعبير الحر، وهو ما يطلق عليه “الثقافة المدنية”، ولذلك فإنه إلى جانب دراسة عمليات التحول الديموقراطي، يجب الاعتراف بأنه توجد أنواع ودرجات مختلفة من الديموقراطية.

 وفي هذا الإطار يرى الدكتور محمد عبد المعز نصر أن “الديموقراطية ليست مجرد شكل من أشكال الحكم فهي ليست أساساً شكلاً من أشكال الحكم، فالحكم الديموقراطي يعني دولة ديموقراطية، ولكن الدولة الديموقراطية لا تعني بالضرورة حكومة ديموقراطية، فالدولة الديموقراطية تتسق مع أي نوع من الحكومة، ديموقراطية أو أوتوقراطية أو ملكية.

وقد توضع السلطة العليا في أيدي ديكتاتورية كما تفعل الولايات المتحدة من الناحية الواقعية في أوقات الأزمات فيما يتصل برئيس جمهوريتها، فكل ما تعنيه الدولة الديموقراطية هو أن المجتمع ككل يملك سلطة السيادة ويحتفظ بالسيطرة النهائية على الأمور العامة، فالديموقراطية كشكل من أشكال الدول هي مجرد طريقة لتعيين الحكومة والإشراف عليها وعزلها.

أما كارل وشميتر فقد ذهبا إلى أن الديموقراطية هي الكلمة التي يتردد صداها في عقول الناس، وتنشأ من رغبتهم وكفاحهم من أجل الحرية وإيجاد سبل أفضل لحياتهم.

يتضح مما سبق أن مفهوم الديموقراطية يدور في معظم التعريفات حول الأبعاد الرئيسية التالية: توفير ضمانات احترام حقوق الإنسان، والقبول بالتعدد السياسي والفكري، واحترام مبدأ تداول السلطة طبقاً للإرادة الشعبية، وتوسيع المشاركة السياسية التي تعني قدرة مختلف الفئات الاجتماعية على التأثير الفعال – وليس الشكلي – في السياسات والقرارات بأشكال معينة بشكل اختياري تطوعي.

يعني ما سبق أن الديموقراطية هي مجموعة من القواعد التي تحكم العملية السياسية بحيث تحقق قدراً أكبر من المشاركة في السلطة والثروة: رأسياً (بين الحاكم والمحكومين) وأفقياً (بين القوى والجماعات السياسية).

وعلى الرغم مما قد يُذكر في ديباجة دستور دولة ما أو في مواده الأولى من أن الدولة ديموقراطية أو دستورية فإن الممارسة وحدها أو الأسلوب الذي يُطبق في ممارسة السلطة هو الذي يحدد النمط الذي تسير عليه الدولة، فإذا كان النظام يتيح بشكل أو بآخر مجالاً لممارسة السلطة أُطلق عليه صفة الديموقراطية التي هي أصلاً تعني حكم الشعب.

فالديموقراطية إذن هي جوهر قبل أن تكون مظهراً، أو هي توصيف لطبيعة النظام السياسي وليست شكلاً لنظام الحكم، فقد يكون النظام السياسي “الديموقراطي” ليبرالياً أو اشتراكياً يستند إلى التعددية الحزبية، أو يتسم بوجود حزبين كبيرين أو حتى حزب واحد مسيطر والأمثلة التطبيقية عديدة على ذلك.

وتعد المشاركة آلية النظام الديموقراطي وقاعدته النظرية وإطاره الحركي. والمشاركة تكون في القيم النادرة – مادية وغير مادية – في المجتمع.

ويدعي الغربيون على اختلاف لغاتهم وبلدانهم أنهم يطبقون الديموقراطية بشتى الوسائل من خلال أنظمة حكمهم وتنظيماتهم السياسية وفلسفتها، وظل الشرقيون لفترة طويلة وعلى اختلاف إيديولوجياتهم يسمون نظمهم السياسية بالديموقراطية أو الديموقراطية الشعبية تمييزاً لها عن الديموقراطية الغربية والتي تعتبر ديموقراطية برلمانية.

وأمثلة تلك النظم الغربية والشرقية كثيرة في عالمنا المعاصر. وبين أولئك وهؤلاء نجد دول العالم الأخرى من ساعية إلى النمو ونامية ومتخلفة نجدها جميعاً تفخر بأنها تطبق الديموقراطية سواء بالميل يميناً أو بالميل يساراً.

وقد اتبعت كثير من دول العالم التي نالت استقلالها النمط الغربي للديموقراطية وذلك إما لأسباب تاريخية أو سياسية أو عسكرية، هذا وإن اتفقت تلك الدول في اتباع ذلك النمط من الديموقراطية، إلا أنها لم تسلك جميعها مسلكاً واحداً وإنما تعددت الاتجاهات فهناك من بين الدول ما اتجه نحو تطبيق النظام البرلماني ومنها ما طبق النظام الرئاسي ومنها ما طبق نظام الجمعية الوطنية، ومنها أخيراً ما جمع بعض خصائص الأساليب الثلاثة في نظام واحد.

تتيح الديموقراطية، كنظام سياسي، قدراً أكبر من المشاركة السياسية من جانب المواطنين عن طريق ممارستهم لعدد من الحقوق السياسية والمدنية مثل حق التصويت والترشيح للمجالس النيابية، وحرية التعبير والمساواة أمام القانون، أي أن هناك قواعد عامة موضوعية لا تقيم أي مركز متميز لأية فئة أو جماعة على أساس انتمائها العرقي أو الديني أو القبلي.

يُعد غياب الديموقراطية العائق الأكثر أهمية أمام ممارسة الحقوق والحريات. فالديموقراطية هي المناخ الطبيعي الذي يوفر للمواطنين حقوقهم وحرياتهم. وهي، كما سبقت الإشارة، ليست مجرد شكل للنظام السياسي، وإنما هي جوهر للعملية السياسية الاجتماعية التي تحقق المشاركة والعدالة الاجتماعية.

وتفترض الديموقراطية احترام حقوق الإنسان وفي مقدمتها المشاركة السياسية. وتستلزم ممارسة ذلك الحق التمتع بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية أولاً كالكفاية وعدالة التوزيع وإشباع الحاجات الأساسية Basic Needs  

. ولا ينفصل إشباع تلك الحاجات الأساسية أو يقل أهمية من منظور الاستقرار الداخلي والأمن القومي عن التنمية الاقتصادية وتحقيق الطموحات القومية والحضارية والدفاع عن الحدود ضد الأخطار الخارجية.

وبعبارة أخرى، فإن جوهر الديموقراطية هو المشاركة والمساواة. فإذا كانت المشاركة ذات دلالات سياسية، فالمساواة تشير للعوامل الاقتصادية الاجتماعية بما يؤكد أهمية الجوانب الاقتصادية الاجتماعية للمشاركة السياسية.

وترتكز الديموقراطية على نظام موضوعي في توزيع الثروة والسلطة في المجتمع، على أساس العدل الاجتماعي وعن طريق المشاركة السياسية، وترتبط تلك المشاركة مع الأنساق المجتمعية الأخرى: اقتصادية، اجتماعية، ثقافية في علاقة اعتماد متبادل. كما تشكل تلك الأنساقفي مجموعها وتفاعلاتهاالبيئة الاجتماعية أو الداخلية للاستقرار الداخلي.

يتبع في الجزء التالي بدءً بـ الأشكال الدستورية والتنظيمية المرتبطة بالديمقراطية

_____________