Minbar Libya

بقلم د. علاء عبد الحفيظ

الديموقراطية هي مجموعة من القواعد التي تحكم العملية السياسية بحيث تحقق قدراً أكبر من المشاركة في السلطة والثروة: رأسياً (بين   الحاكم والمحكومين) وأفقياً (بين القوى والجماعات السياسية)

.

الجزء الثالث

ثالثاً: الأشكال المؤسسية للحكومات الديموقراطية

يُقصد بها التمييز بين الأنواع المختلفة للحكومات طبقاً لطبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وما يترتب على ذلك من آثار تنعكس بدورها على تكوين كل من تلك المؤسسات ووظائفها. وطبقاً لذلك يمكن التمييز بين أكثر الحكومات شهرة وذيوعاً على النحو التالي:

1- الحكومة البرلمانية

تتميز النظم البرلمانية بوجود علاقة وثيقة بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية في الحكومة. وفي هذه النظم تتنافس الأحزاب السياسية من خلال برامجها الحزبية المعلنة للحصول على أعلى الأصوات للوصول إلى مقاعد البرلمان، ومن خلال انتخابات عامة ومفتوحة أمام المواطنين.

ولا تتم عملية المنافسة الانتخابية أو التصويت بهدف الاختيار المباشر لشخص بعينه كرئيس للسلطة التنفيذية، حيث يتم تكليف الحزب الفائز في الانتخابات بتشكيل الحكومة، ومن هنا يصبح رئيسه رئيساً للسلطة التنفيذية، وعليه أن يقوم باختيار وزرائه ومساعديه.

ومن بين النظم السياسية المعاصرة يُعد النظام البريطاني النموذج التقليدي للنظام البرلماني. وبوجه عام، فإن وجود حكومة برلمانية لا يعد في حد ذاته مؤشراً على ديموقراطية أو حتى سلطوية دولة معينة. وبصورة عامة، فإن من أهم خصائص الحكومات البرلمانية ما يلي:

أالتقارب الكبير بين أفراد السلطة التنفيذية وسياساتها ومن توزيع الرأي العام والمصالح التي تمثلها السلطة التشريعية. ومن ثم فإن استمرارية الحكومة في السلطة تعد رهناً بحصول سياساتها وبرامجها على تأييد الأغلبية البرلمانية، الأمر الذي قد يؤدي أحياناً إلى عدم الاستقرار السياسي نتيجة لكثرة أو لتقارب الفترات الزمنية بين التغييرات الوزارية.

وهنا يجب أن يُنظر إلى ذلك على أنه نتيجة طبيعية لطريقة عمل الحكومة أو النظام البرلماني، كما أن الاستقرار الذي قد يبدو للبعض كميزة يتمتع بها النظام البرلماني قد لا يكون سوى مؤشر على الركود والكساد السياسي.

بفي حالة الأزمات السياسية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فإن من حق الأولى أيضاًَ أن تقوم بحل الثانية والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة.

جتتيح العلاقة الوثيقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان وبين أعضاء الحزب الحاكم ككل فرصة أكبر لفتح المجال أمام تطوير قدرات الحكومة، وتعظيم فرص تغلبها على المشكلات والأزمات السياسية التي تواجهها.

ويكمن أحد الأسباب الرئيسية لهذه الخاصية في كون رئيس الوزراء، وهو رئيس السلطة التنفيذية، هو في نفس الوقت زعيم حزب الأغلبية في البرلمان، الأمر الذي يكسب حكومته ووزارته خبرة أكثر في السياسات الحزبية والمناقشات البرلمانية ويتيح له فرصة أكبر في التنسيق مع ممثليه بصدد المشروعات والبرامج التي يتم تقديمها للبرلمان.

دالطبيعة المنفتحة نسبياً للصراع السياسي في النظم البرلمانية، حيث يتمتع رئيس الوزراء أو وزراؤه بفرصة الدفاع عن مصالح حزبية بصورة مباشرة خلال المناقشات البرلمانية المباشرة وضد معارضيهم أو منافسيهم من الأحزاب الأخرى.

2- النظم الرئاسية

يتميز النظام الرئاسي بالفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية من الأمثلة المتميزة لهذا النظام. وبالإضافة إلى ما يتميز به هذا النظام من وجود قنوات رسمية للاتصال ما بين السلطة التنفيذية وبين السلطة التشريعية، فإن هذا النظام يتميز بوجود مجموعة قنوات غير رسمية للاتصال بين الفرعين التنفيذي والتشريعي، ومن أهمها الاجتماعات الخاصة بين الرئيس وقادة الهيئة التشريعية، بالإضافة إلى إطار من الولاء الشخصي بين المشرعين والإدارة.

وتبرز أهمية هذه القنوات غير الرسمية بصفة خاصة عندما يسيطر حزب المعارضة على الهيئة التشريعية، بينما تقتصر سيطرة حزب الرئيس على السلطة التنفيذية. وفي مثل هذه الظروف، فإن هذه القنوات غير الرسمية توفر إطاراً هاماً يساعد في صنع السياسة العامة من خلال عمليات التوفيق والمساومة السياسية.

وبوجه عام، فإن من أهم خصائص وسمات النظام الرئاسي ما يلي:

أيتم انتخاب الرئيس – رئيس السلطة التنفيذية – بواسطة الشعب وليس من خلال الهيئة التشريعية كما هو الحال بالنسبة للنظم البرلمانية.

بيقوم الرئيس باختيار مساعديه ومعاونيه (الوزراء)، ومحاسبتهم وعزلهم، ويكونون مسئولين أمامه مباشرة. وعادة ما يتم اختيارهم بعد موافقة روتينية من السلطة التشريعية.

جتتمتع هذه النظم بوجود مبدأ الرقابة والتوازن بين السلطات، خاصة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. ويكون للرئيس طبقاً لهذا المبدأ الحق في الاعتراض وعدم الموافقة أو رفض التعيينات التي يقدمها الرئيس وكذلك بعض مشروعات القوانين التي يتقدم بها.

دلا تستطيع السلطة التشريعية عزل الرئيس أو الحكومة إلا في الظروف الاستثنائية وفي ظل ظروف غير عادية مثل اتهام الرئيس واتخاذ إجراءات عزله تمهيداً لمحاكمته Impeachment  (كما في حالة الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون 1974، والتي استقال فيها حتى لا يتخذ ضده الإجراء السابق). وفي هذه العملية فإن من غير المحتمل أن يتم التغيير في إطار من الولاء الحزبي أو الخلاف المؤسسي حول السياسة العامة.

هـلا يجوز للوزراء أن يكونوا أعضاء في البرلمان، ولا أن يحضروا جلساتهم بصفتهم هذه.

وعلى ذلك، فإن الرئيس في كل الأحوال يكون مطمئناً عادة لاستمراره في منصبه، على الأقل حتى موعد الانتخابات التالية، مما يتيح قدراً هاماً من الاستقرار السياسي من ناحية، كما أنه يقدم أيضاً أحد المؤشرات المهمة على ديموقراطية النظم الرئاسية، حيث تتحول السيطرة الحزبية على مكتب الرئاسة. وتظل هناك ملاحظة أساسية يثيرها البعض بصدد الارتباط بين النظام الرئاسي وبين وجود انقسام حزبي ومؤسسات سياسية ضعيفة أو كليهما معا.

وبالطبع فإن الولايات المتحدة تستثنى من هذه الملاحظة. كما أن الارتباط يثار أيضاً بصدد الدول حديثة الاستقلال ذات الاقتصاديات المختلفة، والتي تحتاج إلى تركيز للسلطة يسمح لها بالقيام بمهام ومتطلبات عمليات تحديث الأبنية الاقتصادية والاجتماعية الأمر الذي اتجهت معه معظم هذه الدول التي تنظمها حكوماتها في إطار النظام الرئاسي.

وعلى أية حال، فإن التجربة الأمريكية مع النظام الرئاسي، كما سيجري دراستها تفصيلاً، والتطور الكبير الذي حدث في وظيفة ودور الرئاسة ومؤسساتها وتحولها إلى دور المبادرة بدلاً من الاكتفاء بالتنسيق بين الفروع الثلاثة للحكومة (تشريعية، تنفيذية، قضائية).

كل هذا يقدم مؤشرات واضحة الدلالة فيما يثار بشأن التفكك والانقسام الحزبي وضعف المؤسسات السياسية. وبوجه عام فإنه لا يمكن إنكار تأثير وأهمية شكل الحكومة على المجريات السياسية العامة وعلى صنع السياسات العامة، ومن يحكم ومن لا يحكم، وما يتم أو لا يتم تنفيذه، وعلى أنماط التفاعل السياسي وإدراك الاحتياجات والفرص المتاحة والقدرة على المساومة والمفاوضة ..الخ.

ومن هنا يصبح من المهم أيضاً تناول الخصائص الهيكلية للدولة وتأثيرها على شكل حكوماتها بين الحكومات الموحدة أو الفيدرالية.

3- حكومة الجمعية

جوهر هذا النظام هو إدماج السلطتين التشريعية والتنفيذية مع التسليم للأولى بالغلبة والهيمنة على الثانية، فالحكومة تمارسها هيئة منتخبة عن الشعب تُعرف بالجمعية النيابية لا يقف دورها عند مجرد اقتراح القوانين وإمرارها، وإنما تباشر كذلك تنفيذ هذه القوانين، غير أن التطبيق العملي يفيد قيام الجمعية بتكوين لجنة صغيرة تتولى التنفيذ وتكون مسئولة أمامها. وللجمعية حق عزل هذه اللجنة وإلغاء أو تعديل ما يصدر عنها من قرارات.

من تطبيقات هذا النظام فرنسا فيما بين عامي 1792، 1795، وعقب ثورة 1848 وعقب الحرب السبعينية في 1871، إذ كانت هنالك جمعية وطنية تجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مع إسناد مهمة تنفيذ السياسات إلى مجموعة من اللجان.

وطبقت تركيا هذا النظام عام 1924، وأخذت به استونيا في الفترة 1920-1933. كما يأخذ به النظام السويسري، حيث يتولى البرلمان الاتحادي السلطة العليا في الدولة، مع إسناد السلطة التنفيذية إلى مجلس الاتحاد المكون من سبعة أعضاء ينتخبهم البرلمان لمدة أربع سنوات.

ويأخذ البعض على نظام حكومة الجمعية احتمال استبداد المجلس المنتخب على نحو يهدد الديموقراطية ذاتها، لذا يُقال إن هذا النظام قد يسمح للديموقراطية بأن تتحقق شكلاً لا موضوعاً.

يتبع في الجزء التالي بدءً بـ الديموقراطية التوافقية

_____________