Minbar Libya

بقلم محمود ارفيدة

أثناء وجود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في طرابلس مطلع أبريل/نيسان من العام الماضي، قرر اللواء المتقاعد خليفة حفتر شنّ حرب على العاصمة طرابلس، حيث مقر حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، متجاهلا المساعي الأممية لتشكيل المؤتمر الوطني الجامع لحل الأزمة الليبية.

وحاولت قوات حفتر طوال عام كامل الدخول إلى طرابلس من محاور مختلفة في ظل اشتباكات طاحنة مع قوات حكومة الوفاق الوطني، التي رفضت في بيانات مع المجلس الأعلى للدولة وبلديات محلية جلها في غرب وجنوب غرب البلاد، إعادة ليبيا من جديد إلى حكم الفرد الشمولي العسكري الدكتاتوري، متمسكة بخيار الدولة المدنية.

وتمركزت قوات حكومة الوفاق في الحدود الجنوبية للعاصمة طرابلس بعدما تمكنت من امتصاص الهجوم المباغث، حيث شكل المجلس الرئاسي غرفة أمنية مشتركة بقيادة اللواء أسامة جويلي وغرفة ميدانية بقيادة اللواء أحمد أبوشحمة لردع حفتر، الذي استعان بمجموعات سلفية متشددة وبقايا من كتائب القذافي ومرتزقة أفارقة من السودان وتشاد وأجانب من روسيا وأوكرانيين للهجوم على طرابلس.

أرقام ودلالات

وقتل نحو 24 طفلا وأصيب حوالي 35 آخرون، في حين سجلت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) تشريد 90 ألف طفل وحرمان نحو 200 طفل من الدراسة منذ بدء الاشتباكات قبل عام.

واختطف مسلحون موالون لحفتر النائبة في البرلمان الليبي سهام سرقيوة من منزلها منتصف يوليو/تموز الماضي بعد انتقادها هجوم حفتر على طرابلس في وسيلة إعلامية تابعة للأخير، حيث لا تزال مختفية منذ ذلك الوقت، إضافة إلى اختطاف قضاة ونشطاء ومسؤولين وإعلاميين وقتلهم دون محاكمة ورمي جثثهم في شوارع مدينتي بنغازي وترهونة الواقعتين تحت قبضة حفتر.

وتضررت بشكل جزئي وكامل مواقع مدنية في مدن غربي ليبيا من بينها مدارس وجامعات وموانئ بحرية ومطارات ومستشفيات ميدانية، إضافة إلى منشآت المؤسسة الوطنية للنفط بسبب هجمات قوات حفتر المباشرة على المرافق المدنية.

وقتل أكثر من 20 عاملا وأصيب نحو 25 آخرين من أطباء ومسعفين عند استهدافهم من قبل قوات حفتر بطريقة مباشرة سواء في سيارات الإسعاف في الخطوط الأمامية لجبهات القتال أو عند قصف المستشفيات الميدانية، علاوة على إلحاق الضرر بشكل جزئي أو كامل بنحو 35 سيارة إسعاف منذ بدء الهجوم على طرابلس.

ونفذت قوات حفتر هجمات واعتداءات على ميناءي السدرة ورأس لانوف اللذين استخدما للأغراض العسكرية، حيث تم الاستيلاء على 15 قاربا تتبع مؤسسة النفط، إضافة إلى استهداف مستشفى النفط في طرابلس، وشركة مليتة للنفط والغاز، ومقر شركة شلمبر غير النفطية، وخزانات النفط بطريق المطار بطرابلس، ومصفاة الزاوية غرب طرابلس، وحقل الفيل جنوبي ليبيا.

تمويل وفشل

وفشلت حملة حفتر العسكرية على طرابلس بعد مرور عام كامل من الحرب، رغم الدعم العسكري والمالي والسياسي اللامحدود الذي يتلقاه حفتر من الدول الداعمة له، ومن بينها الإمارات والأردن ومصر، وفق التقرير الأخير للجنة الخبراء بالأمم المتحدة.

وكشفت قوات حكومة الوفاق الوطني منذ بداية الحرب وجود مرتزقة من تشاد والسودان يستخدمهم حفتر في حربه على الليبيين بطرابلس، إلى أن ظهرت فضيحة الإمارات في ليبيا بتنجيدها آلاف السودانيين للقتال لصالح حفتر بناء على عقود مع شركة بلاك شيلد الإماراتية مقابل حصول المرتزقة السودانيين على المال.

وهذه الدول ليست لوحدها، فقد أكدت صحيفة لوموند الفرنسية في يناير/كانون الثاني الماضي أن السعودية تموّل عمليات مرتزقة فاغنرالروسية التي تقاتل بآلاف الجنود إلى جانب حفتر، حيث تتهم حكومة الوفاق موسكو بدعم حفتر عسكريا في هجومه على طرابلس، لكن روسيا تنفي.

وكشف دخول قوات حكومة الوفاق إلى مدينة غريان بعد طرد قوات حفتر من المدينة نهاية يونيو/حزيران الماضي، الدعم العسكري المتطور الذي يتلقاه حفتر من فرنسا، حيث عثرت قوات الوفاق على صواريخ جافلينالأميركية المتطورة يملكها الجيش الفرنسي، إضافة لصواريخ صينية وذخائر مصرية وطائرات إماراتية مسيرة.

ورغم موافقة حفتر على وقف إطلاق النار في هدنة اقترحتها روسيا وتركيا دخلت حيز التنفيذ يوم 12 يناير/كانون الثاني الماضي، فإن قوات حفتر استمرت في انتهاك الهدنة، وأغلقت حقول وموانئ النفط لتسجل المؤسسة الوطنية للنفط خسائر قاربت حتى الآن 4 مليارات دولار، رغم الدعوات الدولية بعد مؤتمر برلين وقرار مجلس الأمن الدوليلوقف الاقتتال والعودة إلى طاولة المفاوضات وضخ إمدادات النفط من جديد.

سيناريو بنغازي

وأكد الباحث في قضايا العالم العربي والإسلامي صلاح القادري أن الطريقة البشعة التي سيّر بها حفتر معارك بنغازي بعد ارتكابه انتهاكات حقوقية، جعلت القطاعات الشعبية في غربي ليبيا وفي طرابلس خصوصا تعرف أن هذا السيناريو سيتكرر، معيدا ممارسات نظام القذافي القمعي.

وأكد القادري أن حفتر يقرر وينفذ لوحده دون تنسيق في خطابه السياسي والعسكري مع برلمان طبرق، مما زاد من مخاوف الليبيين تجاه حفتر الذي يتخذ من برلمان طبرق ذريعة لتحركاته، إضافة إلى استعانته بالمليشيات السودانية والتشادية ومرتزقة فاغنر الروسية.

ويرى القادري في تصريحه للجزيرة نت أن غياب العمق الشعبي لحفتر في طرابلس صعّب من مهمته العسكرية، بخلاف الرقعة التي يسيطر عليها حفتر شرقي ليبيا حيث سهل تواصله مع القبائل وعلاقاته مع قادتها إحكام سيطرته على المنطقة الشرقية.

وأوضح القادري أن المجتمع الدولي وعلى رأسه الأمم المتحدة تعتبر أن حكومة الوفاق هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبي، وتمنع في قراراتها التعامل مع الأجسام الموازية، لكنها تتعامل عبر بعثتها الأممية مع أجسام موازية وتغض الطرف مع القوى الكبرى عن انتهاكات حفتر الحقوقية، رغم وصفها أكثر من مرة بأنها انتهاكات قد ترقي لجرائم حرب.

في المقابل يقول القادري إن حكومة الوفاق الوطني فشلت في تسيير بعض الملفات عندما تعاملت بمرونة زائدة مع فرنسا والإمارات ومصر والسعودية، رغم التقارير الدولية التي تؤكد تدخلها الصريح في ليبيا.

وأشار المتحدث إلى أن حكومة الوفاق نجحت دبلوماسيا في توقيع الاتفاق الاقتصادي الحدودي مع أنقرة عندما أغلقت معبر المتوسط الذي يؤمن الطاقة لأوروبا وانتزعت ورقة تفاوضية مهمة تستطيع أن تبارز بها الدول الأوروبية متحصلة على الدعم المطلوب من تركيا.

أسباب وتفسيرات

واعتبر عضو معهد الدراسات بجامعة جون هوبكنز حافظ الغويل أن حملة حفتر فشلت في طرابلس لأسباب مختلفة من بينها شخصية حفتر التي لا تتمتع بالقبول الشعبي ولا بالمصداقية، رغم محاولات تصديره نفسه على أنه المنفذ من الإرهاب، وظهر ذلك للجميع أنه غير صحيح، فهو يسعى فقط إلى السلطة له ولأبنائه.

ويرى الغويل أن حفتر دمية يعتمد على تأييد أجنبي، حيث تحركه الإمارات ومصر وفرنسا من أجل سيطرتهم على ليبيا، والانتفاع من مصادر الطاقة المتمثلة في النفط والغاز، وأن الليبيين لن يقبلوا بأي أي تدخلات أجنبية تنهب خيراتهم وتعيدهم إلى مربع الاستعمار من جديد.

وتابع الغويل في حديثه للجزيرة نت ما زالت المنطقة الشرقية التي يحكم حفتر سيطرته عليها تعاني اقتصاديا وفي الخدمات والسيولة النقدية وانعدام الحريات، ولذلك لن يسير الآخرون خلف حفتر في غرب ليبيا بعدما شاهدوه في شرق البلاد“.

ويضيف المواطنون في المنطقة الغربية ليسوا مستعدين لأن يقبلوا بتدخل عسكري غاشم بهذه الطريقة في شؤونهم الداخلية وتسليط حاكم عسكري جديد متخلف يسعى إلى التسلط على البلاد ومواردها ويذل شعبها“.

استجابة سريعة

في حين صرح الخبير العسكري عادل عبد الكافي بأن سبب فشل حملة حفتر على طرابلس هو أن حفتر كان يراهن على عامل المباغثة في هجومه على طرابلس، لكنه فوجئ بالاستجابة السريعة لقوات الوفاق بصد هجوم قواته في منطقة سوق الخميس امسيحل وأسر كتيبة كاملة بعتادها في بوابة 27 في مدينة الزاوية الغربية في أول أيام الحرب.

واعتبر عبد الكافي في تصريحه للجزيرة نت أن الفارق بين الطرفين هو النازع الوطني الذي تحمله قوات الوفاق عندما يحاربون من أجل استقرار ليبيا تحقيقا لدولة مدنية ديمقراطية والحفاظ على أرواح الأبرياء وعدم سقوط طرابلس في مشروع عسكرة الدولة.

وأفاد بأن الاختلاف الفكري بين تحالف مسلحي حفتر تسبب في مشاكل كبيرة وتشتيت قواته في الميدان، حيث تتكون مليشيات حفتر من مسلحي بقايا النظام السابق وخريجي السجون والمرتزقة الأجانب الذين يقاتلون من أجل المال، إضافة إلى وجود مليشيات دينية سلفية متشددة لا تؤمن بمدنية الدولة وتحمل فكرا عابرا للحدود وغير مرتبطة بوطن ولا أمة.

وأكد عبد الكافي أن سلاح الجو الليبي لعب دورا مهما وبارزا في المعركة بتكبيد حفتر خسائر كبيرة لدى استهداف خطوط إمداده ومواقع المليشيات ومخازن الذخيرة والقواعد العسكرية.

ولفت عبد الكافي إلى أن حفتر انتقل للخطة البديلة وهي إطالة أمد المعركة بدليل تسيير الإمارات جسرا جويا عسكريا من قاعدة سويحان الإماراتية إلى قاعدة الخادم العسكرية الإماراتية ببنغازي تحمل آلاف الأطنان من الدعم العسكري، وتزويد حفتر بمزيد من المرتزقة الأفارقة والأجانب.

____________