بقلم زاهي المغيربي و نجيب الحصادي

نقف في هذه الورقة على الأطر النظرية المقترحة في أدبيات العلوم السياسية لتحليل عملية التحول الديمقراطي، كي نستعين بها في تشخيص التحديات التي تواجه هذه العملية في ليبيا، ثم نعرض مآلات قد يفضي إليها الفشل في إتمامها، وفرصا متاحة للحول دون فشلها، ونختتم بمحاولة تفسير تأخر الليبيين عن جيرانهم في طي صفحتهم الانتقالية.

الجزء السابع

ثالثا: مآلات الفشل في عملية التحول الديمقراطي

ثمة سيناريوهات متعددة لأحوال البلاد في حال فشل عملية الدمقرطة، لعل أهمها فقد الثقة في الخيار الديمقراطي، وتقسيم البلاد أو انفصال بعض أقاليمها، والغزو الأجنبي أو الوصاية الأممية، والدولة الفاشلة. وكلها مآلات سيئة، ولعل أسوأها سيناريو الدولة الفاشلة، الذي يمكن تحديد ديناميته وتداعياته على النحو التالي:

أ: الديناميات

تَكرُّس المنظومة القيمية التي تشكلت في العقود الأربعة الأخيرة
هيمنة الثقافة الريعية واستباحة المال العام على حساب ثقافة العمل وبذل الجهد
تَرسُّخ ثقافة الإقصاء والعزل السياسي
الفشل في تبني رؤية شاملة وواضحة لمستقبل البلاد
الفشل في تشكيل قوات مسلحة ومؤسسات أمنية تفرض هيبة الدولة
الفشل في صياغة دستور توافقي
الفشل في تفعيل القضاء وفي إعمال آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
الفشل في تأسيس إدارة عصرية فعالة تعتمد الكفاءة معيارا للمفاضلة
الفشل في تنويع مصادر الدخل القومي
الفشل في تعزيز قدرات مؤسسات المجتمع المدني

ب : التداعيات

فقد الشرعية التي يتمتع بها البرلمان والحكومة
إعادة إنتاج الاستبداد في صور جديدة
سطوة الميليشيات المسلحة وتعاظم نفوذ الحركات التي تتوسل العنف
التناحر السياسي وإعلاء مصلحة الكيانات السياسية على مصلحة الوطن
الفراغ السياسي والتدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر
تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية
تعزز دور القبيلة بوصفها ملاذا أمنيا وحيدا
تهميش الجماعات الإثنية
الفشل في تطوير أنظمة التعليم والصحة والإدارة وتفشي مظاهر الفساد والتردي
استمرار الاقتصاد الريعي وانخفاض مستويات الإنتاجية
استمرار المركزية وتهميش الأطراف وتعاظم الدعاوى الانفصالية
تدني قيمة العملة الليبية وتعزز اقتصاد الظل والسوق الموازية
زيادة معدلات البطالة والبطالة المقنّعة وارتفاع معدلات الجريمة
العزوف عن المشاركة السياسية وفقد الثقة في إجراء تحولات جذرية في المجتمع
إخفاق أساليب التنشئة الاجتماعية والتربوية والسياسية

وفي النهاية، فإن المجتمع الذي تحركه هذه الديناميات، بما تفضي إليه من تداعيات، مجتمع محبط، يائس، مفكك، مغترب، مضطرب، تحكمه دولة ضعيفة، تابعة، ومخترقة، ومهددة.

ولعل ليبيا قد قطعت شوطا في الطريق إلى الدولة الفاشلة، فحسب صحيفة الإيكونمست، ليبيا، هذه الأيام، ليست بدولة إلا بالكاد، فالزمر التي تآزرت لإسقاط معمر القذافي تخلت عن محاولة تسويات خلافاتها عبر التفاوض، والمنطقة الشرقية تقع تحت سيطرة تحالف مدني، ومقره طبرق.

أما في المنطقة الغربية، فالسيطرة فيها لخليط من الجماعات في طرابلس ومصراتة، وتدعمها ميلشيات إسلامية متشددة. ويوجد في ليبيا الآن حكومتان متصارعتان، وبرلمانان، ومجموعتان تتنازعان السيطرة على المصرف المركزي ومؤسسة النفط، ولا يوجد جيش وطني أو شرطة وطنية فاعلة، كما أن هناك مجموعات من الميلشيات التي تمارس الإرهاب ضد مواطني ليبيا وتنهب ما تبقى من ثروة البلاد.

رابعا: فرص متاحة لإتمام عملية التحول الديمقراطي

ثمة سوانح عديدة يمكن اغتنامها على نحو يعزز عملية التحول الديمقراطي، نذكر منها الحوار الوطني، والدستور التوافقي، والمساندة الدولية، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، والمجتمع المدني الفاعل. وتداركا منا لضيق المقام، سوف نعنى تحديدا بالسانحتين الأوليين، دون أن نقصد من ذلك التقليل من أهمية سائر السوانح التي سبق أن تناولناها في سياق حديثنا عن التحديات.

أـ حوار وطني

ثقافة الحوار هي البيئة الحاضنة لكل تجربة ديمقراطية، وحين تغيب ثقافة الحوار تقل بغيابها فرص التحول الديمقراطي، فالحوار سبيل التوافق النخبوي والمجتمعي، والتوافق مبدأ مركزي في أي منظومة ديمقراطية. وثقافة الحوار تعني الاستعداد المبدئي لدى قطاعات واسعة من الشعب لتبادل الآراء والأفكار والرؤى، وللوصول إلى نوع من التوافق حولها، وللإحجام عن توسل العنف أو أي وسيلة من وسائل الإكراه المادي أو النفسي في فرض هذه الآراء والأفكار والرؤى. وشيوع ثقافة الحوار في أي مجتمع يدل على أن القطاع الأغلب من أبنائه على قدر كاف من النضج المعرفي والوعي الأخلاقي بحيث يفهم الواحد منهم أن الرأي الذي يدافع عنه ليس سوى فرضيته المفضلة.

وحسب آخر استطلاع أجراه مركز البحوث بجامعة بنغازي، في يونيو 2014، يحظى الحوار الوطني بدعم الليبيين. الملفات الأجدر عندهم بالنقاش هما الأمن والمصالحة الوطنية، وهناك أغلبية ساحقة ترى أن الحوار الوطني هو الأداة المناسبة للتوافق حول الهوية الوطنية وقواعد العمل السياسي والقيم السياسية المشتركة، فيما تقر أغلبية تتجاوز 95% وجوب اشتمال ثوابت الميثاق الوطني على وحدة التراب الليبي وسيادة القانون وحرمة الدم الليبي والعدالة الاجتماعية وتطبيق مبدأ التسامح والتوافق والمواطنة المتساوية والتداول السلمي للسلطة وعدم الإقصاء والهوية الإسلامية الوسطية ونبذ العنف.

ولا سبيل لرتق الفتوق التي يعاني منها النسيج الاجتماعي سوى الحوار. والحوار، وليس التدافع المسلح، وحده القادر، إن كان ثمة قادر، على وقف الحرب الأهلية ومسلسل الاغتيالات والاختطاف والانتهاكات الحقوقية وحالات الانقسام والتشرذم التي أصابت المشهد السياسي الليبي.

والحوار، باختصار، فرصة الليبيين الأخيرة، والضامن الوحيد لاستمرارهم في عملية التحول الديمقراطي.

ب ـ دستور توافقي

التوافق عملية تقريب وتجسير لوجهات النظر والمطالب والمشاريع بغية الوصول إلى وضع ترتضيه جميع الأطراف، وهو نسج محكم لتوليفة من الآراء تأخذ في اعتبارها حقوق وواجبات ومشاغل وهموم ومصالح الجميع. والتوافق أحد المبادئ التي يتوجب أن تحكم عملية صناعة الدستور. ثمة مبادئ أخرى يلزم أن تحكم هذه العملية، مثل التمثيل والمشاركة المجتمعية والشفافية، غير أن التوافق أهمها.

ذلك أن الدستور الذي لا يستوفي استحقاقات التوافق سوف يكون معيبا أيا كان قدر الشفافية والمشاركة الذي روعي في صناعته، وسوف يفشل في التعبير عن طموحات وتطلعات المجتمع حتى إذا كانت الجهة التي قامت بصياغته منتخبة ويفترض من ثم أن تمثل مختلف شرائح المجتمع.

ولنجاح أي عملية توافقية استحقاقات كثيرة أهمها: وجود التزام حقيقي بالتوافق وبذل ما يكفي من الجهود في سبيل الظفر به، وتشارك الجميع في أهداف بعينها وفي الالتزام بالسعي نحو تحقيقها، وإبداء كل طرف استعداد مسبق لتغيير موقفه ولإعادة تقويم احتياجاته ولنقاش حلول بديلة قد لا تحقق كل رغابه، والثقة في نزوع كل الشركاء نحو الخلاص إلى قرارات توافقية، والتعبير بأمانة عن الرغاب والحاجات، ومشاركة الجميع بشكل فاعل في صنع القرار.

ونتاج كل ذلك، في حالة الدستور التوافقي، ما يمكن وصفه بالإرادة الجمعية التي تتكيف مع حاجات كل فئات وشرائح المجتمع، بما يصاحبها من إحساس بملكية الدستور وشعور بمسؤولية الدفاع عنه. وهذه الإرادة جمعية بالمعنى الحقيقي لا المجازي، كونها تتجسد في النهاية في قرارات شاركت في صياغتها كل الأطراف.

إن صياغة وثيقة دستورية واحد من أهم أطوار عملية التحول الانتقالي، ولا شك أن الليبيين قد اتخذوا خطوات مهمة صوب تحقيق هذه المهمة. غير أن الدستور، ما لم يكن توافقيا، قد لا يجد من يحميه، فيكون مجرد أوراق تنص على تداول سلطات لا سلطان لها، وتشرعن لقوانين لا تطبق، وتقر حقوقا لا تصان.

خاتمة:

لماذا تأخرت ليبيا عن جارتيها تونس ومصر في طي صفحتها الانتقالية؟

رغم تشابه بديات ثورات الربيع العربي في ليبيا وجارتيها مصر وتونس في كونها انتفاضات شعبية بامتياز ولم تكن لها قيادات واضحة، فإن مآلات الأحداث في البلدان الثلاثة عكست تفاوت التجربة السياسية والأوضاع الاقتصادية والعسكرية بينها، وقد تعين هذا التفاوت بوجه خاص في التالي:

اختلاف درجة مأسسة القوات المسلحة في مصر وتونس من جانب، وليبيا من جانب آخر، فقد اتسمت المؤسسة العسكرية في تونس ومصر، خلافا لليبيا، بدرجة عالية من المهنية والانضباطية، والتزمت بالحياد تجاه الصراع الدائر.

وقد حرم هذا الموقف النظامين المصري والتونسي من قوة باطشة كان من الممكن استخدامها في قمع الانتفاضة الشعبية، وأسهم في سرعة سقوطهما وتجنيب البلدين الكثير من المآسي.

في الوقت الذي سقط فيه النظامان المصري والتونسي خلال أسابيع قليلة، فإن النظام الليبي استخدم، بشراسته المعهودة، كل أدوات القمع والعنف المتوفرة لديه للقضاء على الانتفاضة الشعبية، ما أدى إلي عسكرة هذه الانتفاضة وتحولها إلى حرب مسلحة طويلة. ولقد أثر ذلك على سلاسة المرحلة الانتقالية وعلى مدتها، بعكس الحالتين المصرية والتونسية.

أدت عسكرة الثورة الليبية إلى تدخل القوى الدولية والإقليمية لما يمثله الصراع المسلح في ليبيا من تأثير سلبي وخطير على مصالح هذه القوى بصفة خاصة، وعلى السلام العالمي بوجه عام. وفي الوقت الذي كان التدخل الأجنبي في مصر وتونس غير مباشر واستخدم القوة الناعمة، فإن التدخل الأجنبي في ليبيا كان مباشرا واستخدم القوة الصلبة، وكان تأثيره حاسما في مسار الأحداث وفي نتائجها.

انعكس اختلاف التجربة السياسية والحزبية في البلدان الثلاثة على دور النخب والأحزاب السياسية في الانتفاضات الشعبية. فرغم الطبيعة العفوية والجماهيرية لهذه الانتفاضات، فإن الأحزاب والنخب السياسية في كل من تونس ومصر سرعان ما تصدرت المشهد السياسي وهيمنت علي العملية الانتقالية.

غير أن التفاعل بينها اتخذ مسارين مختلفين: مسار تصارعي في مصر بين النخب والأحزاب تدخلت فيه المؤسسة العسكرية وحسمته لصالح تيار بعينه؛ ومسار توافقي في تونس أخرج البلاد بكل سلاسة من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة البناء الديمقراطي.

أما في ليبيا، وبسبب حداثة التجربة الحزبية وهشاشة المجتمع المدني وضعف عملية المأسسة ووهن المؤسسة العسكرية، لم يمتلك أي من الأطراف القوة التي تمكنه من حسم الصراع لصالحه كما حدث في مصر، ولم تحتز النخب السياسية على الحكمة والبصيرة السياسية التي تمكنها من التوافق حول قواعد العملية السياسية ومحتوى السياسات العامة كما حدث في تونس.

أسهم الاقتصاد الريعي والوفرة المالية بنصيبهما في عرقلة عملية التحول الديمقراطي في المرحلة الانتقالية في ليبيا. تحديدا، حالت حقيقة أن معظم الليبيين موظفين في القطاع العام دون أن تكون الضغوط الاقتصادية حافزا على عودة الحياة إلى طبيعتها، كما حدث في مصر وتونس. أكثر من ذلك أن الدولة التي تعاني من المليشيات المسلحة لم تتوقف عن دفع مرتبات أفرادها، حتى أصبح الانضمام إليها وسيلة لتحسين الدخل.

لا غرو إذن، وحال التفاوت كما ذكرنا، أن تتأخر ليبيا عن جارتيها. غير أن الأمل يظل معقودا في أن تلحق بالركب. ثمة خصوصية يتسم بها الشعب الليبي قد تعينه على إنجاز هذه المهمة، فلديه قدرة لافتة على التكيف مع ما يلم به من عثرات. لقد صبر أربعة عقود على أوضاع لم تكن بأي حال مواتية، فتعايش معها ومارس مختلف السبل في تطمين النظام بأن بقاءه سوف يستمر طويلا.

وما أن ظن الجميع أن صمته سوف يدوم أبد الآبدين، انتفض فجأة واستطاع في بضعة أشهر الإطاحة بأشرس نظام قمعي عرفته المنطقة.

وما لبث أن تكيف مع التحولات الجذرية التي طالت بنيته السياسية، فخاض غمار تجربة ديمقراطية غريبة عنه، وخطا فيها خطوات لا تتوقع من شعب كان يحظر عليه مجرد الحديث عن الأحزاب والدستور. فهل يستبعد عليه أن يتكيف مع الانفلات الأمني والتطرف الديني، وأن يصبر عليهما بعض الوقت، وأن يقول في النهاية كلمة فصلا تعيد الأمور إلى نصابها، فينعم بأسباب الاستقرار والعدل والرخاء التي تاق إليها منذ أن تشكلت، عبر نضاله ضد الغزاة، الملامح الأولى لهويته؟

لقد رأى الشعب الليبي قباب النور، بعد أن عاش دهرا في أقبية الظلام، ومبلغ الظن أنه لن يصبر طويلا على العيش ثانية في عتمات القمع والعسف والإرهاب.

***

محمد زاهي المغيربي ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة بنغازي

نجيب الحصادي ـ أكاديمي ومترجم ليبي، له العديد من المؤلفات، أستاذ في جامعة بنغازي

_____________

المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات