Minbar Libya

بقلم أحمد عبد الجواد

في وقت بالغ الحساسية يمر به العالم، وبينما تعيش أوروبا أسوأ أوقاتها، إلا أنها لم تنس في خضم جائحة كورونا أن تستكمل مخطط التقسيم في ليبيا، لإعادة ضبط المنطقة والسيطرة عليها وطي ملف الربيع العربي، بإعلان الاتحاد الأوروبي إطلاق عملية عسكرية تحت اسم إيريني؛

الهدف منها تضييق الخناق على قوات حكومة الوفاق الليبية لتفسح المجال للمتمرد خليفة حفتر ومرتزقته، مع تجاهلها الرقابة على تسليح حفتر الذي ما زال يتلقى شحنات أسلحة من الإمارات، بشكل منتظم عبر طائرات الشحن والحدود البرية مع مصر.

والسبب الأساسي لاعتماد الاتحاد الأوروبي تلك العملية، هي الانتصارات المتوالية لحكومة الوفاق، ولضرب الاتفاق التركي الليبي الذي كان نقطة التحول الرئيسي في سير معارك طرابلس الدائرة منذ عام، ولإنقاذ ما تبقى من مشروع الأوروبيين الذي يتبناه حفتر.

الأوروبيون لهم عدة أهداف تتلخص في إنهاء الربيع العربي في ليبيا، وتقوية هيمنة الفصيل السلفي المدخلي السعودي الإماراتي الذي ينفذ أجندة النظام العالمي، خاصة بعد نجاحه في مصر، وكذلك إرسال رسالة تهديد واضحة لتركيا، خاصة بعد أن خلطت تركيا أوراقهم وعبثت بمشروعهم وجعلته في مهب الريح.

وقبل أن يأخذنا التحليل في ما يدور حاليا أجد لزاما عليّ الحديث عن المحددات الأساسية والكلية التي تتحكم في الوضع الليبي.

والوضع العالمي لليبيا يمكن أن نرصده منذ أن أخذت ليبيا وضعها في المنطقة وحوض البحر المتوسط مباشرة عقب معركة العلمين في الحرب العالمية الثانية.

في تلك اللحظة أصبحت ليبيا أحد عوامل المعادلة العالمية التي رسمتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وهي القوى الغربية على وجه الخصوص (أمريكا، أوروبا).

ومنذ تلك اللحظة بدأ تعديل النظام العربي ونقله من الملكية إلى الحالة العسكرية الانقلابية، وفقا للمزاج الأمريكي الذي لم يهتم بما رتبته إنجلترا وفرنسا.
وأهم تحول حدث هو تشعيب” (الشعوبية) النظام العربي السياسي، من نظام ملكي صنعته إنجلترا وفرنسا إلى أجزاء منه جديدة صارت عسكرية من خلال الانقلابات، وهذا كان الشغل الشاغل لأمريكا.

وكان النموذج الأول في مصر عام 1952، ثم توسع بعد ذلك إلى أن جاء القذافي عام 1969 ليأخذ مكانه ضمن هذه العهدة.
ومن هنا وُضعت ليبيا في عهدة أخطر أنواع الأنظمة العربية، وهم العسكر، وهؤلاء وإن كانوا كلهم خطرين، لكن المقصود أخطر نماذج العسكر وهو القذافي كنموذج قمعي متقدم.

القذافي لم يبق ولم يذر في الأزمة، وجعل من شعبها فئران تجارب يجرب فيهم كل شيء، إلى درجة أنه تجرأ على البعد العقائدي، وأنكر أحكام القرآن الكريم تماما كما فعل الحبيب بورقبية، جاره في تونس.

لكن القذافي تفوق بمراحل بوضعه كتابا بديلا للقرآن أسماه الكتاب الأخضر، وهو عبارة عن كلام فارغ لا يقدم ولا يؤخر.

نموذج القذافي هذا نشأ وترعرع على يد المنظومة الدولية التي تتحدث عن حق تقرير المصير، والعدالة والديمقراطية، ولكن على المستوى الإسلامي والعربي كانت هذه المنظومة تهيئ البيئة لمثل انتهاكات كهذه، طالت لأكثر من أربعين سنة.

في عهد القذافي حُرم الشعب الليبي من أي مستوى من الخيارات (ليبيا كما بقية الدول العربية سجن كبير). البترول كان يسير للغرب دون أدنى مشاكل طوال حكم القذافي، مع بعض الألعاب التي كان يقوم بها كأحد أوجه اللزوم لإدارة الشعوب، كما كانت هناك ألعاب مماثلة بين عبد الناصر وبريطانيا، وبين عبد الناصر والكيان الصهيوني وأمريكا.. إلخ، لكنها كانت أمور مرتبة ترتيبا مدروسا بعناية.

لكن القذافي تفوق في أداء دوره ببراعة لحراسة جنوب أوروبا بالمشاركة مع النظام الجزائري، لمنع نهضة المارد العربي والإسلامي والقضاء عليه، والتأكد من أنه لن يعود لسابق عهده في القوة والنهضة والنفوذ والسيادة.

وعمل النظام العالمي على أن يظل العالم العربي والإسلامي مستعبدا، وبالفعل نجح القذافي في حراسة جنوب أوروبا كأحسن ما يكون.

وسوف نتناول في مقال قادم بإذن الله ألاعيب القذافي وخدمة النظام العالمي بشيء من التفصيل.

عندما جاءت مرحلة ثورات الربيع العربي أثبت أبناء الشعب الليبي أنهم بالفعل أبناء عمر المختار، ودخلوا للثورة من أوسع الأبواب، حتى يمكننا القول إنهم يمثلون النموذج الأقوى المتقدم في الثورة بمعايير محددة؛ عن بقية النماذج في مصر وسوريا واليمن.

ولخطورة المنطقة العربية وأهميتها لدى النظام العالمي، جاءت الثورة المضادة التي تم تطبيقها على ليبيا كأقوى ما يكون.

نعم، الثورة المضادة عبثت في مصر وسوريا واليمن والسودان، لكن كل استراتيجيات الثورة المضادة تم تطبيقها في ليبيا، لأنها لو خرجت عن المعادلات المستقرة لصالح أوروبا وأمريكا ستسقط كل المعادلات، سواء في البحر المتوسط أو أفريقيا، لذلك كان الضغط الشديد على الثورة الليبية.

وهنا يمكننا ملاحظة أن الثورة المضادة لعبت لعبة السلطة والشرعية، بمعنى أن السلطة تأتي من الخارج وليس من الشعب. ومع أن الشعب الليبي أفرز مشروع دستور وبرلمان، إلا أن التعجل كان سريعا جدا، مثلما لعبت ملكية الخليج باليمن من خلال المبادرة الخليجية مبكرا في 2011.

أيضا تم الإتيان باتفاق الصخيرات لاستيعاب الوضع في ليبيا.

ومن هنا جاءت اللعبة الدولية والثورة المضادة لتبقى الشرعية والسلطة مفتاحا لدى النظام الدولي والنظام العربي، يلعبان به وينزعان الشرعية عن هذا ويعطونها لذاك.
أيضا نلاحظ أنه لخطورة ليبيا، كان التدخل فيها عبر الناتو مباشرة، وعندما ضرب الناتو (الطيران الفرنسي) كان متأكدا أن نظام القذافي سقط مع عدم وجود بديل عسكري جاهز لاستلام السلطة (كما حدث في مصر)، لأن الجيش الليبي عبارة عن مليشيات تابعة للقذافي.

وكانت الضربة أيضا كي يثبت الناتو أحقيته في التدخل السياسي في الساحة الليبية الذي بني على التدخل العسكري.

ولكن ثوار ليبيا لم يبتلعوا الطعم كاملا (طعم السلطة والشرعية)، وأبقوا على السلاح بأيديهم وتمسكوا بالمواقع التي كسبوها.

وهنا جاء داعش كأحد فروع القمع العربي، كما حدث ويحدث دائما لاتخاذه ذريعة للتدخل في الشأن الليبي الداخلي. وللأسف نجحت تلك اللعبة في شرق ليبيا وتُرك ثوار بنغازي ودرنة لمصيرهم، وبقي الغرب الليبي يتفرج عليهم حتى سقط شرق ليبيا بيد الانقلابي خليفة حفتر.

ولأن الثورة العربية أُوكلت لمحمد بن زايد، تم تقسيم الساحة الليبية لقسمين: الأول يسعى لاستيعاب الثورة وإدخالها في ساحة السيطرة عبر اتفاق الصخيرات، والقسم الثاني يسعى لضرب الثورة والخلاص منها عسكريا عبر المنطقة الشرقية وانقلاب حفتر.

وتولى هذا الأمر محمد بن زايد لأنه هو الآن بمنزلة مرجعية للنظام العربي كله، لذا رأينا استراتيجية الطريق المسدود الذي أوصلوا ليبيا إليه. وهذا من فضل الله ومكر الله بهم؛ لأن حفتر لو ساير النظام السياسي في الغرب، لكان له أن يحصل على أوراق قوية، لكن عنجهية ابن زايد قادته لمثل هذا الوضع.

وهنا نزلت الثورة المضادة باستراتيجية أمريكية جديدة، هذه الاستراتيجية جاءت نتيجة للفشل العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق، لذلك جاءت استراتيجية المرتزقة أو حرب المرتزقة، وهي حرب عالمية تولاها صاحب شركة بلاك ووترإيريك برنس، وهو عند ابن زايد مباشرة لأن مقر بلاك ووتر استقر في أبو ظبي بعد تغير اسمها أكثر من مرة، فبدأ بتجنيد المرتزقة والدفع بهم إلى ليبيا. ونرى الآن اجتماع مرتزقة فاغنر الروسية وبلاك ووتر الأمريكية وحشودها من التشاديبن والسودانيين في الواقع الليبي.

ومن هنا تجدر الإشارة لشيء مهم جدا في بداية الثورة الليبية، وهو عزل مصر عن ليبيا، لأنه لو نضجت الثورة في مصر وليبيا فهذا يعني أن أفريقيا والعالم العربي قد ذهب بعيدا عن السيطرة، وهذا ما قاله جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (يعمل فيه الآن اثنان من مندوبي الأمم المتحدة السابقين إلى ليبيا).

قال السويدي خلال محاضرة غير معلنة في إيطاليا، إنه لو لم يتم استدراك الأمر (أبعاد مصر عن ليبيا) خلال شهرين، لكانت باقي المنطقة ذهبت من تحت سيطرتنا.

إذا، أولى خطوات ضرب الثورة الليبية كان من باب القضاء على الثورة في مصر وعزل الثورتين، إحداهما عن الأخرى، ثم التفرغ للثورة الليبية. وهذا من الركائز والمعاني الأساسية التي يجب أن ننتبه لها (دور السيسي التخريبي في ليبيا).

ثم بعد ذلك تم اتباع استراتيجية إبقاء الشعب الليبي تحت وطأة الجوع والخوف، وهو الأمر المستمر حتى الآن، حتى ييأس شعب ليبيا من ثورته (السيطرة على حقول النفط) ويسلم لكل ما يريده النظام الدولي والعربي القمعي، ومع ذلك نجد هذا الصمود الأسطوري من الشعب الليبي.

وفي الفترة الحالية وبعد الدروس الكبرى في الساحات الثورية العربية، جاءت لحظة فارقة تمثلت في نضج الساحة السياسية التركية التي لم تتمكن من الخروج من نظام الوصاية الدولي إلا بصعوبة بالغة وبمراحل متدرجة.

فلما نضجت بتعديل الدستور وتعديل صلاحيات رئيس الجمهورية، مضى أردوغان في ترتيباته من خلال التدخل في سوريا، وأن يثبت قدرته في حماية حدود بلاده الجنوبية، وحينئذ دخلت ليبيا على الخط بعدما تمكن الكيان الصهيوني وأوروبا من السيطرة على شرق المتوسط وحقول الغاز كلها، بما فيها التابعة لتركيا وقبرص ومصر وليبيا.

في هذه اللحظة، فاجأهم أردوغان باختراق الوضع عليهم عبر الاتفاق مع حكومة الوفاق وبذلك قطع عليهم الشوط.

وهناك اختراق آخر قام به أردوغان، وهو الوجود في شرق البحر الأبيض المتوسط، والبدء في أعمال التنقيب عن البترول والغاز وحماية السفن التي تقوم بذلك، وتلويحه بإمكانية التدخل العسكري إذا لزم الأمر.

هذا كله كان سببا جوهريا في نقل المنطقة نقلة كبيرة جدا، أدت إلى خلط الأوراق والمعادلات التي تم بناؤها من قبل. فبينما كان النظام الدولي والعربي يُمني النفس بأنه كاد أن يتخلص من الثورة الليبية، فإذا بالأمور بفضل الله تتحرك في اتجاهات أخرى.

وجدير بنا ألا ننسى أن النظام الدولي كان متنبها، فلما قامت الثورة في السودان تم احتواؤها مبكرا بدلا من تركها تنضج، مع إيهام الثوار أنهم نجحوا.

والحال نفسه ينطبق على الجزائر بالتخلص من رؤوس النظام السابق والإتيان بوجوه جديدة لغش الشعب في السودان والجزائر. الشعب الجزائري لم يستسلم وندعو الله أن يعاود الشعب السوداني ثورته.

الخلاصة في الاتفاق التركي الليبي، أنه تكاملت المصالح الاستراتيجية بين تركيا وليبيا الثورة، وهي مآلات الأمور الطبيعية بأنه لا يمكن التفريق بين المصالح العليا التركية ومصالح ليبيا ومصر والسودان، فكلها تلتقي؛ لأن الأصل أنهم جميعا ينتمون لأمة واحدة.

وأمام هذه المعادلة الجديدة والاختراق التركي الاستراتيجي الذكي، فإنه بحاجة إلى رعاية وعناية دقيقة حتى لا تتكسر المسيرة.

ومن التحولات الأساسية أيضا الآن، خطورة فيروس كورونا الذي جاء في لحظة خطيرة وحاسمة لينشغلوا قليلا عن ليبيا، وهو عامل رباني يسارع بالدفع نحو كشف آخر ما يستر عورات الانقلاب العسكري في مصر، ومن ثم هي فرصة عظيمة للثوار لأن يتقدموا ويغتنموها.

_____________