Minbar Libya

مكالمة بين حفتر وبولتون قلبت موازين الحرب في ليبيا

بقلم ديفيد كيركباتريك

أرادت روسيا أن يكون لها نفوذ أكبر على رجل ليبيا الطموح، خليفة حفتر. وحين وافق البيت الأبيض على الحرب الأهلية الكارثية؛ قدم لها بذلك فرصة لكسب هذا النفوذ.

.الجزء الثاني

رسميًّا، لم تعترف الولايات المتحدة سوى بالحكومة المؤقتة التي تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس. لكن ولي العهد محمد بن زايد والسيسي، أخبرا ترامب بأن الحكومة المؤقتة كانت ضعيفة لدرجة ميئوس منها، ومليئة بالإسلاميين.

ودفعا بأن حفتر هو وحده القادر على منع الإسلاميين من الاستيلاء على السلطة في طرابلس، وهو ما حذر الزعيمان العربيان من أنه سيؤدي إلى تأثير الدومينو (تداعيات متوالية) في جميع أنحاء المنطقة، بحسب اثنين من كبار المسؤولين السابقين في الإدارة الأمريكية.

وتعهَّد حفتر منذ عام 2014 بالقضاء على الإسلام السياسي، وتولي السلطة كحاكم عسكري جديد لليبيا. ومع ذلك، شكَّل بهدوء تحالفًا مع فصيل منافس من المتطرفين المحافظين، المتطرفين على الطراز السعودي المعروفين باسم السلفيين، على حد وصف ديفيد كيركباتريك.

بيدَ أن ولي العهد الإماراتي والسيسي تجاهلا هذا التناقض، بينما كانا يضغطان على ترامب. وكانا يعملان في الوقت نفسه عن كثب مع روسيا. إذ كانت مصر قد فتحت قاعدة روسية سرية لإمداد قوات حفتر، ما أثار قلق المسؤولين الغربيين، الذين يخشون من نفوذ موسكو المتزايد.

على الرغم من ذلك، وجد الزعيمان العربيان شخصًا يستمع إليهما ويتعاطف معهما هو: بولتون، الذي أصبح مستشارًا للأمن القومي في ربيع عام 2018، وكان يقود قبلها مركز أبحاث يميني متطرف معروف بهجماته الواسعة على الإسلام السياسي

جاءت مكالمة بولتون وحفتر الهاتفية، التي أجريت خلال الربيع الماضي، في لحظة حرجة. فرغم اقتراب محادثات السلام، دفع حفتر بقواته إلى بلدة استراتيجية في الواحات جنوب طرابلس، وكان على وشك شن هجوم مفاجئ.

وعندما طلب حفتر الموافقة على الهجوم، كانت إجابة بولتون: نحن نمنحك «ضوءًا أصفرًا»، وليس أخضرًا أو أحمرًا، حسبما قال مسؤول سابق في الإدارة الأمريكية.

لكن ثلاثة دبلوماسيين غربيين أطلعهم حفتر وكبار المسؤولين الأمريكيين على موجز تلك المكالمة، وصفوا موقف بولتون بأنه أقل التباسًا، إذ قال لحفتر: إذا كنت ستهاجم؛ فافعل ذلك سريعًا، وفقًا للدبلوماسيين الثلاثة الذين قالوا إن حفتر اعتبر هذا بمثابة موافقة صريحة.

يتابع المقال: أصاب الهجوم الذي شنَّه حفتر يوم الرابع من أبريل العالم بالذهول. وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريس، قد وصل لتوه إلى طرابلس لإجراء محادثات السلام.

وحث السيد حفتر على التراجع، وهي رسالة أقرها وزير الخارجية مايك بومبيو. وغادرت القوات العسكرية الأمريكية المدينة على عجل.

لكن بينما كان القتال مستمرًّا، كان حليفا حفتر القويان يضغطان على ترامب لإظهار دعمه، حسبما قال مسؤولون في البيت الأبيض. إذ ضغط السيسي على الرئيس شخصيًّا العام الماضي في اليوم التاسع من أبريل، وفعل ولي العهد الإماراتي الشيء ذاته عبر مكالمة هاتفية في يوم 18 من الشهر ذاته

وفي اليوم التالي، قال البيت الأبيض في بيان: إن الرئيس اتصل بحفتر للإشادة «بدوره المهم في مكافحة الإرهاب». وبعد يوم واحد من المكالمة، بدأت قوات حفتر في قصف الأحياء المدنية في طرابلس.

وقال السفير البريطاني في ليبيا حتى عام 2018، بيتر ميليت: «بدا الأمر كما لو أن الأمريكيين كانوا يغيرون موقفهم، على نحوٍ غير منطقي»، مشيرًا إلى أن حكومة طرابلس كانت هي الشريك الليبي الرئيسي لجيش الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب. وأضاف: «كان هناك ارتباك ومفاجأة هائلة في أوساط المجتمع الدولي».

ورفض المتحدث باسم حفتر، اللواء أحمد مسماري، التعليق على المكالمة الهاتفية مع بولتون، لكنه قال إن القائد الليبي يقدِّر دعم الرئيس (الأمريكي).

التحوُّط الروسيُّ.. قدمٌ عند حفتر والأخرى عند سيف القذافي

حتى قبل بدء الهجوم على طرابلس، خلص الروس إلى أنها ستكون خطوة كارثية بالنسبة لحفتر، بحسب المقال.

كان العملاء الروس في ليبيا يعملون لصالح مركز أبحاث غامض مرتبط بيفغيني بريغوجين، الحليف المقرب للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والذي يصفه المسؤولون الأمريكيون بأنه رئيس شركة الأمن الخاصة المرتبطة بالكرملين، المعروفة باسم مجموعة فاجنر، التي أشرفت فرق المرتزقة التابعة لها على الجهود الروسية للتدخل في أوكرانيا وسوريا، والعديد من الدول الأفريقية.

وكانت تقارير إخبارية نشرت في عام 2018 قد سلطت الأضواء على قائد الفريق الليبي، مكسيم شوغالي، لمحاولته دفع رشاوى، ونشر معلومات مضللة للتأثير في الانتخابات في مدغشقر.  

في نهاية المطاف، اعتقلت ميليشيا متحالفة مع حكومة طرابلس المؤقتة شوغالي ومترجمه، بدعم معلوماتي من المخابرات الأمريكية، حسبما أفاد شخص ذو صلة. وقال مسؤولون ليبيون إن عميلًا ثالثًا تملَّص من الاعتقال.

بعد اعتقال شوغالي، عثر عملاء الأمن على تقرير في غرفته بالفندق، كان فريقه قد أرسله إلى موسكو في مارس (آذار) من العام الماضي، قبل وقت قصير من الاتصال الهاتفي بين حفتر وبولتون

وحصل مركز أبحاث دوسيير اللندني، المعروف بانتقاده لبوتين، على نسخة من التقرير الذي صادره الأمن، وقدم أجزاء منه إلى صحيفة نيويورك تايمز. وصدَّق كبار المسؤولين الليبيين على صحَّة النص بشكل مستقل.

صحيح أن روسيا ظلت لسنوات تقدم الإمدادات العسكرية لحفتر، وتطبع من أجله ملايين الدولارات بالعملة الليبية المصكوكة حديثًا، ليتولى توزيعها لخدمة أغراضه، لكن التقرير السري أظهر أن العملاء كانوا أكثر تشككًا في حفتر من الزعيمين العربيين اللذين يقدمان المشورة للبيت الأبيض.

وذكر كيركباتريك أن حفتر، البالغ من العمر الآن 76 عامًا، يعاني من مشكلات صحية متكررة. وأفاد التقرير بأنه حقق انتصارات عسكرية قليلة، وكان يبسط سيطرته على الأراضي بدلًا من ذلك عن طريق «رشوة المجموعات القبلية المحلية، مقابل منحه الحق في رفع رايته»؛ حتى يتمكن من «تضخيم أهميته في أعين الفاعلين الداخليين والخارجيين».

واستنتج العملاء أن أي تقدم صوب طرابلس كان من شبه المؤكد أن يفشل، وهي النتيجة ذاتها التي تمخض عنها هجوم عام 2014، ليس هذا فقط، بل حذروا أيضًا من أن حفتر كان عنيدًا، وأصبح «صعب المراس» على نحو متزايد تجاه مستشاريه الروس

وكتب العملاء: «يستخدم حفتر المساعدة الروسية لزيادة أهميته»، ولكن «هناك أسسًا جادة تشير إلى أنه في حالة فوزه عسكريًّا، لن يكون مخلصًا للمصالح الروسية».

ورفع العملاء توصية إلى الكرملين بتأمين رهاناتهم على حفتر، عن طريق التحالف مع سيف الإسلام القذافي، الابن الأكبر للديكتاتور السابق. وقال العملاء إن «شركتهم» استحوذت على حصة في شبكة فضائية مؤيدة للقذافي وأعادت تنشيط بثِّها.

يوضح كيركباتريك أن سيف القذاقي، البالغ من العمر 47 عامًا، والذي كان شريكًا قديمًا لروسيا في عهد والده، سُجن في ليبيا عام 2011، قبل أن يستعيد حريته بطريقة ما.

وهو الآن طليق السراح، ويخطط للعودة، بحسب ليبيين مقربين منه، ودبلوماسيين غربيين على دراية بتقارير استخباراتية ترصد تحركاته.

لكن الروس حددوا أيضًا مدخلًا جديدًا للتعاون مع حفتر: يجب على الكرملين إدخال مرتزقة مدفوعي الأجر موالين لروسيا إلى صفوف جيشه المتعثر.

وأصر العملاء على أن القوات شبه العسكرية السودانية (الجنجويد) كانت مستعدة لأداء هذه المهمة، ويمكن أن تمنح موسكو نفوذًا حاسمًا.

تغيير قواعد اللعبة

بدأت قوات المرتزقة التابعة لمجموعة فاجنر تصل عبر السودان في سبتمبر (أيلول) الماضي، وفقًا لدبلوماسيين غربيين يتابعون تحركاتهم.

وقال المبعوث الأمريكي إلى ليبيا، السفير ريتشارد نورلاند، في إفادة موجزة قدمها مؤخرًا: «كان هذا هو العامل الأكبر الذي غَيَّر قواعد اللعبة.

ومن الواضح أن الروس يرون ميزة استراتيجية الآن في ليبيا؛ مخاطر قليلة ومكاسب كبيرة». 

ولتعميق النفوذ الروسي، نظم الكرملين أيضًا اجتماعات سرية في موسكو بين أنصار حفتر والضباط السابقين الذين كانوا ينتمون إلى القوات العسكرية والأمنية في عهد القذافي، وفقًا لدبلوماسيين غربيين ومحللين آخرين تحدثوا إلى مشاركين ليبيين (في تلك الاجتماعات).

ورفض المتحدث السابق باسم القذافي، موسى إبراهيم، التعليق على اجتماعات محددة في موسكو، لكنه أقر بأن روسيا «تجمع» بين ضباط حفتر والقذافي، خاصة منذ الهجوم على طرابلس

ويوافق الشهر الجاري الذكرى السنوية لهجوم حفتر، وبهذه المناسبة حثت الأمم المتحدة على وقف القتال والتفرغ لمواجهة جائحة فيروس كورونا المنتشرة الآن في ليبيا

لكن حفتر استمر في قصف طرابلس، حتى إنه استهدف مستشفى كبيرًا. وفي المقابل يؤكد كيركباتريك أن المرتزقة الروس منحت موسكو حق الفيتو بحكم الأمر الواقع على أي نهاية للصراع.

وقال وزير الداخلية في حكومة طرابلس، فتحي باشاغا: «كان هذا هو حلم روسيا منذ الحرب العالمية الثانية… أن تضع أقدامها على الأراضي الليبية»، مشيرًا إلى أن موسكو تعتبر ليبيا بمثابة «خاصرة أوروبا الرخوة»، وهو الوصف الذي استخدمه ونستون تشرشل في بيانٍ أدلى به أثناء الحرب.

***

ديفيد كيركباتريك ـ مراسل دولي لصحيفة نيويورك تايمز ومقره لندن. وكان في السابق رئيس مكتب القاهرة ومراسل واشنطن ومقره في نيويورك.

____________