بقلم محمد هنيد

في تطور لافت على الجبهة الليبية تمكنت قوات حكومة الوفاق الوطني من السيطرة على مدن الساحل الغربي في وقت قياسي، ونجحت في دحر قوات الانقلابي حفتر وإجبارها على التراجع نحو قاعدة الوطية في اتجاه الجنوب.

سقطت أهم مدن الساحل الغربي وصار الطريق مفتوحا بين العاصمة طرابلس والحدود التونسية في الجنوب الشرقي لتونس.

كما أن أخبارا من ليبيا تتحدث عن مواقع عسكرية أجنبية في الغرب أصبحت محاصرة وأهمها قاعدة الوطية الجوية، حيث تسربت أخبار عن وجود عدد من الضباط الكبار من دول أجنبية أوروبية وعربية يعملون لصالح حفتر.

ليست هذه هي المرّة الأولى التي يتكبد فيها أسير حرب تشاد السابق هزائم ثقيلة، وهو الذي وعد منذ انطلاق مغامرته الانقلابية في الغرب الليبي، وتحديدا مدينة بنغازي، بدخول العاصمة طرابلس وإخضاعها.

ليس رجل الحرب حفتر في الحقيقة إلا واجهة لمشروع كبير في منطقة المغرب العربي تشرف عليه وتموله دولة الإمارات وتراهن على نجاحه.

الخارطة الثورية في ليبيا

تمثل ليبيا فاتحة الموجة الثانية لما استقر في الأدبيات السياسية العربية باسم ثورات الربيع العربي، وهي الانتفاضات الشعبية التي أدت إلى سقوط أنظمة حكم عديدة في المنطقة.

كانت الموجة الثورية الثانية موجة مسلحة بخلاف الموجة الأولى التي كانت موجة سلمية وهي التي تشمل تونس ومصر خاصة قبل الانقلاب العسكري في صائفة 2013.

فرض القذافي على الثورة استعمال السلاح كما فرض النظام السوري ذلك على السوريين بعد أن جلب كل أنواع المرتزقة من السودان وتشاد والنيجر وروسيا لقمع الثورة الليبية.

هذا الوضع هو الذي أدى إلى انتشار السلاح بشكل أفقي كثيف هناك وتم تحرير المدن الليبية مدينة تلو الأخرى من قبضة جيوش القذافي في حرب دامت أشهرا طويلة.

اليوم تستعيد ليبيا نفس المشهد، حيث تقوم قوات الوفاق الشرعية باسترجاع المدن والقرى التي سيطر عليها الانقلابي حفتر والمليشيات (القذافية) المتحالفة معه واحدة بعد الأخرى.

لكن الجنرال الانقلابي ليس في الحقيقة إلا واجهة صغيرة لمشروع إقليمي ودولي كبير يستهدف ليبيا وكامل منطقة المغرب العربي من موريتانيا وصولا إلى مصر.

لا يقتصر الأمر هنا على منع المسار الانتقالي في ليبيا من استكمال دورته حتى يسترجع شعب ليبيا سيادته على أرضه وثرواته، بل إن المشروع يتعدى ذلك إلى وضع البلاد تحت الوصاية الاستعمارية الجديدة بزرع نظام عسكري جديد يكون قاعدة لانطلاق مشاريع أخرى في كامل المنطقة.

لا شك اليوم أنّ هناك رغبة إقليمية ودولية في الإبقاء على حالة الفوضى والتقاتل في ليبيا قائمة لا تنتهي عبر الدفع بالمليشيات والمرتزقة وعبر الصمت عن قوافل السلاح التي تصل إلى الغرب الليبي عند الحدود المصرية أو محمولة جوّا.

لقد وضع المجتمع الدولي ليبيا بين خيارين فإما القبول بالمشروع الانقلابي أو الحرب الأهلية التي لا تنتهي رغم ما يُظهره من اعتراف بالشرعية ممثلة في حكومة الوفاق.

المشروع الانقلابي

لا تتحرك الدول الداعمة لحفتر بشكل سري بل هي تعمل هناك بوجه مفضوح إذ أكدت دول الإمارات ومصر والأردن والسعودية وروسيا ودول أخرى دعمها المطلق للمشروع الانقلابي.

لكن لكي يصطبغ هذا الدعم العسكري والمالي بالشرعية والقبول كان لزاما على عرابي المغامرات العسكرية والفوضى أن يقدموا للعالم وللشعوب البسيطة حجة تتلاءم والسياق العالمي.

هنا جاءت فكرة الحرب على الإرهاب ومحاربة الدواعش والجماعات المسلحة وهي الحجة التي يقدمها المتورطون في مشاريع الفوضى والحرب الأهلية في ليبيا.

لكن الحقيقة الصادمة هي أن المرتزقة والمليشيات إنما تنتمي إلى المعسكر الانقلابي وإلى جيش حفتر أساسا، إذ تقاتل إلى جانب حفتر فرق من مرتزقة فاغنر الروسية وقوات الجنجويد والدعم السريع من السودان وهي تتبع العسكري السوداني حميدتي.

كما تقاتل هناك فرق من داعش وهي متمركزة جنوب مدينة سرت إلى جانب مجموعات المداخلة المسلحة والتي تعرف بشراستها الكبيرة في القتال وفي التصفيات الميدانية.

إلى جانب هؤلاء يتمركز ضباط وجنود من مصر ومن فرنسا ومن الأردن ومن الإمارات ومن جنسيات أخرى لا يُعلم عددها وتحيط بها سرية كبيرة خوفا من تسرب الأسماء إلى الإعلام.

كل هذه القوات لم تنجح في السيطرة على المدن التي احتلتها ولا في دخول العاصمة طرابلس كما وعد بذلك قائد الانقلاب حفتر أكثر من مرة، لكنها نجحت في تحويل ليبيا إلى دولة فاشلة بسكوت وتواطؤ المنظمات الدولية وعلى رأسها المبعوث الأممي إلى ليبيا والمنظمات الأممية هناك.

ليبيا دولة مفصلية لا فقط بحجم الجغرافيا والثروات والموارد الطبيعية بل بفضل موقعها الاستراتيجي بين تونس ومصر وفي قلب المتوسط قبالة الساحل الأوروبي وهي بوابة القارة الأفريقية.

هذا الموقع الاستراتيجي يجعل منها رهانا هاما للدول الأوروبية التي تريد الهيمنة على طرق الطاقة من إفريقيا كما أن وقوعها بين القطب الشرقي للمنطقة العربية والقطب المغربي بجعل منها مكونا جغرافيا سياسيا ذا أهمية بالغة، إذ يمكن انطلاقا من ليبيا ذات الكثافة السكانية الضعيفة التأثير في المشهد المصري والمشهد التونسي أو بشكل عام التأثير في المشهدين المشرقي والمغربي على حد سواء.

تطورات المشهد

إن استتباب الأمن في تونس ولو نسبيا بسبب تراجع العنف وانحسار العمليات الإرهابية وتقدّم المسار الانتخابي يجعل من الصعب اليوم التأثير في المشهد التونسي عبر البوابة الليبية.

بل إن تسرب الفوضى أو العنف إلى تونس من الحدود الجنوبية الشرقية قد يؤدي إلى إغلاق الحدود من الجانب التونسي وهو ما يُفقد ليبيا كلها رئة هامة تتنفس منها سواء على مستوى الاقتصاد أو تنقل السكان أو الخدمات الطبية والسفر عبر المطارات التونسية.

وهو الأمر الذي يجعل من تونس منطقة عازلة بالنسبة إلى الجزائر حيث تتلقى تونس الضغوط والصدمات نيابة عنها.

أما من جهة مصر فقد تورط النظام الانقلابي هناك في الدعم العسكري والمادي المباشر لمليشيات حفتر وقام بإنشاء قاعدة للقوات الروسية قريبا من الحدود الشرقية لتسهيل وصول الدعم وإدخاله عبر الحدود.

وهو الأمر الذي فرضته الدول الداعمة للانقلاب في الخليج على رأسها الإمارات بشكل ربط فيه النظام العسكري المصري مصيره بمصير المشروع الانقلابي في ليبيا.

لا تبدو الأزمة الليبية قد شارفت على النهاية رغم ترنح المشروع الانقلابي لكنها قد تجد بعد أزمة الوباء الأخيرة طريقها إلى الحل أو خفض التصعيد، خاصة بسبب النزيف القوي الذي تعرفه خزائن الانقلابات.

أما الإبقاء على الوضع الليبي كما هو عليه فإنه علاوة على قابليته إلى التمدد ونشر الفوضى في المنطقة فإنه يهدد بتحول ليبيا إلى بؤرة صراع لن يكون من السهل احتواؤها.

____________