Minbar Libya

تواصل القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني الشرعية، حصارها مدينة ترهونة (غرب)، التي تعد رأس حربة العدوان الذي يشنه حفتر منذ أكثر من سنة على العاصمة طرابلس.

والحصار لك من الشمال (عبر طرابلس ومدينة القره بوللي) ومن الشرق (مدينة مسلاتة) ومن الجنوب الغربي (غريان)، في مسعى منها لاستعادة السيطرة عليها، تتفقام خسائر داعمي حفتر وفي مقدمتهم الإمارات ومصر نتيجة تدخلهم في الملف الليبي.

ويبدو أنَّ المساندة التركية لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا تؤتي ثمارها؛ إذ بدأت حكومة الوفاق وحلفاؤها في تحقيق مكاسب في ساحة القتال ضد قوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

فبعد نجاحها في تأمين السيطرة الكاملة على طول الطريق السريع الساحلي بين طرابلس وتونس في وقت سابق من هذا الشهر، شنَّت حكومة الوفاق هجوماً على بلدة ترهونة الاستراتيجية، التي لها أهمية لسلسلة إمداد حفتر للاستمرار في حملته على طرابلس.

ويقول موقع Stratfor الأمريكي، إنه وبمساعدة أنقرة من المرجح أن تستمر حكومة الوفاق الوطني في تحقيق بعض النجاح ضد حفتر وحلفائه، لكن ستؤدي هذه التطورات إلى تأجيج نيران حفتر وداعميه في الخليج، وبالتالي زيادة قدرات قوات شرق ليبيا بإعادة دعمها، وهذا قد يعيد حفتر إلى وضع جيد، يسمح له بمواصلة هجومه المستمر منذ عام، وهو ما سيطيل أمد الحرب في ليبيا إلى أجل غير معروف.

الدعم التركي للوفاق

قبل زيادة الدعم التركي هذا العام، كانت الظروف على الخطوط الأمامية في طرابلس صعبة للعديد من قوات حكومة الوفاق الوطني.

إذ زودت الإمارات ودول أخرى حفتر بدعمٍ غير محدود لحملته الجوية، وهو ما مكَّن قوات جيش حفتر من قصف أهداف استراتيجية في طرابلس ومصراتة. وفي سبتمبر/أيلول، نُشِر مرتزقة روس متحالفون مع حفتر في المنطقة، حيث وفّر تدريبهم رفيع المستوى ومعداتهم المتطورة تعزيزاً كبيراً لقدرات قوات حفتر.

وفي غضون ذلك، تركت المخاوف من انتهاك حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا حكومة طرابلس بدعم ضئيل من أوروبا والولايات المتحدة، لكن في الوقت نفسه لن تُبدِ تلك الحكومات الغربية اهتماماً بتطبيق نفس الحظر على الأسلحة ضد الداعمين لحفتر، مثل الأردن والسعودية والإمارات ومصر، خوفاً من تعريض استراتيجياتها وتحالفاتها في الشرق الأوسط للخطر.

ولهذا السبب، راهن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على دعم بلاده لحكومة الوفاق دون إعاقة من الغرب. ولضمان عدم ترسيخ حكومة مدعومة من الإمارات في طرابلس، قدمت أنقرة إلى حكومة الوفاق الوطني المزيد من الطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع الجوي وأجهزة تشويش على الرادارات خاصة بالحروب الإلكترونية.

ومنذ ذلك الحين، ساعدت هذه الإمدادات على تعويض حكومة الوفاق عن أفضلية قوات حفتر في المجال الجوي، وسمحت كذلك لحكومة الوفاق بضرب خطوط إمداد قوات حفتر بنجاح أكبر. إلى جانب ذلك، زودت تركيا القوات البرية التابعة لحكومة الوفاق بمعدات وإمدادات إضافية. وكانت النتيجة زيادة نوعية في قدرات حكومة الوفاق الوطني في المنطقة المجاورة مباشرة لمعاقلهم.

وبفضل هذا الدعم التركي الإضافي، قد تتمكن حكومة الوفاق الوطني من الاستيلاء على مدينة ترهونة وقاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية غربي طرابلس. يقول موقع ستراتفور، لكن بالرغم من ذلك لا يزال من المستبعد نجاح حكومة الوفاق الوطني في تحقيق مكاسب كبيرة خارج منطقة طرابلس، إذ لا تزال قدرات حكومة الوفاق الوطني على استعراض قوتها بعيداً عن معاقلها محدودة لعدة أسباب رئيسية؛ لعل أهمها هو أنها كلما تحركت بعيداً عن قواعدها الجوية الرئيسية في مصراتة وطرابلس أصبحت هدفاً أضعف للقوات الجوية لقوات حفتر وحلفائه.

إلى جانب ذلك، ستصبح سلاسل الإمداد البرية التابعة لحكومة الوفاق الوطني أكثر عرضة لضربات حفتر، ولأنها ستنتشر على مسافات طويلة وفي مناطق نائية سيَسهُل على قوات حفتر مهاجمتها.

وإذا حدث وأحرزت حكومة الوفاق تقدماً خارج معاقلها الحالية بالقرب من طرابلس، فإنَّ فاعلية الطائرات بدون طيار التابعة لها قد تؤدي إلى تفاقم التحديات التي ستواجهها في سبيل الحفاظ على سلاسل الإمداد الطويلة.

ومع ذلك، لا تزال النجاحات التي حققتها حكومة الوفاق الوطني داخلياً تشكل معضلة لخليفة حفتر ومؤيديه الأجانب؛ إذ كان من الواضح منذ فترة طويلة أنَّ هجوم حفتر على طرابلس من غير المرجح أن يسفر عن انتصار على الأرض.

وقد فشل جيشه إلى حد كبير في محاولاته لاستمالة المسلحين والمدن الموالية لحكومة الوفاق إلى صفّه حتى الآن. لكن بالنسبة إلى حفتر وحلفائه فإنَّ الحفاظ على هجومه منخفض الكثافة بدلاً من المشاركة في محادثات السلام قد يظل الخيار الأفضل.

تفاقم خسائر حفتر

ومن دون الحاجة إلى مواصلة القتال يمكن أن تظهر انقسامات داخل قاعدة الدعم المتنوعة لحفتر في بنغازي وشرق ليبيا.

وفي نهاية المطاف قد يقتنع العديد من قوات حفتر وحلفائها في هذه المناطق بدولة ليبية فيدرالية تمنح المناطق الشرقية الغنية بالنفط الاستقلال أو شبه استقلال. وإذا توقفت حملة حفتر على طرابلس فستصبح هذه الانقسامات أكثر وضوحاً وستقوض تجديد الهجوم في المستقبل.

إضافة إلى ذلك، من شأن حل النزاع الليبي أن يجبر مؤيدي حفتر على قبول حكومة موالية لتركيا في طرابلس، لكنها ستكون حكومة تشمل الإخوان المسلمين صراحةً. ومثل هذه النتيجة غير مقبولة بالنسبة لمصر والإمارات والسعودية، تلك الدول التي تصنف الإخوان المسلمين كـ”منظمة إرهابية”.

وقد استثمر الحلفاء الأجانب لقوات حفتر الكثير من الوقت والمال والموارد لدعم حفتر على مدى السنوات الست الماضية، لدرجة لن تجعلهم يقبلون برؤية استراتيجيته طويلة المدى للإطاحة بالحكومة في طرابلس مهددة بالخطر.

وبدلاً من ذلك، قد يعزز على الأرجح مؤيدو حفتر دعمهم له، ما قد يُمكِّن حملة حفتر على طرابلس من تقليل الاعتماد على القوات البرية مقابل زيادة استخدام القوات الجوية.

ونظراً لأنه لا تلوح نهاية لهذه المساعدات الخارجية في الأفق، قدَّر حفتر أنَّ جيشه يمكن أن يصمد لفترة أطول من قوات حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا. وبحسب تقديرات ستراتفور، يحتمل أن يواصل حفتر اتباع سياسة النفس الطويل من خلال إجراء تكتيكات مثل الحصار ومنع الوصول إلى صادرات النفط من أراضيه، في محاولة لتجفيف موارد طرابلس الاقتصادية.

وفي غضون ذلك، ستواصل الإمارات تسهيل إيصال إمدادات الوقود إلى شرق ليبيا من أجل إغراق حملة حفتر بفورة من الوقود.

ومع عدم تمتع جيش حفتر بشعبية قد يتجرأ ويستهدف إمدادات المياه والطاقة في طرابلس بقوة أكبر، وهو ما سيفاقم الأزمة الإنسانية القاسية في البلد الذي مزقته الحرب.

وساهمت الإمارات ومصر في تفكيك ليبيا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، بمعية حليفهما خليفة حفتر الذي لا يتوانى عن فعل أي شيء يضر بمصلحة بلاده ويصب في مصلحته الخاصة، وفقًا لعدد من الليبيين، إلا أن هذا الحلف في طريقه لخسارة الامتيازات التي يملكها في ليبيا.

هذه الانتصارات المتتالية لحكومة الوفاق الشرعية ودخول تركيا على الخط، من شأنها أن تعيد ترتيب سير المعركة في البلاد، ما يعجل بانتهاء مهمة حفتر هناك الرامية إلى تقويض جهود السلام وعسكرة البلاد وتقسيمها، وبالتالي بداية نهاية المشروع الإماراتي المصري في ليبيا.

_____________