بقلم عبد الرحمن أحمد

يتسم الوضع بليبيا بالتصعيد بين قوات حكومة الوفاق وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر ورغبة كل طرف في الحسم العسكري وعدم وجود توقيت لجولة سياسية جديدة.

مشهد جديد في ليبيا لم تُكتب بعدُ كل تفاصيله؛ فإلى أي حد يمكن أن تسهم المكاسب العسكرية لقوات الوفاق في تغيير موازين السيطرة في ليبيا؟

الجزء الأول

بعد مرور عام على الحملة العسكرية التي شنَّها اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، لاجتياح العاصمة طرابلس وبالتحديد في الرابع من أبريل/نيسان 2019،

وما صحبه من تصعيد مدعومًا من حلفائه في الإمارات ومصر وفرنسا وروسيا، بحسب تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، وذكرته أيضًا صحيفة فورين بوليسي الأميركية،

ومع دعم مادي سعودي، حسبما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها،

ومباركة أميركية، حسب ما كشفت صحيفة نيويورك تايمزأن مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، جون بولتون، كان قد منح اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، إذنًا لشن هجوم على العاصمة طرابلس في ربيع 2019،

ومع فشل الحملة العسكرية وما تبعه من محطات سياسية محدودة شهد الوضع الميداني جمودًا كبيرًا إلا ما قلَّ،

ولعل آخر تطورات عسكرية شهدتها المنطقة الغربية خلال الأشهر الماضية قبيل سيطرة قوات الوفاق على مدن الساحل الغربيهي سيطرتها (قوات الوفاق) في أواخر يونيو/حزيران من العام الماضي (2019) على مدينة غريان الاستراتيجية، والتي تبعد 80 كلم جنوب طرابلس وسيطرة قوات حفتر مطلع العام الحالي على مدينة سرت وسط ليبيا.

وكانت فاتورة الحرب على طرابلس كبيرة على جميع الأصعدة بحسب تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا؛ حيث وثقت البعثة وقوع ما لا يقل عن 685 ضحية بين المدنيين (356 قتيلًا و329 جريحًا)، فيما اضطر حوالي 150 ألف شخص داخل طرابلس وما حولها إلى الفرار من منازلهم منذ بداية الهجوم، ولا يزال ما يربو على 345 ألف مدني في مناطق المواجهة بالإضافة إلى 749 ألف شخص يُقدَّر أنهم يعيشون في مناطق متضررة من الاشتباكات.

وتشير التقديرات إلى أن حوالي 893 ألف شخص في حاجة إلى المساعدة الإنسانية.

كذلك وثقت انتهاكات لحقوق الإنسان وإخفاء قسري لمئات الأشخاص في جميع المدن الليبية مع تدهور للوضع الاقتصادي؛ حيث بلغت الديون حوالي 270 مليار دولار بين ديون محلية والتزامات تعاقدية مستحقة فيما بلغت خسائر إغلاق النفط أكثر من 4 مليارات دولار. هذا غير تأثر النسيج الاجتماعي جرَّاء الحرب الدائرة.

عاصفة السلام“.. عملية لها ما بعدها

كان الإعلان عن عملية عاصفة السلامالتي أطلقها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، قد سبقته تطورات سياسية عدة تمثلت في توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والتي صادق عليها البرلمان التركي ودخلت حيز التنفيذ أواخر العام الماضي.

كما سبق ذلك الهدنة التي أُعلن عنها في موسكو، منتصف يناير/كانون الثاني 2020، والتي رفض اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، التوقيع عليها، ووعد بالالتزام بها ضمنيًّا؛ وهو ما وضع موسكو في موقف حرج.

ثم تبع ذلك اتفاق برلين أواخر يناير/كانون الثاني من هذه السنة، والذي تضمن ثلاثة مسارات سياسية وأمنية واقتصادية، ودعا في مجمله لوقف إطلاق النار والعودة للعملية السياسية تحت مظلة الأمم المتحدة.

وقد تعذر العمل به على المستويات الثلاث، ولعل هذا الاتفاق كان آخر الأوراق التي استخدمها المبعوث الأممي، غسان سلامة، طيلة السنوات الثلاثة الماضية، وهو ما دفعه للاستقالة مستهل مارس/آذار الماضي لأسباب صحيةحسب طلب الاستقالة الذي تقدم به للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش.

رغم الخلافات في معسكر الوفاق الوطني، ففي السادس والعشرين من مارس/آذار 2020، أعلن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، إطلاق عملية عسكرية كردٍّ على الانتهاكات المستمرة ضد المدنيين جرَّاء تصعيد قوات حفتر للقصف العشوائي لأحياء عدة في طرابلس، وكالتزام من حكومة الوفاق أمام الشعب بوجوب ردع المعتدي.

هذا أبرز ما ذكره رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، عند إطلاق العملية التي لم يحدد وقتها ولا طبيعتها، كما لم يصرح بأولى خطواتها، بل ظلت في طيِّ المجهول حتى قبل يوم من سقوط مدن الساحل الغربي بيد قوات الوفاق بعد أن نفذت ست عشرة غارة جوية على قوات حفتر بمناطق في الساحل الغربي وقاعدة الوطية الجوية.

اللاعبون في الداخل.. الأجندات المتصارعة

خلال الفترة الأخيرة، وفي يوم إطلاق عملية عاصفة السلام، حاولت قوات حفتر التوسع غربًا لبسط نفوذها على كامل الساحل الغربي عبر السيطرة على مدينة زوارة الأمازيغية، وعلى معبر رأس جدير الحدودي مع تونس بعد سيطرتها على مدن العجيلات وزلطن ورقدالين، آخر المدن الليبية باتجاه الغرب.

ولكن القوات التابعة لمدينة زوارة قامت بصد الهجوم وهو ما هدَّد بجعل المدينة والمعبر في عزلة عن حكومة الوفاق الوطني وكاد يُسقط معبر رأس جدير الحدودي مع تونس بيد قوات حفتر.

وكانت قوات حفتر قد حشدت لاقتحام المنطقة والقضاء على آخر جيوب قوات الوفاق على الطريق الساحلي حتى الحدود الإدارية لمدينة الزاوية، وهو ما عجَّل بتحرك قوات الوفاق وإعلانها ساعة الصفر للسيطرة على هذه المدن، حسب ما صرَّح به اللواء أسامة جويلي آمر غرفة العمليات المشتركة.

رغم الخلافات داخل معسكر الوفاق والانتقادات التي وُجِّهت لرئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، من بعض المشككين في قدرته على إدارة المعركة وتأخره في اتخاذ قرارات حاسمة وتقصيره في توفير الدعم اللازم لمقاتلي الوفاق وبعض الدعوات التي طالبت بحل المجلس الرئاسي وتشكيل حكومة حرب وما صحب ذلك من اختلافات بين السراج وبعض وزراء حكومته والأزمة التي صاحبت أزمة كورونا حول المطالبات بإقالة وزير الصحة ووكيله.

وهو ما هدَّد به علنًا عمداء خمس وعشرين بلدية مجتمعين وأمهلوا السراج ثلاثة أيام للموافقة على مطالبهم أو إيقاف تعاملهم مع الرئاسي، وهو ما تمت معالجته بالفعل، وكذلك الخلاف بين السراج ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، الصديق الكبير، والذي اتهمه بالتدخل في السياسات الاقتصادية للبلاد وعرقلة المتطلبات المالية وهو ما فاقم الوضع الاقتصادي، حسب وصف رئيس مجلس الرئاسي.

وهو ما مثَّل تحديًا أمام السراج من أجل المضي قدمًا لتقديم انتصار جديد يحقق مكسبًا سياسيًّا على الجبهة الداخلية ويضع حدًّا للمشككين في تعامل الرئيس مع إدارته للمعركة.

في الثامن من أبريل/نيسان 2020، وبمناسبة مرور عام على الحرب التي أطلقها خليفة حفتر لاجتياح العاصمة، طرابلس، ظهر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، في خطاب مختلف عمَّا سبق مستفتحًا بعدم مزايدة أحد عليه في الوطنية أو الالتزام بمتطلبات المرحلة.

وجاء الخطاب مستغربًا من الحملات التي تُشن ضده خصوصًا مع إطلاق عملية عسكرية جديدة أو تحقيق انتصار جديد، ومفنِّدًا كل ما يشاع حول عدم التحام القيادة السياسية بالقيادة العسكرية داخل الوفاق، ومبينًا أن هذا الشيء سيسهم في إضعاف الجبهة الداخلية واصفًا هذه الظواهر بالصوتية والتي تخدم أجندات تسعى للتشكيك في القيادة السياسية.

كما أوضح السراج أن القيادة السياسية لم ولن تقصّر في توفير الاحتياجات للمقاتلين في الجبهات وأن هذا من صميم عملها.

وقد أوضح أن السبب الرئيس للأزمة في ليبيا هو خليفة حفتر كونه من أشعل الحروب وأوقف تصدير النفط وأفشل العملية السياسية، وهو الذي لم يستجب لكل دعوات الهدنة التي أطلقها العالم واصفًا إياه بـالأحمق المعتدي”.

كان الاتحاد الأوروبي أعلن نهاية مارس/آذار 2020، وبعد يومين من إطلاق عملية عاصفة السلام، إطلاق عملية بحرية بهدف مراقبة تنفيذ قرار الأمم المتحدة حظر توريد السلاح لليبيا، ضمن إطار سياسة الأمن والدفاع سُميت بعملية إيريني، التي تعني سلامباليونانية.

من جانبه، أعلن رئيس المجلس الرئاسي في ليبيا، فائز السراج، عن تحفظ حكومة الوفاق على عملية إيرينيالتي أطلقها الاتحاد الأوروبي لمنع توريد الأسلحة إلى أطراف النزاع في ليبيا، نظرًا لأنها تجاهلت مسألة الرقابة على تسليح قوات اللواء المتقاعد، حفتر، الذي ما زالت قواته تتلقى الأسلحة عبر البر والجو، كما شكَّك وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوفاق الوطني، صلاح الدين النمروش، بخلفية إطلاق هذه العملية في هذا التوقيت.

وقال السراج في حديث لوكالة سبوتنيكمبينًا موقف حكومة الوفاق من عملية إيريني“: بالفعل لدينا تحفظ على شكل العملية لعدم تضمين المراقبة الجوية والبرية ضمن قرار الاتحاد الأوروبي، وتجاهل الرقابة على عمليات تسليح الطرف المعتدي الذي يستلم إلى الآن، وعلى نحو منتظم، شحنات أسلحة عبر طائرات تحط في قاعدة الخادم قرب مدينة المرج شرق البلاد، إضافة إلى الحدود البرية مع مصر.

البقية في الجزء الثاني

***

عبد الرحمن أحمد ـ صحفي وكاتب ليبي

____________