Minbar Libya

بقلم عبد الرحمن أحمد

يتسم الوضع بليبيا بالتصعيد بين قوات حكومة الوفاق وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر ورغبة كل طرف في الحسم العسكري وعدم وجود توقيت لجولة سياسية جديدة.

.الجزء الثاني

من تقدم حفتر إلى طرابلس إلى معركة الساعات السبعة أو سقوط الدومينو

منذ سيطرته على مدينة سرت الاستراتيجية مطلع العام الجاري وتقدمه نحو أبوقرين القريبة من مصراتة، حاول حفتر فتح جبهة جديدة غرب مدينة سرت من أجل إجبار المقاتلين من مدينة مصراتة الموجودين في جبهات طرابلس على الانسحاب نحو مدينتهم لتخفيف الضغط على مقاتليه في محاور جنوب طرابلس، وسعيًا منه لتحقيق مكاسب أكبر، وهو ما فشل في تحقيقه.

ولعل العملية الأبرز التي فشل فيها حفتر كانت في منطقة أبوقرين والتي كانت قبل يوم من سيطرة قوات الوفاق على مدن الساحل الغربي وألقى فيها حفتر بكامل ثقله من أجل تحقيق تقدم، ولكن ما حصل مختلف تمامًا؛

حيث قامت قوات الوفاق مدعومة بالطيران بصد الهجوم مخلِّفة عشرات القتلى والأسرى في صفوف قوات حفتر إضافة لاستحواذها على أسلحة وذخائر وأسقطت قوات الوفاق طائرة عمودية نوع mi 35″ وقُتل طياروها الثلاثة كما قُتل من صفوف قوات الوفاق قرابة العشرين.

كما تشهد محاور جنوبي وجنوبي شرق طرابلس اشتباكات متقطعة بين الحين والآخر مع مد وجزر بين الطرفين خصوصًا في محوري عين زارة ومشروع الهضبة خصوصًا مع إعلان قوات الوفاق التوجه للسيطرة على مدينة ترهونة كونها خط الإمداد الرئيس لقوات حفتر في معركتها في طرابلس.

وتلعب قوات الوفاق البرية، وخاصة المدفعية، الدور الأبرز في المعركة بعد لجوء الطرفين للتشويش على الطائرات المسيرة، مما يصعِّب استخدامها في المعارك حول مدينة طرابلس.

وبينما ألقت قوات حفتر بكامل ثقلها في الهجوم على الأحياء الجنوبية للعاصمة، تركت مدن الساحل من دون تحصينات كافية ولا خطة دفاعية فعالة لصد أي هجوم، فهي تقوم بإطلاق الصواريخ والقذائف نحو وسط مدينة طرابلس، وهو ما لم يتوقف منذ فترة وبشكل يومي.

ولعل أبرز الأماكن المستهدفة مطار معيتيقة ومنطقة شرفة الملاحة القريبة من المطار ومستشفى الخضراء والذي يعالج فيه المصابون بوباء كورونا وغيرها من الأماكن مما تسبَّب في العديد من القتلى والجرحى من المدنيين وهو السبب الرئيس لإعلان رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، إطلاق عملية عاصفة السلام العسكرية أواخر مارس/آذار 2020.

لم يتم الإعلان عن التحرك نحو مدن الساحل الغربي حتى صباح يوم العملية حيث جاء التحرك بداية من مدينة الزاوية متجهًا نحو منطقة المطرد ثم مدينة صرمان.

وحصلت اشتباكات محدودة انسحبت على إثرها قوات حفتر نحو مدينة صبراتة ثم العجيلات ثم رقدالين والجميل ثم زلطن ثم توجهت نحو قاعدة الوطية الجوية.

واستغرقت العملية بشكل كامل حوالي سبع ساعات، بحسب وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوفاق الوطني صلاح الدين النمروش، مؤكدًا أن العملية تم التخطيط لها في وقت سابق بين القيادات السياسية والعسكرية وغرفة العمليات.

وأكد النمروش أن مما أسهم في سقوط المدن بهذه السرعة ترحيب المواطنين الموجودين في هذه المدن بقوات الوفاق وهو ما ترتب عليه انسحاب قوات حفتر بشكل جماعي نحو قاعدة الوطية وانسحاب جزء آخر منهم نحو مدن في الجبل الغربي.

وقد تم العثور على أسلحة وذخائر حديثة الصنع وهو ما يدل على أن هذه الأسلحة تم استجلابها خلال الفترة الأخيرة وهو ما يثبت تورط دول بعينها في تزويد حفتر بالسلاح.

وقد أصدر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، أوامره لوزارة الخارجية بالتنسيق في إعادة جثامين المرتزقة لدولهم مع أوراقهم الثبوتية متهمًا مَنْ أسماها بعواصم الغدر التي دعمت حفتر من أجل فرض إرادتهم على الشعب الليبي، حسب وصفه.

وفي نفس الوقت، أعطت الداخلية تعليماتها بانتشار الوحدات في كافة مناطق الساحل مع تفعيل مديريات الأمن ومراكز الشرطة وتسيير الدوريات بما يحقق الأمن ويطبق القانون ويؤكد أن الفراغ الأمني لن يكون موجودًا.

المجتمع الدولي والحسابات الجديدة

لعل من أبرز أسباب سقوط هذه المدن بيد الوفاق بهذه السرعة هي العقيدة القتالية لقوات حفتر كونها خليطًا يجمع قوات ليبية مع مرتزقة أجانب، ولكل ولاءته الخاصة وغير المنسجمة فيما بينها، إضافة إلى العامل الحاسم وهو انقلاب المعادلة في الأجواء بعد توقيع الاتفاقية مع تركيا، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019؛ حيث استطاعت حكومة الوفاق أن تعيد ترتيب صفوفها.

وهذا التحول قد يعيد حسابات المجتمع الدولي وقد يعيد حسابات الدول التي تدعم حفتر وهي الآن أمام مفترق طرق إما الاستمرار في الرهان الخاطئ وإما تغيير الموقف.

كما أن من أسباب انتصار قوات الوفاق وجود مدن قوية بالقرب من هذه المدن مناهضة لقوات حفتر كالزاوية وزوارة، كونها كانت مؤثرة عليها عسكريًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، فضلًا عن وجود حليف قوي شجَّع الحكومة على اتخاذ قرارات أكثر جرأة لشعورها بالثقة في حليفها إضافة إلى قدرات عسكرية أكبر بتقنيات عالية.

وكان من نقاط قوة حكومة الوفاق أنها استطاعت الحصول على زمام المبادرة والانتقال من وضع دفاعي إلى وضع هجومي مع توحيد القوات المساندة وترك الخلافات جانبًا.

وهذه الواقع الميداني الجديد هو ما جعل بعض الدول تنظر في إعادة موقفها مع حكومة الوفاق بعد إثبات قدراتها الميدانية والسياسية نتيجة تحالفها الاستراتيجي مع تركيا الذي خلق توازنًا سياسيًّا وعسكريًّا.

ولعل أبرز نتيجة لهذا التطور الميداني والعسكري هي عدم وجود حل سياسي للأزمة في ليبيا وكون الحل العسكري بات مسيطرًا على الكل؛ لقناعة حكومة الوفاق بأن اللواء المتقاعد، حفتر، وحلفاءه لا يمكن الثقة بهم لكونهم يريدون السيطرة التامة على ليبيا وأن حكومة الوفاق ستستمر حتى تسيطر على كل التراب الليبي.

إن سيطرة قوات الوفاق على مدن الساحل الغربي وما قد يتبعه من سيطرة على قاعدة الوطية ستُحدث تغيرًا في موازين القوى لصالح حكومة الوفاق، ومعها ربما ينتهي تهديد حفتر للعاصمة طرابلس من الجانب الغربي. كما أن هذا الوضع سيحرم قوات حفتر من خط إمداد رئيسي عبر مدن الجبل الغربي إلى المحاور جنوب غرب طرابلس كذلك توفير قوات الوفاق المزيد من المقاتلين للدفع بهم في محاور جنوب طرابلس وللسيطرة على ترهونة.

ومن الواضح أن تغيير موازين القوى العسكرية في ليبيا لصالح حكومة الوفاق الوطني إنما كان بسبب التدخل التركي جنبًا إلى جنب حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا، ولا سيما إدخال جيل جديد من الطائرات بدون طيار وبتكنولوجيا أكثر كفاءة.

فهذه الطائرات بدون طيار تركية الصنع فضلًا عن أنظمة الدفاع المضادة للطائرات التي ركَّبتها أنقرة في طرابلس، أصبح لها تأثير على منع الطيران الإماراتي من الوصول إلى طرابلس أو مصراتة، بعد أن كان الإماراتيون يسيطرون على السماء في خدمة حفتر.

ولعل وضعية قاعدة الوطية في هذه المعركة تستحق وقفة خاصة، فهي تقع على بعد 140 كم جنوب غرب طرابلس، ومساحتها تقدر بخمسين كلم مربع وتتسع لـ7000 مقاتل، وقد أنشأها الأميركان في أربعينات القرن الماضي كما كانت قاعدة لسرب الميراج الفرنسية، وتحتوي على مخازن أسلحة ومحطة وقود ومهبط للطيران وبها مدينة سكنية.

ومن الملاحظ أن هذه القاعدة تم تحييدها منذ 25 مارس/آذار 2020 قبل يوم من إعلان عاصفة السلام، كما نفَّذت قوات الوفاق عملية نوعية بها تم من خلالها أسر 27 من عناصر قوات حفتر.

وقد تلت ذلك سلسلة متواصلة من غارات طيران الوفاق عليها، مما شلَّ حركتها خاصة بعد تدمير طائرات سوخوي 22 روسية الصنع، وإسقاط طائرة مسيَّرة جنوب مدينة العجيلات غرب طرابلس، مما جعل الشريط الساحلي غرب طرابلس، على طول 170 كلم وعمق أكثر من 30 كلم، بمساحة تناهز خمسة آلاف كيلو متر مربع محرمًا على طيران حفتر، وهو ما أفقده نقطة السيطرة في المعركة.

ولعل عزل قاعدة الوطية كان سببًا في هزيمة قوات حفتر غرب طرابلس والخارجة عن سيطرة حكومات طرابلس منذ سنة 2014، وقد تعيد قوات الوفاق اقتحامها أو حصارها، مما يحرم أنصار حفتر في منطقة الجبل الغربي من غرفة عملياتهم الرئيسية، ويعمِّق من عزلتهم وكذلك ستظل هذه القاعدة مصدر خطر لقوات الوفاق في حال شن هجوم مضاد من قوات حفتر باتجاه مدن الساحل الغربي.

وأخيرا: إلى أين تتجه الأمور؟

بعد السيطرة على مدن الساحل الغربي، أطلقت قوات حكومة الوفاق الوطني عملية عسكرية للسيطرة على مدينة ترهونة، المعقل الرئيس لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر غرب ليبيا، وقد وصلت إلى منطقة الشريدات في محيط ترهونة وسيطرت على مناطق بمشارف المدينة واستولت على معسكرات وسيارات مسلحة وذخائر وأسرت أكثر من مئة عنصر من قوات حفتر كما نفَّذت أكثر من 17 غارة جوية وغنمت آليات ومدرعات ودبابات.

وتأتي هذه الخطوة ضمن عملية عاصفة السلامالتي أطلقتها مؤخرًا حكومة الوفاق، للسيطرة على المدن والمناطق الخاضعة لحفتر. وتعد مدينة ترهونة منطلق الهجمات على طرابلس، وفيها خزان بشري داعم لحفتر، كما أنها خط إمداد حيوي لقواته؛ حيث تأتي إليها الأسلحة والعتاد من قاعدة الجفرة وسط ليبيا.

وفي حال سيطرة قوات الوفاق على مدينة ترهونة فسيكون ذلك تقدمًا نوعيًّا لقوات حكومة الوفاق بعد استعادتها الساحل الغربي مؤخرًا.

ولعلنا لا نبتعد عن الصواب إن قلنا: إن ما تقوم به قوات الوفاق حول ترهونة هو انتقال إلى المرحلة الثانية من خطتهم بعد سيطرتهم على الساحل الغربي.

ورغم المراوحة والتصعيد بين الطرفين واستمرار المعارك ورغبة كل طرف في الحسم العسكري وعدم وجود توقيت لجولة سياسية جديدة؛ فهناك مشهد جديد في ليبيا لم تُكتب بعد كل تفاصيله ما يفتح الباب أمام التساؤل الأبرز:

إلى أي حد يمكن أن تسهم المكاسب العسكرية لقوات الوفاق في تغيير موازين السيطرة في ليبيا؟

***

عبد الرحمن أحمد ـ صحفي وكاتب ليبي

____________