Minbar Libya

بقلم هشام الحمامي

في 4 أيار/ مايو 1967 زار القائد البريطاني الشهير الفيلد مارشال برنارد مونتجمري (1887- 1976م) مصر بمناسبة مرور 25 عاما على معركة العلمين الشهيرة (1942م)، ليضع إكليلا من الزهور على مقابر الجنود البريطانيين في مدينة العلمين، وكان بصحبته الاستاذ هيكل رحمه الله.

يومها، وكما يقول الأستاذ هيكل في كتابه زيارة جديدة للتاريخ، سأل القائد الكبير عن المشير عامر وعن المعركة التي خاضها ليكون فيلد مارشال، فهذه الرتبة العسكرية كما في التاريخ العريق للعسكرية البريطانية، لا تكون إلا بقيادة الجيوش في الميدان.

وبذكاء الأستاذ هيكل المشهور تخلص من الموقف بهدوء، لكن الموقف تكرر ثانية عند استقبال الزعيم الخالد للقائد البريطاني، وكان المشير عامر حاضرا بالطبع ورتبة المشير على كتفيه والنياشين تزين صدره، وقدمه الزعيم الخالد قائلا: الفيلد مارشال عبد الحكيم عامر، فسأله مونتجمري: في أي حرب حصلت على اللقب؟

وساد صمت ولم يرد أحد، بعد هذا الموقف بشهر واحد بالتمام والكمال (5 حزيران/ يونيو) خاض المشير حربه الأخيرة التي صنعت لنا الشرق الاوسط الذي نراه الآن.

مونتجمري كان يسأل عن المشير عامر الذي قضى في خدمته العسكرية زمنا متصلا منذ تخرجه سنة 1939م حتى وفاته 1967م، وحارب في فلسطين سنة 1948م وفي 1956م رغم كل النكسات والهزائم.

وقد يكون لمصر بجيشها الكبير وحدودها مع إسرائيل، وخصوصية تكوينها وموقعها الجغرافي، مبرر ليكون قائد الجيش برتبة (المشير)، وعلى غير التعريف الذي ذكره الفيلد مارشال منتجمري للأستاذ هيكل.

لكن بماذا كان سيعلق القائد البريطاني الشهير على الفيلد مارشال خليفة بلقاسم حفتر“.. الذي نال المارشالية (14 أيلول/ سبتمبر 2016م) بعد انقطاع عن الحياة العسكرية أكثر من ربع قرن، ولم يخض أي معركة تقريبا إلا معركة وادي الدوم في تشاد سنة 1987، وكان برتبة عقيد وقتها، وهي المعركة التي ستأتي به إلينا الآن ليقوم بأسوأ دور في أسوأ توقيت بعد رحيل القذافي (2011م).

تقول الحكاية إنه أُسر في هذه المعركه مع عدد من الجنود والضباط الليبيين، أغلبهم عاد الى ليبيا بعد تسوية وتفاوض، أما هو فقد تم نقله إلى أمريكا عبر زائير، بعملية مخابراتيه خاطفة وغامضة الأسباب حتى يومنا هذا.

وعاش في أمريكا عشرين عاما تحت رعاية المخابرات المركزية، وحصل خلالها على الجنسية الأمريكية، ولا زالت ابنته الوحيدة تعيش هناك (لديه أيضا أربعة أولاد يقومون بأدوار مثل أبناء القذافي).

في 4 نيسان/ أبريل 2019 وقبل مؤتمر غدامس بعشرة أيام (14-16 نيسان/ أبريل 2019)، وقبل حلول شهر رمضان المبارك بشهر واحد (6 أيار/ مايو 2019م)، هاجم حفتر العاصمة الليبية طرابلس بعملية عسكرية مفاجئة، وقال حينها للعالم المهتم بليبيا إن العملية لن تستغرق أكثر من 48 ساعة.

لكنه فشل، وصدق عليه قول من قال: “كما بدأت ستبقىمسكين .. يلاحقه الفشل في حله وترحاله.. وتسببت حماقته ورعونته وسوداوية ظاهره وباطنه في مقتل المئات وتشريد نحو 200 ألف ليبي.

سنة كاملة والفيلد مارشاليقف على أبواب طرابلس يقصف المنشآت المدنية والمدنيين، ويفعل ما يحلو له أمام المجتمع الدولي كله.

ولن ينسى الناس أن جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، كان مع الفيلد مارشالفي بنغازي يوم 4 نيسان/ أبريل 2019 (أي قبل اعتداء حفتر على العاصمة بيوم واحد)، وطلب منه الحفاظ على قواعد الاشتباك“! ومن يومها لا هو فلح في دخول العاصمة ولا قبل بأي تسوية.. واستمر القتل واستمرت الدماء.. إلى أن أشرقت شمس يوم 13 نيسان/ أبريل 2020م.

ففي عملية عسكرية جريئة وخاطفة استطاعت قوات حكومة الوفاق السيطرة على المدن الساحلية غرب طرابلس، والتي كانت تعد من أكبر معاقل قوات حفتر في المنطقة الغربية.

باختصار شديد، تغييرت قوة النيران على الأرض لصالح حكومة الوفاق التي أصبحت على مشارف ترهونة (60 كم من طرابلس) أكبر معاقل حفتر، لكن دخولها محفوف بمخاطر كبيرة تفوق فكرة طرد حفتر منها، إذ إن هناك ثأرات ودماء لها أصحاب يطالبون بها، وأظن أن عقلاء الوفاق وحكماء القبائل سيستطيعون احتواء هذه المسألة الخطيرة.. لأن الدم الذي يسيل له لون واحد، وعبرة التاريخ قالت إن الشر ولود والدم يطلب المزيد من الدم.

يوم الاثنين الماضي (27 نيسان/ أبريل).. وعندما استيقظ الفيلد مارشالمن النوم سمع صوت الشاعر الأمريكي الشهير والت ويتمان وهو يقول في أذنيه قصيدته الشهيرة: آه يا أنا.. آه أيتها الحياة.. ونظر في يديه فلم يجد إلا يديه..

واكتشف المسكين أنه وبعد كل ما قام به من يوم أن عاد من أمريكا في 2011م أوشك أن يصبح هواء في هباء في خواء .. وأنه على وشك أن يذهب مع الريح التي ذهبت بالفعل وستذهب مرة أخرى.. فأينعت في رأسه فكره يانعة مانعة جامعة..

وإذا به يخرج على الناس في التلفاز قائلا بأنه قرر قبول التفويض الشعبي لإدارة شؤون البلاد، وأعرب عن اعتزازه بتفويض الليبيين له لهذه المهمة التاريخية في هذه الظروف الاستثنائية.

وعليه، فقد تم إسقاط اتفاق الصخيرات وكل ما أسفر عنه ( يقصد الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015، الذي تم برعاية دولية وشمل أطراف الصراع في ليبيا لإنها الصراع المسلح في البلاد وضمان انتقال طبيعى للسلطة إلى مؤسسات منتخبة بواسطة الشعب الليبي).. إلغاء اتفاق الصخيرات لا يعني إلغاء حكومة الوفاق الوطني فقط، بل مجلس النواب الليبي في طبرق أيضا.

السفارة الأمريكية في طرابلس أعربت عن أسفها من ذلك، وكذلك وزارة الخارجية الروسية قالت: لا يوجد حل عسكري للصراع، فهناك قرارات قمة برلين وقرار مجلس الأمن رقم 2510 الذي يجب تنفيذه أولا وقبل كل شيء من قبل الليبيين أنفسهم بمساعدة المجتمع الدولي، أيضا مصر رفضت ما دعا إليه حفتر وأكدت أن الحوار السياسى هو الحل.

لكن المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب كان على موعد مع التاريخ ليثبت بالفعل أنه يريد حماية بلاده من التقسيم ومن الفاشية العسكرية، فيعلن في 23 نيسان/ أبريل؛ مبادرة سياسية من ثماني نقاط: إعادة هيكلة السلطة التنفيذية الحالية المنبثقة من اتفاق الصخيرات، وإعادة اختيار أعضائها، وإعادة كتابة الدستور، واستمرار مجلس النواب الليبي إلى حين إجراء انتخابات تشريعية جديدة. وتمنى أن تلقى مبادرته دعما محليا ودوليا.

حكومة الوفاق تلقت المبادرة بترحاب ودعت مجلس النواب إلى الانعقاد فورا بعد هذا البيان.

هذا كلام مهم بل وبالغ الأهمية، لكنه أهميته ستزداد أكثر حين تعلم أن سيادة المستشار أعلن هذا البيان من مدينة القبة في الجبل الأخضر، مقر إقامته ومركز قبيلة العبيدات أكبر قبائل الشرق الليبي، والتي تمتد بطونها وعائلاتها حتى مطروح والإسكندرية، وهو ما يشير إلى تصدعات خطيرة للغاية في حاضنة حفتر الشرقية.

ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، رحبت بمبادرة المستشار عقيلة، وقالت إنها تسعى إلى إنهاء حالة الاقتتال والانقسام والعودة إلى الحوار في إطار مؤتمر برلين، وأكدت أنها تواصلت معه هاتفيا حول ذلك.

لا شك في أن قصة التفويض الحفتريةمرتبطة بالتطورات التي جرت وتجرى على الأرض، وأهم ما جرى هو وقوف قوات الوفاق على مشارف ترهونة، وبدخول ترهونة تكون الحرب قد انتهت تقريبا ويكون مشروع القوة الكاسرةالذي جاء به حفتر لليبيا وشعبها قد ذهب إلى غير رجعة.

الأربعاء الماضي (29 نيسان/ أبريل) أعلن الفيلد مارشالهدنة من طرفه ووقفا للعمليات (الموقوفة أصلا لانهيار قواته)، وقال إن ذلك استجابة لدعوات المجتمع الدولي والدول الشقيقة خلال شهر رمضان.

اسكت ولا تنطق فأنت حبحاب    إن صدق القوم فأنت كذاب

هل تتذكرون أنه في مثل هذه الأيام من السنة الماضية وكان الفيلدمارشالفي عز التي واللتياكما يقولون.. وقتها ناشده المجتمع الدولي كله والأمم المتحدة من أجل هدنة إنسانية في رمضان ولمدة أسبوع واحد.. وكانت الحرب قد بدأت قبل شهر وبدأت معاناة الناس من القتال ما أدى إلى نزوح 50 ألف شخص من بيوتهم غير القتلى والمصابين.

لكنه رفض، وأصر على ضرب المدينة صياما وقياما، ودعا قواته وقتها للقتال بشكل أقوى وقال إن شهر رمضان هو شهر جهاد.

الهدنة التي يستجديها حفتر الآن لا علاقة لها لا برمضان ولا بالإنسانية ولا بالمجتمع الدولي؛ الذي طالما تطاول عليه واتفاقات موسكو وبرلين لم يجف حبرها بعد.. هو فقط يريدها لترتيب أموره داخليا وخارجيا، فموقفه بالغ الحرج والضعف والإهانة.

لكن على الجانب الآخر علينا أن نعي جيدا أننا أمام شخص لا يعنيه سوى نفسه ونفسه فقط، حتى لو أحترقت ليبيا بكل أهلها، وهو ما يفرض النظر إلى المستقبل المنظور والبعيد بعين الحكمة.

إذ سيلجأ حفتر الى آخر ورقه في كتاب فشله للحفاظ على نفسه من السقوط والتلاشى مع غبار معركته الدنيئة، وهي ورقة تقسيم ليبياإلى شرق وغرب، وهو أخطر ما يمكن أن يسفر عنه كل ذلك.

أختم بتلك الكلمات التي يسابق معناها لفظها ولفظها معناها، وقالها مواطن ليبي على أحد المواقع: “أنا مواطن ليبي لا مع الإخوان ولا المقاتلة ولا ماركس ولا هيغل ولا جوز الهند، فقط مع وطن مستقر موحد مستقل، تتعزز فيه قيم المواطنة والحريات والديمقراطية وفن إدارة الاختلاف والتنوع الخلاق والتداول السلمي للسلطة، وباقي المنتجات التي تناسب العصر. من يريد أن يحكم فأمامه صناديق الانتخابات لا صناديق الذخيرة“.

***

هشام الحمامي ـ كاتب مصري

__________