Minbar Libya

بقلم محمد الشرقاوي

تحوّلان استراتيجيان حدثا في ليبيا في عزّ المخاوف الصحية العالمية لجائحة كورونا، وفي الأسبوع الأول من رمضان المبارك.

.الجزء الثاني

خطوة حفتر خارج الرادار العالمي

وفي موسكو التي استضافت اجتماع القادة الليبيين، بحضور وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، وكاد أن يكلّل باتفاق بين الأطراف، لولا انسحاب حفتر في 13 من يناير/ كانون الثاني الماضي.

صرّح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إنّ بلاده لم تقبل بيان فايز السراج رفض التعامل مع حفتر، ولا البيان الذي سيقرّر المارشال حفتر من جانب واحد به الطريقة التي يعيش بها الشّعب الليبي.

وشدّد لافروف على أنّ أيّا من هذه العوامل لا يساعد في إيجاد تسوية مستقرّة، والتي بدونها يظلّ من المستحيل الخروج من هذه الأزمة“.

ورفضت السفارة الأميركية في ليبيا ما وصفته اقتراح حفتر“. وشدّدت على أنّ التغييرات في الهيكل السياسي الليبي لا يمكن فرضها من خلال إعلان أحادي الجانب، بيد أنّها رحبت بأي فرصة لإشراك حفتر، وجميع الأطراف، في حوار جاد حول كيفية حلحلة الأزمة وإحراز تقدّم في البلاد.

وفي أنقرة التي تعدّ الغريم السياسي الرئيسي للإمارات في دعم طرفي الصراع، اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، هامي أكسوي، أبوظبي باتباع سياسات مدمرةوذات وجهينفي المنطقة، ودعاها إلى وقف موقفها العدائيإزاء بلاده.

وقال إن الإمارات تدعم الانقلابيينفي ليبيا، في إشارة إلى الجيش الوطني الليبي، بتزويدهم بالأسلحة والمرتزقة. ودعا الدولة الخليجية إلى وقف تمويل القوى ضد السلام والأمن والاستقرار الدوليفي مناطق مثل اليمن وسورية والقرن الأفريقي.

وقد توصّل فريق الخبراء في الأمم المتحدة، في تقريرهم الصادر قبل أربعة أشهر، إلى أنّ من يقرب عددهم بين ألف وثلاثة آلاف من المقاتلين السودانيين موجودون في ليبيا، وهي سمة جديدة في الصراع الليبي، من شأنها أن تزيد في عدم الاستقرار في البلاد.

وقبل أيام، تناقلت الوكالات الإخبارية وصول وفد إماراتي إلى السودان، لحشد مزيد من الدعم وتوظيف مرتزقة جدد للقتال في صف قوات حفتر. وناقش الوفد الذي ترأسه مستشار الأمن القومي الإماراتي، طحنون بن زايد، مع المسؤولين في الخرطوم سبل تأييد حفتر في ضوء التعثر الذي يعايشه الجيش الليبي“.

في الوقت ذاته، تبدي ألمانيا راعية اجتماع برلين التخوف من عزم حفتر القضاء على اتفاق تقاسم السلطة. وتتمسّك بأنه لن يمكن التوصل إلى حل للصراع في ليبيا بالعمليات العسكرية أو الإعلانات أحادية الجانب، بل من خلال عملية سياسية تشارك فيها جميع المناطق والفئات العرقية الليبية.

وفي بروكسل، شدّد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي لشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، بيتر ستانو، على أن أي محاولة للدفع بحل من جانب واحد إلى الأمام، حتى باستخدام مزيد من بالقوة، لن توفر أبداً حلاً مستدامًا للبلاد.”

وأوضح أن اتفاق الصخيرات لعام 2015 “يظل الإطار العملي للحل السياسي في ليبيا حتى يتم إدخال تعديلات أو إيجاد بدائل“.

وعلى الرغم من التقارب بين الموقفين، الفرنسي والإماراتي، من الأزمة الليبية، عبّرت باريس عن رفضها خطوة حفتر، وشددت على أن الصراع في ليبيا لا يمكن حله من خلال القرارات المنفردة، وإنما من خلال حوار تدعمه الأمم المتحدة“.

وذكّرت الإمارات بقلقها مجدّدا من التدخل التركي في ليبيا، واتهمت أنقرة بنشر المقاتلين وتهريب الأسلحة. وعبرت عن رفضها القاطع للدور العسكري التركي الذي يعرقل فرص وقف إطلاق النار، ويجهض جهود المجتمع الدولي للتوصل إلى حل سياسي شامل، حسب بيان وزارة الخارجية في أبوظبي.

من يحافظ على اتفاق الصخيرات؟

بمنطق الخطوات المتدرجة في صنع السلام، يبدو أن الخطوة الجديدة لحفتر قد تعصف حتى بمسارات التفاوض الفرعية، بما فيها مسارات برلين، وقبل موسكو وباريس وباليرمو وأبوظبي، مرجعيات جديدة كانت تلوّح بها الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا وإيطاليا ضمن مواجهة استراتيجية محتدمة ضد محور طرابلس أنقرة الذي يعتد باتفاقهما الجديد مع الاحتفاظ بأهمية اتفاق الصخيرات التي تزكّيه الأمم المتحدة.

ومنذ مطلع عام 2020 وانهيار مسار جنيف الذي كان مرتقبا قبل شهرين، اتضح خطّا التوازي بين الصراع الداخلي بين حفتر والسراج أو معسكري طبرق وطرابلس، والصراع الخارجي الذي تتموقع من خلاله الإمارات وتركيا على أنهما الوصيّان الممتازانأو فوق العادة” super guardians على ليبيا.

ويبدو أن هذا الاستقطاب السياسي والعسكري من قوى إقليمية جعل مبعوث الأمم المتحدة السابق، غسان سلامة، ووزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، على قناعةٍ بأن ديناميات الفعل السياسي والعسكري، أو القوة الصلبة، تظل في يد محورين رئيسيين يمكن أن نسمّيهما المحور الإماراتيمقابل المحور التركي“.

لم يصل مسار جنيف حتى إلى عقد جلسة واحدة بعدما كان الأمل في استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية إلى الأمم المتحدة، بدلا من مسارات العواصم المختلفة.

ولكن الصراع يتفاقم حاليا ليس بما يفكر فيه حفتر فحسب، بل وأيضا بتكابر الدول ذات الحلم في استغلال ليبيا نفطيا واستراتيجيا بموازاة دول جنوب أوروبا وسط معركة موازية هي معركة غاز شرق المتوسط.

وقد سعت تركيا، باتفاقها الجديد مع فايز السراج، إلى ترجيح كفتها، أمام الاتفاق الجديد الموقع في يناير/ كانون الثاني الماضي بين اليونان وقبرص وإسرائيل مدّ خط أنابيب الغاز المعروف باسم إيست ميدبطول 1900 كيلومتر لنقل الغاز الطبيعي من منطقة شرق البحر المتوسط إلى أوروبا.

في الوقت ذاته، تظهر أكثر من عقدة منشار في الدبلوماسية الدولية إزاء الأزمة الليبية:

أوّلها، اعتراض بعض العواصم، وفي مقدمتها واشنطن، على تعيين وزير الخارجية الجزائري السابق رمضان لعمامرة ليحل محل غسان سلامة، ينطوي على مراعاة بعض المصالح عند تقاطع ما هو أميركي مع ما هو خليجي أكثر من عزم الأمم المتحدة على تسوية الأزمة.

ويعني استبعاد لعمامرة من تمثيل الأمين العام غوتيريس قطع الطريق على وساطة دبلوماسي محنّك من بلد يحظى بسجل متميز في الوساطات الدولية منذ الستينيات.

ولا غرابة أن تكون هناك اعتبارات غير معلنة لرفض لعمامرة الذي كان مندوب بلاده في الأمم المتحدة ثم سفيرا في واشنطن خلال حقبة التسعينيات.
ثانيا، تلويح حفتر بالتفويض الشعبي يزيد في تفتّت الشّرعية السياسية في ليبيا للمرة الثالثة خلال السنوات الماضية، بعد أن أدّى اعتراف الأمم المتحدة بحكومة الوفاق إلى تقويض شرعية مجلس النواب في طبرق والحكومة الموالية له في البيضا.

وعلى النسق ذاته، دحض تشكيل مجلس النواب في طبرق، عقب انتخابات يونيو 2014، الشرعية التي كانت للمؤتمر الوطني العام الذي تم انتخابه في السابع من يوليو/ تموز 2012 وتسلم السلطة من المجلس الوطني الانتقالي في الشهر الموالي.

وبعد خمس سنوات من تلاطم أو صدام الشرعيات، لا يزال مجلس النواب وحكومة الوفاق خاملين وغير فعالين في ترسيخ تقارب عملي وبنيات سلمية بين الشرق والغرب، لتجاوز تسع سنوات من انقسام ليبيا، على الرغم من تصريحات عقيلة صالح وفايز السراج.

هي متتاليات سياسية تمنح مؤسسات أو أشخاصا معينين ملكيةشرعية غير مستقرّة. وكما قال الفيلسوف الإغريقي أرسطو قديما شرعية الحكومة المعتمدة على الدستورانية (التوافق على حكم الدستور) والموافقة. لكنها تفترض أيضًا أن الاستقرار السياسي يعتمد على شرعية المكافآت“.

في الوقت ذاته، يبقى حلم الليبيين بعيد المنال، كما يقول أحدهم أنا مواطن ليبي لا مع الإخوان ولا المقاتلة ولا ماركس ولا هيغل ولا جوز الهند، فقط مع وطن مستقر موحد مستقل، تتعزّز فيه قيم المواطنة والحريات والديمقراطية وفن إدارة الاختلاف والتنوع الخلاق والتداول السلمي للسلطة وباقي المنتجات التي تناسب العصر“.

عقدة المنشار الثالثة التي تزداد صعوبة الحسم فيها حاليا أكثر من أي وقت سابق هي منع استيراد الأسلحة والآليات الحربية من مصادر متعددة وبتمويل خارجي.

هذا رهان مفتوح أمام الأمم المتحدة منذ قرار مجلس الأمن 1970 الذي اتخذه عام 2011 للعمل على تسوية الأزمة في ليبيا.

عندما كنت أعمل ضمن لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، كان التحقق من تسريب تلك الأسلحة ومن يسهّل وصولها من بين المهام الرئيسية خلال إعداد التقارير نصف السنوية والسنوية.

وتبين أكثر من مرّة أن تعهد كل الدول المعنية باحترام إرادة الأمم المتحدة لا يحدّ واقعيا من انتشار الأسلحة وتدفق أصناف معينة منها إلى داخل ليبيا.

وما لم تتوقف إمدادات الأسلحة وتوظيف المقاتلين الأجانب، لن تخرج الأزمة الليبية من انحسارها الدبلوماسي وتنهي انفصام شخصية زعمائها بين التلويح بالخيار الدبلوماسي خلال جلسات التفاوض في العواصم البعيدة والاعتداد بالقوة العسكرية الميدانية في الداخل والتعويل على الدعم الخارجي من الشرق، وتلك عقدة المنشار الرئيسية.

***

محمد الشرقاوي ـ باحث مغربي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية.

__________