Minbar Libya

غموض يحيط بالوضع داخل قاعدة الوطية الجوية في الغرب الليبي، في وقت شرع فيه الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية بهجوم لتحريرها، باعتبارها آخر معقل رئيسي لحفتر غربي طرابلس.

وفجر الثلاثاء، بدأت قوات الحكومة الليبية عملية عسكرية لتحرير قاعدة “الوطية” (عقبة بن نافع سابقا) بعد أيام من محاصرتها.

وقد تمكنت قوات الوفاق من الوصول إلى البوابة الرئيسية لهذه القاعدة التي تبلغ مساحتها 40 كيلومتراً مربعاً، وتبعد 140 كيلومتراً عن العاصمة الليبية.

ويأتي هذا الهجوم غداة إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي تدعم بلاده الحكومة الليبية المعترف بها دولياً، أن “أخباراً سارة جديدة ستردنا من ليبيا”.

أهمية قاعدة الوطية العملاقة

القاعدة بناها الأمريكيون خلال فترة الوصاية الدولية الثلاثية بين بريطانيا وفرنسا وأمريكا على ليبيا “المستعمرة الإيطالية السابقة” عام 1942. وتعتبر ذات أكبر بنية تحتية عسكرية من بين القواعد الليبية، حيث تستطيع القاعدة الجوية استيعاب وإيواء 7 آلاف عسكري.

وبُنيت القاعدة على أساس التحصينات المحيطة بها (التضاريس الجغرافية)، بالإضافة إلى أن القاعدة تمتلك أكبر تحصينات خارجية بين القواعد الليبية.

وتمثل قاعدة الوطية مركزاً للحشد وتهديداً لمدن الساحل الغربي، فضلاً عن أنها نقطة انطلاق الطائرات التي كانت تُغير على العاصمة طرابلس، قبل تحييدها، منذ إطلاق قوات الحكومة عملية “عاصفة السلام” في 25 مارس/آذار الماضي.

وبعد أن أسقطت حكومة الوفاق ثماني مناطق في الغرب الليبي خلال ساعات خلال الشهر الماضي، بات الوضع في الوطية غامضاً، وسط أنباء عن انقسامات داخل القوات الموجودة في القاعدة.

انقسامات وانسحابات بين قوات حفتر داخل المدينة

يعتقد أن الانقسامات بين القوات التي كانت تؤيد حفتر داخل الوطية لها علاقة بإعلانه الاستيلاء على السلطة وإسقاط الاتفاق السياسي.

فقبل فترة وجيزة من إعلان حفتر قالت مصادر في حكومة الوفاق الليبية إنها رصدت انسحاباً جزئياً لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر من قاعدة الوطية الجوية غرب البلاد.

ورصدت قوات الحكومة، نهاية أبريل/نيسان الماضي، انسحاب عشرات الآليات المسلحة (ما بين 30 و50 آلية) من قاعدة الوطية، تنتمي إلى الكتيبة 78 (كتيبة الفاروق)، التي يقودها المدخلي “صقر الزنتاني”، وسرية الطليعة من بلدة الرجبان (مجاورة لمدينة الزنتان/ 170 كلم جنوب غرب طرابلس).

واللافت أن بيان حفتر بإعلانه سقوط الاتفاق السياسي جاء بعد يومين من اتفاق تم بين حكومة الوفاق والعسكريين في القاعدة، الذين ينتمي غالبيتهم إلى مدينة الزنتان، على خروجهم من القاعدة مقابل عدم دعم حفتر.

كما أفادت تقارير بانسحاب مقاتلي الزنتان والرجبان من قاعدة الوطية قبيل إعلان حفتر سقوط الاتفاق السياسي.

وحسب بعض المصادر، فإن الخلاف بين الكتيبة 78، وبقية العناصر القادمين من الشرق ومن مدينة صبراتة (غرب) الموجودين بالقاعدة، كان بسبب عدم إرسال حفتر الدعم بالذخيرة والسيارات للقاعدة، وأنه لا فائدة من البقاء فيها تحت القصف الجوي.

لكن لا تزال عناصر موالية للمدخلي طارق درمان (من الزنتان) من بلدات تيجي والصيعان (الجبل الغربي) داخل القاعدة، ومعها مجموعة من الهاربين من المدن المحررة (صبراته وصرمان والعجيلات والجميل) وقوة أخرى من المنطقة الشرقية.

هجوم الوفاق بدأ قبل أكثر من شهر

بدأت قوات الوفاق أول هجوم على القاعدة، في 25 مارس/آذار، حيث أَسرت خلال عدة هجمات منذ ذلك الحين 27 عنصراً من ميليشيات حفتر، ودمرت 3 طائرات سوخوي 22 كانت رابضة في مدرج القاعدة، إضافة لإسقاط طائرة إماراتية بدون طيار شمال شرق الوطية.

وقتل خلال هذه الغارات العديد من عناصر حفتر، بينهم نائب قائد كتيبة 134، المكلفة بحماية الوطية، كما استُهدفت آليات وذخائر داخل القاعدة.

ونظراً لعدم تزويد حفتر لقاعدة الوطية بمنظومة دفاع جوي، مثلما هو الحال في مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس)، أصبحت هدفاً سهلاً لطائرات الحكومة، ما تسبب في نشوب خلافات داخل القاعدة، بحسب حسابات موالية لحفتر.

كيف تسير معركة قاعدة الوطية؟

يوم الثلاثاء 5 مايو/أيار 2020، بدأت قوات الحكومة الليبية عملية عسكرية للسيطرة على قاعدة “الوطية” الجوية، بعد أيام من محاصرتها.

إذ قال مصدر تابع للحكومة إن قواتهم بدأت فجر الثلاثاء عمليتها العسكرية للسيطرة على قاعدة الوطية الاستراتيجية، مضيفاً أن المدفعية الثقيلة مهدت الطريق للقوات البرية لاقتحام القاعدة، وأن الاشتباكات حالياً قريبة جداً منها.

وقالت قناة الجزيرة إن المعركة حول قاعدة الوطية بدأت فجر اليوم بتوجه نحو 500 عربة عسكرية لقوات الوفاق نحو القاعدة التي تضم تحصينات قوية، مشيرة أن الهجوم انطلق بإسناد من سلاح الجو التابع لحكومة الوفاق.

وكان مصدر عسكري من قوات الوفاق قد قال إن هذه القوات التي انطلقت من مختلف المناطق العسكرية سيطرت على منطقة زرير في محيط قاعدة الوطية، متقدمة إلى بوابة القاعدة.

وفي وقت سابق الثلاثاء، قُتل أسامة مسيك، آمر حماية “قاعدة الوطية” التابع لميليشيا حفتر، خلال عملية تحرير القاعدة.

وتبدي قوات حفتر المتحصنة في قاعدة الوطنية مقاومة، حيث إنها استخدمت صواريخ حرارية وأسلحة أخرى، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف قوات الوفاق، مرجحاً أن المعركة قد تكون طويلة وصعبة.

وتحاول قوات حفتر عرقلة تقدم قوات الوفاق بإطلاق قذائف الهاون، فيما تشير مصادر حكومة الوفاق أن طائراتها دمرت خمس عربات عسكرية.

بلا دفاع جوي

عملية السيطرة على القاعدة ستكون سهلة، حسب مصادر حكومة الوفاق لأن القوة الموجودة داخلها قليلة، وأغلبها انسحبت منها، خاصة بعد الضربات الجوية التي تلقتها خلال الأيام الماضية.

كما أن عملية التحرير سبقها تمهيد نيراني موسع، حيث شن سلاح الجو الليبي عدة غارات على القاعدة خلال الأيام القليلة الماضية.

وأثبتت الهجمات التي شنتها قوات حكومة الوفاق خلال الأيام الماضية، أن حصار قاعدة الوطية وقصفها جواً ليس كافياً لتحييدها وإبعاد خطرها عن مدن الساحل.

وهي معطلة عسكرياً

أعلن مصطفى المجعي، الناطق باسم المركز الإعلامي لعملية “بركان الغضب” التابعة للحكومة الليبية الشرعية أن قاعدة “الوطية” الجوية غرب طرابلس “تم تعطيلها عسكرياً، ولا تزال محاصرة من جميع المحاور”.

وقال المجعي إن “قواتنا أحرزت تقدماً مهماً، وذلك تمهيداً للسيطرة على قاعدة الوطية بشكل كامل”.

وأضاف المجعي للأناضول: “قاعدة الوطية تم تعطيلها عسكرياً، وهي شبه خارجة عن الخدمة بعدما حيدت من قبل سلاح الجو والقوات البرية”. وأشار أن “عملية تحرير قاعدة الوطية تسير وفق مراحل محددة وضعتها غرفة العمليات العسكرية”.

وفي السياق ذاته، قال المجعي إن الطيران المسيّر الإماراتي الداعم للجنرال الانقلابي خليفة حفتر وجّه ضربات نحو قوات حكومية، ما أدى إلى “استشهاد عدد من عناصرها”.

ماذا بعد الوطية؟

السيطرة على الوطية مهمة لتأمين مدن الغرب الليبي التي حررتها حكومة الوفاق، ولكنها أيضاً ذات أهمية بالغة للتفرغ لمعركة ترهونة، التي تمثل مفتاح هزيمة حفتر جنوبي طرابلس.

فالسيطرة على قاعدة الوطية ستتيح عدة مزايا لقوات الحكومة، أهمها تأمين مدن الساحل، وعزل ميليشيات حفتر في القرى النائية بالجبل الغربي (الصيعان والعربان)، وإنهاء أي تهديد للعاصمة من المحاور الغربية والجنوبية الغربية.

وأهم من ذلك منع حفتر والدول الداعمة له من إرسال تعزيزات عسكرية للقاعدة من شأنها قلب المعركة في الساحل الغربي، والعودة إلى المربع الأول.

كما يمكن لقوات الحكومة الليبية تحويل قاعدة الوطية إلى منطقة آمنة لطيرانها، بعيداً عن مدى صواريخ غراد، التي تستهدف مطار معيتيقة بطرابلس، وأن تكون نقطة انطلاق طيران الحكومة لتحرير ترهونة، واستهداف خطوط الإمداد جنوب بلدة بني وليد (180 كلم جنوب شرق طرابلس) على غرار منطقتي تينيناي ونسمة.

____________