Minbar Libya

بقلم محمد سالم

دخلت مصر منذ اليوم الأول لإعلان الهجوم على طرابلس دائرة الصراع في ليبيا إلى جانب خليفة حفتر، إلا أن أهداف السيسي يبدو أنها تتجاوز حدود الحلف السياسي مع الجنرال العجوز،

وكذلك فإنه تحالف لا يقتصر فقط على العداء للإسلام السياسي ووأد الحركات التصحيحية في مسار الأنظمة العربية، ورغم أن القاهرة أظهرت قدرتها على قول لا للعواصم الخليجية؛ فهي حافظت على جيشها بعيدًا عن ساحة الحرب في اليمن، إلا أنها آثرت التدخل في ليبيا بشكل مباشر وقوي، إذًا فإن المسألة تستحق من السيسي تكلفة دعمه الاقتصادي والعسكري بل والسياسي لخليفة حفتر، فأين يكمن السر؟

لا بد من العودة قليلًا إلى الوراء لمعرفة عقيدة الجيش المصري الذي مرَّ بمراحل عديدة أكسبته مكانة على صعيد ارتباطه بالسلطة لم يحظ بها أي جيش آخر في المنطقة، بل إن تعبيرًا ظهر يصف الحال بالقول إن لكل دولة جيش، ولكن في مصر فالجيش لديه دولة!

فمنذ قدوم أنور السادات إلى السلطة وما أعقبه من عبور القناة وتحقيق النصر على إسرائيل، فإن الجيش أخذ يغوص أكثر في الجانب الاقتصادي خاصة في ظل مرحلة السلام الدافئ والتي عبّر عنها السادات نفسه بقوله أكتوبر هي آخر الحروب“.

ونتيجة لهذه الحالة فإن جنرالات الجيش المصري دخلوا الحياة المدنية بشقها الاقتصادي بعدما دخلوها منذ اليوم الأول لثورة يوليو بشقها السياسي، وكان نتيجة هذا الانخراط امتلاك مؤسسة الجيش مصادر إنتاجية أدت إلى تأسيس ما يمكن اعتباره إمبراطورية اقتصادية.

رافق ذلك سياسة الانفتاح التي اتخذها السادات والتي أدت إلى تعاظم طبقة رجال الأعمال والمقربين من دائرة القصر الرئاسي، وبهذا فإن السادات الذي وجد نفسه أمام أوضاع اقتصادية صعبة خلقتها مرحلة الانفتاح وما أعقب الاتفاق مع إسرائيل بشكل منفرد وتحديدُا توتر العلاقات مع الدول العربية وما نجم عنها من تقليل المساعدات لمصر،

فإن السادات بدأ يبحث مع أصدقائه الجدد سبل تحقيق مكاسب خطواته تجاه حل صراع الشرق الأوسط، ولكن ولسوء تقدير السادات فإنه كان يتوقع مقابلٌ يحسنُ به صورته وموقعه أمام الشعب المصري وذلك بعد عدة خطوات غير محسوبة وغير معلنة قام بها، ولكن ما قدمه من قبيل مبادرته لزيارة القدس وطرد الخبراء السوفييت من مصر، لم يحصل لقاءه على شيء، والحاصل أن السادات لم يدرك أن لا أحد في عالم السياسة مستعد أن يعطي مقابل شيء حصل عليه فعلًا، وبهذا فإنه وجد نفسه أمام معضلة اقتصادية.

هنا نروي ما نقله محمد حسنين هيكل من أن عضو الوفد الإسرائيلي الكولونيل زيونهمس في أذن أحد أعضاء الوفد المصري على هامش لقاءات الوفدين في واشنطن عام 1974م قائلًا: “لماذا تصر مصر على النظر إلى الشرق بينما حل مشاكلها في الغرب!”، مضيفًا: “ليبيا لديها احتياطي ضخم من النفط قادر على جعل مصر دولة غنية“.

ويبدو أن السادات راقت له الفكرة خاصة في ظل الفوارق الكبيرة من حيث الموارد البشرية والعتاد العسكري، إلا أن التحرك الفعلي على الأرض لم يتم إلا في عام 1977م عندما شنّت مصر غارات على أهداف ليبية، ورغم أن السادات قال أن الضربة تأديبيةبسبب استفزازات القذافي حيث أنه يقوم بتكديس سلاح سوفييتي على الحدود مع مصر.

إلا أن نوايا السادات الحقيقية بقيت مجهولة والراجح أنه تراجع عن فكرته التي ظن أنها ستلقى دعمًا أمريكيًا وغربيًا، غير أن أمريكا كانت أول الدول التي عارضت العدوان المصري على ليبيا وكذلك فإن موقف معظم الدول العربي جاء رافضًا للخطوة المصرية، مما أجبره على التراجع.

ذات الشيء حصل في عهد عبدالفتاح السيسي؛ فقد شهدت سلطة مؤسسة الجيش توسعًا غير مسبوق، وانغمست أكثر في الاقتصاد، مما فاقم مشكلة الخزينة المصرية التي أنهكتها الديون، وبهذا فإن السيسي على ما يبدو وجد في ليبيا الحل لمشكلته، خاصة أنه يحظى بشيك على بياض سواء من ناحية تغطية نفقات الحرب بواسطة دول خليجية، أو من خلال صمت سياسي لواشنطن وحلفائها عن العمليات التي يقوم بها الجيش المصري.

وفي هذا فإن السيسي يبدو أنه يحاول إعادة رسم المشهد في ليبيا، فهو بالتأكيد ينظر إلى أن أي محاولة لإقامة حكومة مدنية هو خطر يهدد عرشه، وبالتالي فقد ظهرت الرغبة والحاجة إلى تحقيق استقرار سياسي وأمني على النموذج المصري يرعاه جنرال يشترك معه بالفكر العسكري القمعي.

إضافة إلى أن حفتر كما ظهر لا يملك سلطة حقيقية وإنما ظهر بصورة بيدق تتلاقفه الأيدى، وبالتالي فإن مطامع السيسي وأهدافه تجاه حصة في النفط الليبي سيكون طريقها معبدًا إذا ما استتب الأمر للجنرال العجوز.

***

محمد سالم ـ كاتب أردني

___________