Minbar Libya

بقلم عمار الحديثي

لا يوجد يوم ممل في تركيا، هناك يوميًا حدث هنا أو تقدم هناك، في سوريا، العراق، قطر، الصومال، ليبيا، قبرص.

.الجزء الثاني

بين الستنغروالبيرقدار“.. هكذا تُخاض الحروب!

لكن صناعة النفود الخارجي ليست كلامًا يُقال في الاجتماعات ولا أماني في رؤوس حامليها، لكنها توازنات تصنعها معادلات القوة والتأثير، وهي في المنطقة العربية تحمل طابعًا مسلحًا باستخدام القوة العسكرية.

وهذا يعني أن أي تدخل عسكري يجب أن يكون متمكنًايساند حليفًا هنا أو صديقًا هناك، ومؤثرًايغير موازين القوى على الأرض، وإلا تحوّل إلى وبال يرتد بآثار عكسية كما هو حاصل مع التحالف السعودي الإماراتي أو إلى شلال دم كما هو حاصل مع إيران.

منذ العام 2003، مع التدخل الأمريكي في العراق، وتحول المنطقة إلى صفيح ساخن، كان النفوذ التركي يتصاعد تدريجيًا، بالقوة الناعمة أول الأمر ثم بالوجود العسكري المباشر بعدها بحكم ضرورات المواجهة عقب الربيع العربي والثورة السورية.

لكن الظهور التركي لم يكن في أغلبه إلا إظهار للقوة والوجود، كما هو حاصل مع القوات التركية في العراق وقطر والصومال.

ومع احتدام المعارك في سوريا ووصول الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا إلى الحدود التركية واتصاله مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، كان التدخل المباشر حاجة تفرضها وقائع الأرض، فدخل الجيش بنفسه للقتال في عفرين ومناطق أخرى في عملية غصن الزيتون.

وهنا برزت المشكلة:

الدخول في حرب عصابات توقع الكثير من القتلى بين الأتراك، ما يعني نعوش وأعلام في المدن التركية، يُمكن استغلالها سياسيًا في الداخل، وهو ما لا يريده حزب العدالة والتنمية.

وكان الحل البديل استخدام الطيران الحربي بصورة مكثفة، تفاديًا لسقوط ضحايا في القوات البرية، لكن هذه الإستراتيجية مكلفة جدًا مع ساعات القتال الطويلة، فمثلًا تكلف ساعة الطيران الواحدة للمقاتلة الأمريكية F-16 نحو 8000 دولار، بينما تصل تكلفة الساعة الواحدة لطائرة F-15C نحو 23 ألف دولار، دون احتساب تكاليف الصيانة والأعتدة والذخائر.

، ومع طبيعة الحرب غير التقليدية، يصبح استخدام هذا النوع من المقاتلات عبثًا لا طائل منه خاصة أن الأهداف المعادية لا تبلغ كلفتها ربع كلفة الطلعة الجوية الواحدة!

مالعمل إذن؟

لا بد من سلاح يغير موازين التكلفة الباهضة للحرب غير المتوازية التي يلعب فيها الاستطلاع الجوي والانقضاض على الأهداف الأرضية بطريقة غير مكلفة دورًا فعالًا.

وكانت هذه المشكلة هاجسًا أرّق الأمريكان طويلًا خلال الحرب في العراق وأفغانستان، حتى ظهر أول الحلول مع الطائرات دون طيار الدرونزالتي أثبتت كفاءة كبيرة في أفغانستان، وإن لم تغيير موازين المعركة هناك .

وتحولت الدرونز إلى السلاح الأكثر استخدامًا في العمليات الأمريكية، حتى أصبحت تشكل 31% من القوة العاملة في القوات الجوية الأمريكية، وهكذا فعلت تركيا.

الشاهد أن ظهور سلاح ثم تغييره سير المعارك وموازين القوى في معركة ما أمر ليس جديدًا، على الأقل في قوس الأزمات.

ولعل صواريخ ستنغر الأمريكية التي ظهرت في أفغانستان عام 1986 وأدت لإسقاط 270 طائرة هيلكوبتر سوفيتية، كان له الأثر الكبير في تغيير سير القتال الأرضي ثم انسحاب السوفييت من أفغانستان كلها عام 1989.

فالمجاهدون الأفغان كانوا يستخدمون أسلحة من بقايا الحرب العالمية الثانية على حد تعبير جاك ديفاين المسؤول السابق في فريق وكالة المخابرات المركزية العامل في أفغانستان، وهم رغم إقدامهم الشديد، عانوا كثيرًا من طائرات الهيلكوبتر Mi-24 المعروفة باسم “Hind”.

ثم قررت الولايات المتحدة بقرار من الرئيس رونالد ريغان تزويدهم بصورايخ أرض جو محمولة كانت ولا تزال قيد التطوير ولم تدخل الخدمة للجيش الأمريكي بعد ، حيث تم إرسال ما يقارب 2500 قطعة منها لأفغانستان، وكان أثرها مدويًا بعد إسقاط 3 طائرات هايندخلال أول موجة تعرض في 26 من سبتمبر 1986 قرب مدينة جلال آباد، استخدم فيها 4 صواريخ من هذا الطراز.

يقول البروفيسور آلان كوبرمان أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس: “التفكير في الانسحاب لدى القيادة السوفيتية، ظهر بعد اليوم الأول من ظهور صواريخ الستنغر، ويمكن القول إن قرار الانسحاب كان نتيجة عدة عوامل أهمها فقدان السيطرة الجوية ثم احتدام الاشتباكات الأرضية بعدها نتيجة هذا السلاح“.

ليس ببعيد عن أفغانستان، وفي الشرق الأوسط، شكل ظهور الطائرة المسيرة التركية “TB2-بيرقداروهي الجيل المطور من الطائرات المسيرة “ANKA” عاملًا مهمًا في تغيير الموازين في سوريا وليبيا، ورغم أن ظهورها على ساحة المعارك جاء متأخرًا بعض الشيء عقب دخولها الخدمة عام 2015، فإن ظهورها المكثف خلال عامي 2019 و2020، ساهم كثيرًا في تغيير الوقائع على الأرض، لكن الأهم من هذا أنها غيرته بكلفة رخيصة.

يقول الكاتب ميتشيل بروثيرو وهو كاتب متخصص في مكافحة الإرهاب والجرائم الدولية: “الاستخدام الفعال لطائرات البيرقدار في سوريا، سيفرض حقيقة أن الروس لن يفكروا بمواجهة تركيا مباشرة، وكما يقول مسؤولون في الناتو، إن صوارايخ MAM-L التي تستخدمها تركيا فعالة بشكل كبير، فهي لا تخطئ، والأهم أنها رخيصة“.

في لييبا، وحيث كان دخولها هو الأكثر فاعلية كون المعركة لم تحسم هناك بعد، ساهم ظهورها بتحويل الكفة لحكومة الوفاق الوطني بالكامل، حيث لم يبق لقوات حفتر في كل الغرب الليبي بعد تحرير كل الساحل الليبي وصولًا إلى تونس، إلا ترهونة وقاعدة الوطية وهما محاصرتان بالكامل ومقطوع عنهما الإمدادت، مرة أخرى، بسبب البيرقدار.

إن امتلاك سلاح تكتيكي فعال غير مكلف أضاف قيمة إستراتيجية كبيرة للوجود التركي في المنطقة الذي تعطي قيمة إستراتيجية عالية حسب قول السفير الأمريكي السابق في تركيا روبرت بيرسون.

قال بيرسون : “بالنظر للقواعد التركية، فقد تم اختيارها بعناية، هناك واحدة في قطر، تقول للسعوديين والإيرانيين إننا موجودون هنا، وهناك قاعدة في الصومال، وضعت فيها تركيا قدمًا في إفريقيا قبالة اليمن المشتعل، كما أنها حاولت الحصول على قاعدة في السودان لمراقبة البحر الأحمر قبالة السعودية، ولا ننسى القواعد في شمال العراق والوجود في سوريا“.

ورغم أن مجموع ما يملكه الجيش التركي من طائرات بيرقدار هو 120 طائرة، لكنه استطاع بهذا العدد المحدود تثبيت السلام في إدلب وقلب المعركة في ليبيا.

وكذلك إضعاف حزب العمال الكردستاني شمال العراق ونظيره الكردستاني في سوريا، هذا غير العقود التي بدأت تنهال على تركيا لشراء الطائرات وأولها أوكرانيا وقطر وتونس.

إن دراسة التجربة التركية في الخروج من عباءة الناتو وظلال القوى العظمى ثم الدخول في لعبة النفوذ وتهيئة مستلزماته محليًا ، يدفع للتساؤل عن سبب تقاعس الدول العربية وكل الأحداث واقعة في أرضها عن التخلي عن السياسة التي عفا عليها الزمن بالاعتماد لدرجة العجز على الدفاع الأمريكي رغم تغير كل الموازين الاقتصادية والأمنية الدافعة له أيام الحرب الباردة.

وبغض النظر عن السياسة التركية ودوافعها، تدعو تجربتها للتفكير ولو قليلًا في الإرادة التي نقلت بلدًا غير نفطي كان يعاني من صراعات داخلية إلى مصاف الدول الإقليمية التي تناطح القوى العظمى وتفرض سياستها واتفاقياتها فرضًا بالأمر الواقع؟

لقد أسمعت لو ناديت حيًا!

***

عمار الحديثي ـ كاتب وباحث عراقي

____________