Minbar Libya

اجتمع كورونا والحرب في طرابلس في وقت واحد لتصبح أوضاع مستشفيات المدينة أقرب للجحيم للمرضى والطاقم الطبي على السواء.

دفعت تسع سنوات من الصراعات الأهلية والإهمال الحكومي نظام الرعاية الصحية الليبي إلى حافة الانهيار، لذا كان الطبيب محمد يعلم أن وظيفته الأولى بالعمل في جناح الصدمات بواحدة من مستشفيات طرابلس العامة ستكون شاقة

للغاية، حسبما ورد في تقرير لموقع (ميدل إيست أي) البريطاني .

وفي غضون أشهر قليلة، اندلعت حرب أهلية أخرى من أجل السيطرة على العاصمة بين حكومتي ليبيا المتنافستين، ليجد الطبيب نفسه مسؤولاً عن علاج جرحى هذه الحرب من المدنيين والمقاتلين.

ومنذ شهر تقريباً، تلقّى الفريق الطبي طعنة أخرى، عندما أعلنت ليبيا عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا.

كورونا والحرب في طرابلس يسببان الذعر للأطقم الطبية

أخبر الطبيب محمد : “كنت حاضراً ثلاث مرات عند قدوم مرضى يُشتبه بإصابتهم بفيروس كوفيد-19، وفي كل مرة كان الوضع فوضوياً للغاية”.

وقال موضحاً: “معظم أفراد الطاقم الطبي غير مدربين على التعامل مع الأمراض المعدية لذا يهلع الجميع ويسود الذعر، لا أحد يعرف ما الذي ينبغي له فعله، يبادر الجميع بالتخمين، ويفعلون ما يعتقدون أنه صحيح”.

وأضاف: “العديد من طاقم التمريض يخرجون من المستشفى في هذه اللحظات، يقولون إنهم لا يرتدون أي معدات أو ملابس وقائية ولا يريدون أن يُصابوا بالعدوى من أجل أسرهم. ولا يمكنني أن ألومهم على ذلك، فما يقولونه صحيح”.

لا توجد معدات وقاية والقفازات الطبية اختفت مع بداية المرض

يعد نقص معدات الوقاية الشخصية مصدر قلق كبير بين الأطقم الطبية خلال هذا الوباء العالمي ويمثّل أزمة حادة بشكل خاص في ليبيا التي مزقتها الحرب.

حتى القفازات الطبية غير متوفرة.

قبل أزمة كوفيد-19 الحالية، كانت صناديق القفازات متوفرة في جميع أنحاء المستشفى، ولكن مع وصول الفيروس إلى ليبيا، اختفت. ويشك العاملون في المستشفى بسرقة العديد من القفازات والمعدات.

عالج المستشفى الذي يعمل به الطبيب محمد أول حالة مصابة بفيروس كورونا في ليبيا، وهو رجل يبلغ من العمر 73 عاماً، تماثل للشفاء تماماً دون حاجة إلى أكسجين أو جهاز تنفس صناعي.

كثير من الدعاية تحيط بأول حالة كورونا

وقال الطبيب محمد: “لأنه أول حالة مصابة، أثارت السلطات الكثير من الجلبة حول تلك الحالة في وسائل الإعلام، وكانت فرصة للظهور والتملّق الزائف، ولكنه لم يكن عرضاً جيداً”.

وأضاف: “كان وزير الصحة، أحمد بن عمر، ومدير المستشفى يرتديان بدلات وقائية كاملة بجوار سرير المريض، بينما كان الأطباء يرتدون زيّهم التقليدي وأقنعة وجه عادية. كان المريض نفسه لا يرتدي قناع وجه ويرقد على سرير بلا ملاءة. كانت المفارقة واضحة جداً، ولكنها لم تكن مرحة على الإطلاق”.

وبالرغم من تولّي المستشفى علاج أول حالة مصابة بفيروس كورونا في البلاد، لا يزال المستشفى بلا سياسات محددة للتعامل مع حالات الإصابة بمرض كوفيد-19.

ووصل إجمالي عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في ليبيا إلى 61 حالة بينهم 18 حالة تماثلت للشفاء، وحالتا وفاة، وفقاً للمركز الوطني الليبي لمكافحة الأمراض.

وحذّرت ستيفياني ويليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، الأسبوع الماضي من أن القصف المكثّف، إلى جانب جائحة كوفيد-19، يهددان بإرهاق النظام الصحي شبه المدمّر في البلاد.

وأسفرت الحرب الأهلية الدائرة بالفعل في طرابلس حالياً عن سقوط مئات القتلى من بين المدنيين.

الطبيب يخوض في الدماء بيديه

ويُنقل العديد من المدنيين المصابين إلى المستشفى الذي يعمل به الطبيب محمد لأن بها واحداً من أكبر جناحين للصدمات في العاصمة، غير أن نقص المعدات الناجم عن أزمة فيروس كورونا جعل الطاقم الطبي غير مجهز لعلاج المصابين.

قال الطبيب محمد: “غالباً ما أتعامل مع حالات مصابة تعاني من نزيف هائل دون قفازات”.

وأضاف: “أحياناً اضطر إلى أن أثير جلبة كبيرة وأهدد بالرحيل لمجرد الحصول على زوج من القفازات، الذي يعد من أبسط الاحتياجات الأساسيات المطلوبة، خاصة في التعامل مع الإصابات”.

ولا يقتصر نقص المعدات على أدوات الوقاية فحسب، بل إن غرفة الطوارئ بلا شاش معقم (بالرغم من توافره في الأقسام الأخرى). لذا، يُصبح المرضى معرضين للعدوى بعد أي إجراءات طبية طارئة.

ويعمل الفريق الجراحي في غرفة العمليات بدون إضاءة كافية وبدون تهوية، ويشكون باستمرار من الإمكانات والإمدادات المحدودة، بما في ذلك أنواع وأحجام الخيوط الجراحية.

ويعاني فريق التخدير بسبب نقص إمدادات الأكسجين وتعطّل أجهزة التنفس الصناعي باستمرار.

قال الطبيب محمد: “ظروف العمل محبطة للغاية، تؤثر على سرعة وجودة إنجازنا للعمل”.

 لكن التجربة جعلت الطاقم الطبي يحقق إنجازاً كبيراً

غير أنه يوضح أن غياب المعدات والأدوية ينمّي قدرة الطاقم الطبي على التعامل مع التحديات المختلفة باستخدام مهارات التفكير السريع والتكيف والارتجال، فيما يُعرف بـ “النظام D”، أي أن تفعل أقصى ما يمكنك فعله بما لديك من موارد وإمكانات.

 لم تصل المعركة الجارية في طرابلس إلى هذا المستشفى بعد، ولكن العديد من المنشآت الطبية الأخرى في العاصمة تعرضت للقصف.

وبالرغم من عدم شعور أي شخص بالأمان في العاصمة طرابلس هذه الأيام، قال الطبيب محمد إن المستشفى مستمر في تقديم أفضل ما يمكن للمرضى، في أحلك وأصعب الظروف.

صورة هذه الطفلة لن تذهب من ذهني 

وقال: “لقد رأيت الكثير من الدماء وعالجت إصابات بالغة خلال تجربتي القصيرة، ولكن علاج الأطفال المصابين أمر مختلف، خاصة إذا كانوا أطفالاً صغاراً جداً من ضحايا القصف”.

ويشير بذلك الطبيب إلى إحدى نوباته الليلية في الفترة الأخيرة، عندما نُقل العديد من الأطفال إلى المستشفى في نفس الوقت بعد تعرض منازلهم في طرابلس للقصف، وكان عليه أن يتخذ القرار الصعب وتحديد من يتلقى العلاج أولاً.

من بين الأطفال كانت هناك طفلة تبلغ من العمر عامين، في حالة صدمة وعدم استجابة؛ يقول الطبيب محمد إنه ظل يرى وجهها الشاحب المصدوم في ذهنه لعدة أيام بعد الواقعة.

وبفضل الوعي الذاتي الذي يتمتع به الطبيب، كان مدركاً للآثار النفسية المحتملة لعمله، وشخّص نفسه مصاباً باضطراب ما بعد الصدمة بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب في طرابلس.

لكن الأطقم الطبية لا تحصل على أي تدريب أو دعم نفسي، برغم وجود قسم علاج نفسي في المستشفى. يمكن للطبيب أن يُحيل المرضى إلى هذا القسم، ولكنه لا يشعر بالقدرة على طلب المساعدة لنفسه هناك.

وبدلاً من ذلك، يعتمد الطبيب على شبكة صغيرة من الأطباء الشباب العاملين في أقسام الصدمات في جميع أنحاء العاصمة، يعملون بمثابة مجموعة دعم غير رسمية لبعضهم، ويتشاركون قصصهم، وإحباطاتهم، وأحزانهم الشخصية، وتجاربهم الصادمة.

لا أجور منذ 3 سنوات.. ما الذي يبقيه في هذا الدمار؟

وبرغم وجود عقد حكومي، يعمل الطبيب محمد بشكل شبه مجاني. ويقول إن بعض زملائه لم يحصلوا على رواتبهم منذ عامين، وإنه لا يتوقع أن يحصل على راتبه المتأخر لأكثر من ثلاث سنوات، وربما لن يحصل على أي راتب على الإطلاق.

يأمل الدكتور محمد في أن يكون عمله الحالي في المنشآت الصحية محدودة الإمكانيات بمثابة تدريب جيد للمستقبل، وأن يؤهله ذلك لمقارعة أبرز الأطباء الحاصلين على الدرجات العلمية المرموقة التي تفوق شهاداته الليبية.

وقال: “لأنني أتطلع إلى هذا الهدف، أتحمل العمل في هذه البيئة بالغة السوء، لكي أتعلم وأكتسب الخبرات لأنني أعلم أنني في المستقبل إذا حاولت العمل في الخارج، سوف يكون الأطباء الآخرون دارسين في كليات طبية أفضل مما لدينا هنا في ليبيا، لذا آمل أن تساعدني خبرتي التي أكتسبها حالياً من خلال تقديم الرعاية الصحية للمرضى في تلك الظروف المزرية. إضافة إلى أن عملي الحالي يمنحني الرغبة، على نحو لا يمكنني وصفه، في الاستمرار بهذه المهنة”.

____________