Minbar Libya

قصة عملية إيريني التي يرفضها الجميع عدا باريس

على الرغم من معارضة حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً، وعدم إقرار مجلس الأمن الدولي بها، شرع الاتحاد الأوروبي في تنفيذ عملية “إيريني” البحرية، التي تتصدرها فرنسا، أكبر داعم أوروبي للواء المتقاعد خليفة حفتر، تحت شعار “حظر توريد السلاح إلى ليبيا”.

في حين إن الهدف الحقيقي لفرنسا على وجه الخصوص من وراء العملية، حرمان طرابلس من أي دعم عسكري تركي للدفاع عن نفسها في وجه هجوم ميليشيات حفتر.

ما هي عملية إيريني؟

فعملية “إيريني” (السلام/ باللغة اليونانية)، التي انطلقت رسمياً في 1 أبريل/نيسان الماضي، لم يبدأ تنفيذها إلا في 26 أبريل/نيسان، عبر طائرة دورية من لوكسمبورغ، انطلقت من قاعدة سيغونيلا الجوية في جزيرة صقلية الإيطالية، وحلقت قبالة السواحل الشرقية لليبيا، قبل أن تعود لقواعدها.

ثم تلاها إرسال فرنسا لفرقاطة “أكونيت”، التي بإمكانها حمل طوافة، في إطار عملية إيريني، قبل أن تعلن وزارة الدفاع الفرنسية، عبر موقعها الإلكتروني، إرسال فرقاطة ثانية “جون بار” المضادة للطائرات، في 4 مايو/أيار الجاري.

ومن المنتظر إرسال سفينتين من إيطاليا واليونان في الأيام القادمة، وطائرتي دورية من ألمانيا وبولندا، وفريق من مالطا لمراقبة الحمولات.

كما صادق البرلمان الألماني، الخميس، على مشاركة 300 جندي وضابط في “إيريني”، إلى غاية 30 أبريل/نيسان 2021، التي تشمل الجوانب البحرية والجوية والمراقبة بالأقمار الصناعية.

وتأتي هذه العملية الجديدة، عقب فشل عملية “صوفيا”، التي أُطلقت في 2015، لمكافحة الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، بينما تهدف “إيريني” حسبما هو معلن، لمنع تدفق الأسلحة إلى ليبيا، بالإضافة إلى جمع المعلومات عن تهريب النفط، وتعزيز خفر السواحل الليبي، دون أن تشمل مهام التدخل لمنع تهريب البشر، وإنقاذ المهاجرين.

وكانت النمسا والمجر طلبتا، أن لا يكون من مهام عملية إيريني إنقاذ المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط، حتى لا تتفاقم أعداد طالبي اللجوء في أوروبا، بحسب إعلام أوروبي.

رفض ليبي للعملية

لم تتأخر الحكومة الليبية في إعلان رفضها لعملية إيريني، حيث قال رئيس المجلس الرئاسي للحكومة فائز السراج، “لم نتوقع ألا تفرق دول الاتحاد الأوروبي بين المعتدي والمعتدى عليه، وتنحاز للمعتدي وتضيق الخناق على حكومة الوفاق الوطني، متناسين أنها الحكومة الشرعية التي اعترفتم بها”.

وأعرب السراج، في رسالته إلى رئيس البرلمان الأوروبي ديفيد ساسولي، التي نشرها على حسابه بفيسبوك، في 23 أبريل/نيسان الماضي، عن استياء حكومته من “انتقاء المجلس الأوروبي لقرار مجلس الأمن رقم 2292 لسنة 2016، وتغافله عن بقية القرارات بشأن مراقبة الحدود البرية والجوية”، في إشارة لتهريب السلاح إلى حفتر جواً وبراً.

كما وجّه وزير الخارجية الليبي محمد سيالة، في 2 أبريل/نيسان، رسالة إلى مجلس الأمن، أشار فيها إلى أن “خطة الاتحاد الأوروبي لمراقبة حظر توريد الأسلحة لليبيا غير كافية، ولم يتم التشاور حولها مع حكومة الوفاق، كما تنص قرارات مجلس الأمن”.

وفي 1 مايو/أيار الجاري، جدد وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا، لمسؤولين في خارجية الاتحاد الأوروبي، رفض حكومة بلاده لعملية إيريني بشكلها الحالي، لأنها “تستهدف عملياً فقط إيقاف الدعم الشرعي عن حكومة الوفاق، ولا توقف وصول الأسلحة الى الانقلابي حفتر براً وجواً”.

ولم يقتصر الأمر على رفض الحكومة الليبية، بل تعداه إلى تحفظ روسي على عملية إيريني دون أخذ موافقة مجلس الأمن.

فخلال مناقشة عملية إيريني بمجلس الأمن الدولي، مساء 8 أبريل/نيسان، شككت روسيا وحتى جنوب إفريقيا، في أن قرار مجلس الأمن يشمل العملية الأوروبية الجديدة.

كما شدد مفوض مجلس السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي، الجزائري إسماعيل شرقي، على أن تكون عملية إيريني “شفافة وشاملة لجميع حدود ليبيا”، في إشارة إلى أنها غير متوازنة ولا تشمل مراقبة الحدود الشرقية التي يتدفق منها السلاح المصري والإماراتي إلى ميليشيات حفتر، وتستهدف طرفاً دون آخر.

خلافات أوروبية حول إيريني

ووصل التململ إلى داخل الاتحاد الأوروبي ذاته، بعد أن لوحت مالطا، التي تعد أقرب دولة أوروبية للسواحل الليبية، بوقف الدعم المالي والعسكري لعملية “إيريني”، لعدم تلقيها الدعم الكافي من الاتحاد في أزمة المهاجرين.

كما تأجل إطلاق “إيريني”، قرابة شهر بسبب خلاف بين إيطاليا واليونان حول قيادتها، لكن اتفق الاتحاد الأوروبي على تداول القيادة بين البلدين كل ستة أشهر، بحسب موقع “دي دبليو” الألماني.

فاليونان تسعى لقيادة “إيريني” لإجهاض الاتفاقية التركية الليبية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، بينما لا تزال إيطاليا تعتبر نفسها وصية على طرابلس بحكم احتلالها للبلاد ما بين 1911 و1942.

لكن فرنسا تبدو أكثر الدول تحمساً لتوجيه إيريني وفق أجندتها الخاصة، حتى وإن لم تتول قيادتها مباشرة، بدليل مسارعتها لإرسال فرقاطتين للسواحل الليبية، وهي أكبر مشاركة عسكرية لدولة أوروبية في هذه العملية لحد الآن.

والمفارقة أن فرنسا التي ضُبطت أسلحتها لدى ميليشيات حفتر عند تحرير مدينة غريان (100 كلم جنوب طرابلس) خارقة بذلك قرار مجلس الأمن حول حظر الأسلحة إلى ليبيا، تتصدر مشهد منع تدفق الأسلحة إلى نفس البلد، مثلما يقول المثل الفرنسي “يرتدي قبعتين”.

فإيريني، ليست بهدف تشجيع الفرقاء الليبيين على وقف الحرب، بقدر ما هي لحماية المصالح الأوروبية، وهو ما أفصحت عنه وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي، في تغريدة نشرتها في 7 مايو/أيار الجاري، حيث كتبت “تشارك فرنسا في عملية إيريني بفرقاطة، مهمتها فرض حظر الأسلحة على ليبيا.. أحيي أوروبا التي تدافع عن مصالحها الاستراتيجية”.

فاختلاف المصالح بين الأوروبيين، والرفض الليبي لهذه العملية، والتوجس الروسي والإفريقي من حقيقة خلفياتها وأهدافها، يصعب من إمكانية نجاحها، خصوصاً وأن الولايات المتحدة الأمريكية وإن لم تعارضها علناً إلا أنها لم تشارك في دعمها مالياً ولوجستياً.

وتوقع الباحثان الأمريكيان نايت ويلسون، وتوماس هيل، في معهد الولايات المتحدة للسلام، الذي أسسه الكونغرس، عدم تنفيذ تدابير عملية “إيريني” بشكل شامل أو بطريقة محايدة؛ بسبب تضارب المصالح بين مختلف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كما سيتعين عليهم المخاطرة بإغضاب تركيا.

وتأتي إيريني، في ظرف دولي حساس، إذ تعاني أوروبا من اجتياح لفيروس كورونا لبلدانها، ما يفاقم الأعباء على الدول المشاركة فيها.

حيث أقرت وزيرة الجيوش الفرنسية، في منتصف أبريل/نيسان الماضي، إصابة 1081 من عناصر البحرية الفرنسية العاملين على متن حاملة الطائرات شارل ديغول، والسفن المرافقة لها، بكورونا من إجمالي 2300 عنصر، وعودتها إلى سواحل البلاد بعدما كانت تبحر في المحيط الأطلسي.

والمثير للانتباه أن تسريع فرنسا عملية تفعيل إيريني حتى قبل اكتمال تشكيلتها البحرية، التي تضم 4 سفن بحرية و3 طائرات دورية، تزامنَ مع انتصارات حققتها القوات الحكومية الليبية على الأرض، بعد إطلاقها عملية عاصفة السلام، في 25 مارس/آذار، تلاها طرد ميليشيات حفتر من 8 مناطق استراتيجية بينها مدينتا صرمان وصبراتة (غرب)، في 13 أبريل/نيسان، وحصار مدينة ترهونة في 19 عملية “إيريني” والهجوم وتطويق قاعدة الوطية في 5 مايو/أيار الجاري.

لذلك فإيريني، بمثابة حبل نجاة أُطلق لحفتر، لإنقاذ ميليشياته من حافة الانهيار في المنطقة الغربية، وإبقائه جزءاً من العملية السياسية في ليبيا رغم أنف الحكومة الشرعية.

______________