Minbar Libya

بقلم مختار غميض

مع تزايد الضربات على قاعدة الوطية الجوية الإستراتيجية، أصبح حلم قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر الحفاظ على تمركزاتها في المنطقة الغربية الليبية، وبعد سنة من التحشيد والتهديد بساعات الصفر لاقتحام قلب العاصمة طرابلس.

.الجزء الثاني

ـ تحييد قاعدة الوطية

تمهيدا لاقتحامهما الأخير، تتعرض مدينة ترهونة شرق العاصمة إضافة إلى قاعدة الوطية العسكرية جنوب غرب العاصمة الليبية لغارات جوية مركّزة منذ نهاية مارس الماضي لإنهاء التواجد العسكري لقوات حفتر والقوات المساندة له.

أولاّ لابد من الإشارة إلى أن قوات الوفاق تمكنت من تحييد هذه القاعدة الجوية وإخراجها عن الخدمة وشلّ مهامها لكن دون استرجعها، ثم يمكن القول إنّ قوات الوفاق لم تفوّت فرصة الاستفادة من الزخم الشعبي والإقليمي المساند لها بعد انتصارات المناطق الغربية فذهبت في مخطط محاصرة القاعدة الإستراتيجية جنوب غرب العاصمة، وربما إعطاء المتواجدين فيها مهلة محددة.

المهلة تشمل خيارات إمّا تسليم أنفسهم وأسلحتهم أو قصفهم واقتحام المكان وعدم إهدار الوقت واستغلال الفرصة الذهبية التي ستمثل شرارة لتحرير المنطقة الغربية بالكامل ومن ثمة التوجه إلى الجنوب والشرق لاستردادهما .

ويعود تردّد قوات عاصفة السلامإلى معطى قبلي وهو أن قوات الزنتان والرجبان تحوي مجموعات تدين بالولاء لحفتر وأخرى تابعة لقوات الوفاق الوطني وهي اختلافات سياسية.

لكن لا يمكن اختزال تلك المدن والقبائل بل إقليم جبل نفوسة في منطقتين صغيرتين لتبقى الوطية خنجرا عسكريا في ظهر قوات الوفاق في الوقت الذي يمكن فيه إدارة الخلاف عبر صندوق الانتخابات لا بصندوق الذخيرة على حد عبارة الناطق باسم حفتر.

وقد أدّى قصف طائرات الإمارات لقوات مدينة جادو إلى مقتل عناصرها في طريقهم لاعتراض قوات حفتر المنسحبين من قاعدة الوطية.

وبعيدا عن رواية وجود مستشار ولي عهد أبو ظبي الفلسطيني محمد دحلان فى قاعدة الوطية العسكرية نظرا لكونه مطلوبا، فلو كان موجودا لدخلت إليه القوات الخاصة التركية، ثم هو مهم للصهاينة لو كان موجودا لأنقذوه قبل أن نسمع به.

كل هذه الهرطقات يبدو أنها لصرف نظر الأتراك على مناطق الشرق لكسب مزيد من الوقت وجلب الدعم وربما تحريك خلاياهم في الغرب.

وبالتالي فإن الأغلب أن القاعدة تحوي عناصر استخباراتية من إماراتيين وروس وفرنسيين ولا علم عن حجم القوات الأجنبية المتواجدة هناك، كما لا ننتظر علما من أحد كما حدث في فضيحة غرفة عملية غريان مع تواجد الاستخباراتيين الفرنسيين وسلاح جافلين، وقبلها بسنوات فضيحة سقوط طائرتهم في بنغازي التي تقاتل إلى جانب عناصر حفتر.

ويُعزى التعثّر في مسار استرجاع الوطية كذلك إلى خلافات قبلية بين قبائل الزنتان أنفسهم والرجبان، مما أخّر الحسم وإمكانية تأثير ذلك على أي تحرك شرقا، بينما شددت قوات البركان مراقبتها للقاعدة جويا ومحاصرتها بريا، ووجهت ضربات متتالية بين الحين والآخر.

ويرجح استمرارها في ذلك على مراحل حتى إخضاعها بالكامل في عملية استنزاف مستمر لقدراتها في حال لم يتم اقتاحمها في عملية خاطفة، وهي الحل الذي يبدو أقرب للواقع وأقل خسائر بشرية للوفاق في انتظار ما إذا قد يسفر عن المفاوضات القبلية بين أنصار قائدي المنطقة الغربية من المعسكرين أسامة الجويلي وإدريس مادي.

أو ربما تخضع لاتفاق بين الفرقاء القبليين كعادة الخلافات الاجتماعية، وعموما فان القاعدة معزولة جويا وبريا مما قد يمهّد للسيطرة عليها واستعمالها، ويبدو أن تأجيل اقتحامها جاء في إطار خطة تعطي الأولوية لترهونةبني وليد لقطع طرق العتاد عن محاور جنوب طرابلس.

أما عن تدخل القوى الكبرى كالروس وفرنسا لإنقاذ عناصر لهم بالقاعدة فذلك محتمل دبلوماسيا والتنسيق جار مع تركيا لتجنب خيار استهداف شخصيات مّا، وما تنصيب فرنسا لرادارات تجسسية جرى الحديث عليها مؤخرا، تديرها شمال طرابلس تحت غطاء شركة طوطال، إلا تحسبا لمثل هذه الإشكاليات.

هذه العمليات إذا احتدمت فستتحوّل إلى معارك كسر عظم خاصة مع تزويد حفتر بمنظومة دفاع جوي من كيان الاحتلال الصهيوني مؤخرا ومع إرسال الإمارات المزيد من منظومة بانتاسيرباتجاه سرت ستتم إدراتها من طرف كوادر روسية.

وبالتالي قد تدفع سياسة التحالفات نحو حرب كبرى، مع أن هذا الاحتمال يبقى ضعيفا مع حديث الإعلام الموالي للكرامة عن تخلّي روسيا عن مصالحها لصالح تركيا.

ثانيا: الهجوم على ترهونة ومآلاته

تُعدّ مدينة ترهونة بمثابة القاعدة الخلفية التي تنطلق منها هجمات قوات حفتر على الضواحي الجنوبية لطرابلس، بالتالي فإن سقوط ترهونة هو سقوط لآخر قلاع حفتر بالكامل، وجغرافيًّا هي امتداد لطرابلس ومنطقة معزولة ويساعد ابتعادها عن البحر قوات الوفاق في حصارها.

وبالتالي التضييق أكثر على المقاتلين داخلها رغم معرفتهم جيدا بالمنطقة وعلى قوات الفاغنرالروسية عالية التدريب، فلم يبق بالتالي لهم إلاّ الاستسلام، بعد عزل مدينة بني وليد التي يمكن فصلها بسهولة عن ترهونة.

ويبدو أن قوات البركان تعمل منذ أشهر على هذه المرحلة الهجومية، وقلة خسائرها حاليا في العتاد والأرواح يؤكد الإعداد الجيّد بريّا، وخيرت قوات الوفاق الذهاب إلى ترهونة على مرحلتين:

ـ اتسمت المرحلة الأولى بتمهيد بري حتى الحدود الإدارية للمدينة تمكنت فيها من قتل أكثر من عشرة مسلحين وأسر أكثر من 100 آخرين حسب غرفة بركان الغضب.

ـ أما المرحلة الثانية فتضمنت القصف بالقذائف لتمركزات القوات المعادية وسط غطاء جوي من الطيران المُسير الذي ألقى مناشير للتأثير على معنويات وهمم قوات حفتر والمساندين لهم بالداخل، وتحقيق هدفها بإبعاد الناس عن المسلحين الذي طالبتهم بالاستسلام مقابل ضمان محاكمة سريعة وعادلة، وكُتبت المناشير بالروسية أيضا موجهة لمجاميع فاغنر.

ـ وتبدو المرحلة الثالثة وشيكة لاقتحام قلب المدينة

كذلك الاعتماد على السلاح الخفيف والمتوسط في البداية والحرب الخاطفة حفاظا على الأرواح وما تم انجازه بالمرحلة الأولى هو السيطرة على أطراف المدينة لتطويقها تمهيداً لاقتحام عمقها بعد إرهاق قوات حفتر وتدمير ذخيرته ومنظوماته الجوية و هو ما يتم التركيز عليه بالمدفعية والضربات الجوية.

الكثافة السكانية كذلك، داخل المدينة التي تمثل تقريبا ثلث سكان العاصمة، ستحتّم على المُهاجمين إتباع أساليب المناورة والاعتماد على الطيران المُسيّر والدرون الصغيرة للتطلع على التحركات في الداخل، ثم تأمين الأماكن المسيطر عليها.

هذا بالتزامن مع عدم إغفال محاور جنوب طرابلس وإلا تكون كمن لم ينجز شيئا على عكس قوات حفتر التي انسحبت من بعض المحاور لتعزز صفوف قواتهم بترهونة، بينما سجلت الوفاق تقدمات بمحور صلاح الدين والطويشة والرملة.

وتسعى قوات الوفاق لمعارك متزامة في جنوب طرابلس وجنوب شرق طرابلس لإجهاد قوات حفتر بعد قصف إمداداتها القادمة من بني وليد، وبالتالي من المرجح أيضا أن يكون استهداف بني وليد قبل الوطية لأنها طريق الإمداد الوحيد لترهونة.

ويعد الهجوم على مدينة ترهونة فجر الـ18 من أبريل الحالي، الخاصرة الرخوة لقوات الوفاق بالضاحية الجنوبية الشرقية حيث تتمركز قوات الكانيات (اللواء التاسع) ومجاميع من الفاغنرالموالين لقوات حفتر، خيارا استراتيجيا لم يعد تأجيله، ولا أمرا قابلا للانتظار من طرف قوات الوفاق، خاصة مع ازدياد عمليات قوات حفتر ضد الأحياء السكنية وقتل الأطفال وتهجير الأهالي وازدياد معاناتهم وقصف المستشفيات وغلق إمدادات العاصفة من الغاز والكهرباء، وقبلها قطع النفط عن كامل ليبيا.

ومنذ خرق قوات حفتر في الـ21 من مارس المنقضي لهدنة إنسانية أممية لمكافحة وباء كورونا قابلتها قوات الوفاق بإعلان الدخول في مرحلة الهجوم ببدء العملية العسكرية عاصفة السلامفجر الـ25 من مارس، بدأت قوات حفتر عمليا في التقهقر معنويا وماديا مع العملية الخاطفة على الوطية وأسر العديد من قواته.

وفي كل هزيمة تتجه قواه لقصف طرابلس، وإرسال قذائفها على سوق الجمعة خير دليل بعد خسارتهم الكبيرة لغنائم وأكثر من مائة أسير في جبهة ترهونة بينما لم تشهد قوات الوفاق خسائر تذكر .

وبالتالي كان الهجوم على ترهونة رسالة لحفتر وداعميه على أن خيار العسكرة فاشل مقابل تمسك الليبيين بحقهم في الدولة المدنية وهذا ما أعربوا عنه في تظاهراتهم بالآلاف المؤلفة خلال إحياء ذكرى الثورة في كل المدن، ومن هنا هو تفويض شعبي لقوات الوفاق بالتقدم لفرض السلم والأمن لعدم قصف العاصمة، وهي رسالة للمجتمع الدولي بوجوب وقف دعم حفتر ومدّه بالسلاح.

***

مختار غميض ـ صحفي تونسي

______________