Minbar Libya

بقلم مختار غميض

مع تزايد الضربات على قاعدة الوطية الجوية الإستراتيجية، أصبح حلم قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر الحفاظ على تمركزاتها في المنطقة الغربية الليبية، وبعد سنة من التحشيد والتهديد بساعات الصفر لاقتحام قلب العاصمة طرابلس.

.الجزء الثالث

ـ مآلات الهجوم على ترهونة

لا معطيات تفيد بقرب توقف المرحلة الهجومية التي أطلقتها قوات بركان الغضب تحت اسم عاصفة السلام، بل كل المؤشرات تفيد بالذهاب قدما في التصعيد داخليا وخارجيا، وتركيا عاقدة العزم على المضي قُدما نحو دعم قوات الوفاق وهذا معلن وتؤكده المناورات التي أجراها سلاح الجو والبحرية التركية في المتوسط يوم الـ17 من الشهر الجاري، وذلك كردّ مباشر وصريح على عملية إيرينيالتي أعلنت عنها أوروبا مؤخراً.

وهذه الإمكانيات التركية صارت جاهزة لتقديم الدعم الفني واللوجستي لحكومة الوفاق الشرعية والمعترف بها دوليًا وفقاً لمذكرة التفاهم الأمنية والعسكرية التي وقعتها طرابلس وأنقرة في نوفمبر 2019.

وبعيدا عمّا إذا كانت هناك قوات خاصة تركية على الأرض وهو ما رفضه قطاع واسع من الليبيين، فان ما من شك أن الطائرات بدون طيار التركية (بيرقدار) والقتالية التركية (إف 16) التي دخلت يوم هجوم الوفاق على ترهونة المجال الجوي للسواحل الليبية، إضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي المضادة للطائرات حصارالمزودة بصواريخ أرض _جو والموجهة بـالليزر.

هذه الأنظمة دخلت ليبيا منتصف يناير الماضي، حيث أصبحت حائلا دون وصول طيران حفتر إلى سماء المنطقة الغربية بعد أن كان طيران حفتر يمتلك الأجواء الليبية، وقد أسقطت المنظومة الدفاعية تلك الطائرات المسيرة صينية الصنع نوع وينق لونقآخر مرة بمحيط أبو قرين.

كل ذلك ستتشكل على ضوئه خريطة طريق للعمليات العسكرية لمرحلة ما بعد ترهونة حيث سيقع التركيز على قطع طرق الإمداد عن ميليشيا حفتر المتواجدة في كثير من الأماكن، لتبقى مسألة بوقربن والوشكة وسرت مسألة وقت لا غير، وربما تميل قوات الوفاق إلى السيطرة على الهلال النفطي، مرورا باجدابيا حيث هناك غضب واحتقان شعبي معلن مع حديث عن إحداث سواتر ترابية في المدينة الأكثر دفعا بالمقاتلين نحو طرابلس، تحسبا لأي طارئ.

وبالتالي بات دفن مشروع الحالمين بعودة نظام الاستبداد والعسكرة إلى الواجهة من جديد أو المتحالفين معه من جماعة حفتر رغم الانقسامات الشديدة بينهم، أمرا واردا.
وعليه وليس في حاجة لتأكيد، فان استرجاع ترهونة بالكامل أو إذا تعذّر إخضاعها سلميّا عبر ضمانات وعقود اجتماعية قبلية، مؤذن بانهيار جبهة حفتر في الغرب الليبي، بل ستصل الهزات الارتدادية حتى الرجمة مقر حفتر، وهو ما أكده الناطق باسم قوات بركان الغضبمن أن الأيام أو الساعات القادمة ستعود ترهونة لحضن الشرعية.

أما حلفاء حفتر، فلهم شأن يغنيهم حاليا وسيزدادون غنى عنه، في حين تسعى منظمات حقوقية ليبية لإجراءات ملاحقة لحفتر بارتكاب جرائم منذ ست سنوات، وتقديم أدلة قانونية للمحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والحكومة الأمريكية.

تزامت تلك الجهود مع اعتراف تقرير أممي للأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، بأن طيران حفتر مسؤول عن مقتل 32 طالبا من كلية طرابلس العسكرية في الرابع من يناير الماضي، وتنفيذ أكثر من 1000 غارة تسببت بمقتل أطفال ومهاجرين ودمار منشآت عامة وخاصة وعسكرية منذ الرابع من أبريل نيسان الماضي.

ثالثا: تداعيات المعركة ودور طرابلس

ـ نتائج المعركة

بعد أن باتت كتائب حفتر محاصرة في الغرب وتتأثر ولا تؤثر، بات أيضا حفتر شبه محاصر سياسيا، حيث تسربت معلومات من شخصيات نافذة موالية له عن زيارة خليفة حفتر هذا الأسبوع إلى حليفه المصري الأكبر عبد الفتاح السيسي وطلب وساطة أجنبية لدى المجلس الرئاسي، وأعلان استعداده لسحب قواته للشرق لكن بشرط بقائه رقما في المعادلة السياسية.

ومن الواضح أن مصر لا ترغب في دخول حرب مع تركيا، وسبقت الإشارة قبل شهر إلى أن حفتر طلب من مصر التدخل لإبعاد البوارج التركية عن السواحل الليبية، وهو ما أكده راديو فرنسا الدولي، وهذه كلها مؤشرات تفيد بضعف احتمال توسع الصراع إلى حرب كبرى واستفراد تركيا بالمشهد.

و في ظل غياب وسيط أممي بعد استقالة غسان سلامة وتعويضه بنائبته، ومع استمرار رحلة البحث عن وسيط جديد، ظهرت لأوّل مرة دعوات للحوار، بينما أصبحت كل القوى الدولية شبه مقتنعة في ظل انشغالها بأزمة وباء كورونا، بأن طرابلس عازمة على المواجهة مكرهة.

ومع تقدم قوات الوفاق وسيطرتها بريا وجويا ودخول تركيا بقوة لتحييد سلاح الجو التابع لحفتر، لا غرابة أن تظهر دعوات للحوار وهي ليست بالسابقة في تاريخ حفتر القريب، حيث طالما لعب على عامل الوقت حسب قوته وحضور جماعته على الميدان، كذلك ما اقترحه بعض مشايخ بني وليد بدعوى الوساطة بين مصراته وترهونة وحقن الدماء، مصراته التي ظلت لست سنوات مع الحوارات الأممية ومساراتها.

كذلك زار وفد من ترهونة على رأسه رئيس مجلس أعيانها صالح الفاندي مدينة بني وليد للاطلاع على رد مصراته الذي كان صريحا منذ زيارة الوفد الأول بأن الأوان قد فات.

ومن تلك الدعوات للحوار ما اقترحه موالون لمعسكر حفتر مؤخرا من ضرورة حل ليبي للأزمة بقيادة شخصيات ليبية من غير السياسيين والعسكريين في اجتماع داخل ليبيا وبإشراف الأمم المتحدة لوضع ميثاق ملزم لجميع الفرقاء، وتبدو الدعوة كذلك للاستهلاك، ومثيرة للتساؤل عن الفرق بينها وبين المؤتمر الليبي الجامع الذي أطاح به أمير الحرب حفتر في الرابع من أبريل من العام الماضي، كما أطاح بالاتفاق السياسي بالصخيرات بعد هجومه على بنغازي.

لذلك يبدو أن حلف الوفاق قد تجاوز مسألة العودة للحوار قبل سيطرته على مناطقه الغربية فقد فُقدت الثقة في حفتر، ولم يعد ينظر إليه بعض مؤيديه كـ رجل ليبيا القويالذي يمكن المراهنة عليه، بعد أن كان من الممكن أن يكون رقما في المعادلة، ولهذا فلا غرابة أن يعود حفتر مجددا إلى استعطاف الحلفاء إلى طاولة الحوار السياسي، هذا إذا وجد من يستمع إليه.

ومن هنا صحّت توقعات الرئيس الأمريكي سبتمبر الماضي في اجتماع ترامب بالسيسي، رفض فيه دخول حفتر لطرابلس، الذي قال إنه لن يحسم الحرب، رغم تكفل السيسي لترامب حينها بالترويج لحفتر.

وعُرفت الإدارة الأمريكية على مدى سنوات بوقوفها مع الجهود الأممية، تماما كما صحّ قول نيويورك تايمزإنّ موسكو تعلم مسبقا أنّ حفتر سيفشل في غزو طرابلس رغم دعم المرتزقة الروس، ورغم دعم وليي عهد السعودية وأبو ظبي، ورغم آلاف المرتزقة السودانيين من جنجويد.

وهذا كله يفيد بأنّ حفتر فشل في فرض نفسه أماما العالم كحلّ لحالة الفوضى في ليبيا منذ سقوط نظام القذافي، وفق وصف الإعلام الغربي، بل إن حفتر أشهد العالم على فشله بعد وعوده للغرب باحتلال طرابلس في يومين، الأمر الذي وافقت عليه أمريكا بشرط أن يكون بسرعة وهو ما أوردته نيويورك تايمزبتاريخ 14 أبريل الجاري، وقد بدأ حفتر في قصف العاصمة بعد يوم فقط من اتصال مع ترامب .

ـ دور طرابلس

مع تجدد الدعوات الأممية للعودة إلى طاولة المفاوضات مع هزيمة قوات حفتر على الأرض ومحاولة تعلقه بقشة الحوار في مسعى لانتشال نفسه من المستنقع الآسن بطرابلس، تزايدت الانتقادات الكبيرة التي تم توجيهها من الإعلام المساند لقوات الوفاق إلى المجلس الرئاسي لضعفه الكبير دبلوماسيا، وعسكريا في دعم الجبهات وحسم المعركة.

حظي هذا الضغط بتجاوب من رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج وما رفضُهُ لدعوات وقف إطلاق النار وهو لأول مرة منه، إلا رسالة واضحة على استنفاذ كل الجهود والآمال من مزاعم حفتر في السلام.

كذلك خروج السراج تلفزيونيا مع قادة وأمراء المناطق عشية إعلان الانتصار على مدن الشريط الساحلي بأقل الخسائر البشرية إلا حجة بالغة، وهذا لا يعني حتما أن المعركة انتهت بل ستشجعه على الحرص أكثر على حقن الدم المسفوك يوميا ومواصلة السعي نحو الحسم العسكري ولو دون إجراء تغيير حكومي أو تشكيل حكومة حرب.

لكن مع ذلك فان الاختبار الحقيقي لحكومة الوفاق هو في كيفية رسم مستقبل الحوار وشكل الدولة وإرساء قواعد الأمن واحترام المواطن البسيط وضمان حقوقه المادية والمعنوية في المناطق المكتسحة والعمل بسياسة احتواء المخالفين ونبذ الانتقام، وخاصة تقديم صورة إيجابية للداخل وللإقليم والعالم.

سياسيا، كذلك فان المسؤولية مشتركة بين الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب في طرابلس للتوافق على خارطة طريق لإظهار أن التقدم العسكري يوازيه تقدم سياسي، في إستراتيجية واضحة لكيفية التعاطي مع الأزمة، وربما وضع خطة لاحتضان كل الوطن.

وبالتالي إمكانية وضع توجهات لمقاومة المد العسكري بالجنوب والشرق، وخاصة الجنوب، أوّلا لقبوله بسلطة الوفاق ثم وخاصة مع ظهور حركات تململ من حكم حفتر مؤخرا ببعض المدن.

وخارجيًّا على المجلس الرئاسي أن يوجّه رسالة واضحة للأمم المتحدة لتكف يدها عن التدخل في الشأن الليبي وتركه للفاعلين في الداخل، وعليه قراءة الأمور كما يجب لا كما يراها المتدخلون العابثون بمصير ليبيا.

خاتمة

بعد انقلاب حفتر على مؤسساته الموازية، وظهور خلاف بينه وبين رئيس برلمانه عقيلة صالح، إضافة إلى بروز دعوات بين قبائل الشرق (العبيدات) لرفض انقلاب حفتر على البرلمان واتفاق الصخيرات، بات من غير شك مدى إدراك معسكر حفتر لانقلاب موازين القوى العسكرية على الساحة الليبية بعد أكثر من سنة دموية في معركة حفتر لسحب الشرعية من حكومة الوفاق.

وجاء ذلك بفضل الطائرات التركية، التي أصبحت تضعف حفتر أكثر فأكثر وهذا ما أقرت به فرنسا الحليف الأكبر لطبرق، فها هو اليوم يتمنى الحفاظ على معاقله الأخيرة في ترهونة وقاعدة الوطية الجوية، بفعل الطائرات التركية المتطورة وطائرات التشويش التي تجوب السواحل الليبية من شرق طبرق إلى غرب زوارة.

وهذه المعطيات تنضاف إلى تأثيرات وباء كورونا وانهيار سعر النفط على أكبر مموّلي حفتر السعودية والإمارات التي اقترضت مليارات الدولارات لتعويض السيولة التي فقدتها من تراجع أسعار النفط.

كلها هذه العوامل قد تجعل حفتر ينادي بالحوار مجددا وقد لا يجده، بينما يفكر حلفاؤه في نقل المعركة إلى سوريا فقط لإجهاد تركيا وليس نصرة لقوات حفتر، في حين أن دولا مثل روسيا من الممكن أن تتخلى عن حفتر كما تركت نظام القذافي يواجه مصيره خلال ثورة فبراير.

***

مختار غميض ـ صحفي تونسي

_____________________