Minbar Libya

بقلم عصام عبد الشافي

في ظل التطورات التي شهدتها الأزمة الليبية منذ بداية العام الجاري (2020)، ومع تصاعد الحديث عن الدور التركي في الأزمة، وما يمكن أن يصنعه من فرق في إطار دعم الشرعية الليبية، تبرز مجموعة من المقترحات والاعتبارات الأساسية، ينبغي على الطرفين، التركي والليبي، التفكير فيها بجدية، والعمل على تفعيل ما يمكن القيام به منها:

حدود الدور التركي

أهمية التمييز في طبيعة الدور التركي في ليبيا وحدوده بين مستويين أساسيين:

المستوى الأول: أن ينظر إليه الطرفان، التركي والليبي، على أنه تكتيكي مرحلي، يرتبط بإدارة موقف أو أزمة، وهذا يتطلب:

ـ التنسيق بين الحكومتين لخلط الأوراق أمام مختلف الأطراف الإقليمية والدولية ذات الصلة بالقضية الليبية، وخصوصا بعد أن شكلت تركيا ورقة ضغط قوية في مواجهة المحاور المختلفة في المشهد الليبي.

ـ التنسيق بين الحكومتين في عمليات التفاوض ومساراته المختلفة، وأهم القضايا التي تشكل أولويات التفاوض، بحيث يتم التركيز على القضايا الأساسية التي تشكل جوهر الأزمة في ليبيا، وعدم إتاحة الفرصة أمام الأطراف المضادّة لفرض أجندتها على مسارات التفاوض.

المستوى الثاني: أن ينظر إليه الطرفان، التركي والليبي، على أنه استراتيجي، وبالتالي ضرورة العمل على تطوير مستويات وآليات الشراكة الاستراتيجية، ومن ذلك:

ـ البنية المؤسسية: من خلال بناء عدد من المؤسسات (السياسية، الاقتصادية، الأمنية، ..) التي تقوم على تعزيز الشراكة، وتتمتع بالسرعة والفاعلية في عملية اتخاذ القرار وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من سياسات، وربط هذه المؤسسات بقطاعاتٍ واسعةٍ من المواطنين في الدولتين.

ـ البنية التشريعية: وتتمثل في توقيع الاتفاقيات واعتمادها من المؤسسات التشريعية في الدولتين، وإيداع نسخ منها في المنظمات الإقليمية والدولية، لتجنب العبث بها، في حال أي تحول سياسي في الداخل الليبي، وبما يضمن حقوق الطرفين، على أن يتم الاتفاق على آليات لإدارة الأزمات والخلافات التي قد تنشأ بين الطرفين، عند التطبيق الفعلي لهذه الاتفاقيات، لضمان التسويات السلمية لها، وبما لا ينال من علاقاتهما الاستراتيجية.

ـ البنية الاجتماعية: على الطرفين عدم الوقوف عند اتفاقياتٍ نخبوية، بين شخصيات سياسية أو مؤسسات رسمية حكومية فقط، فالأهم هو التوسع في بناء الحاضنة الاجتماعية، وذلك من خلال تعزيز الشراكات الشعبية وبناء كيانات مجتمعية ومؤسسات مجتمع مدني مشتركة،

والتوسع في الاستثمارات والمشروعات كثيفة العمالة في تركيا، ومشروعات البنية التحتية والخدمية في ليبيا، حتى يدرك المواطن العادي أهمية تعزيز علاقات الدولتين.

وهنا يبرز النموذج التركي في الصومال، حيث إنه مع تركيز تركيا على مشروعات البنية التحتية والخدمية، تعزّزت الصورة الذهنية الإيجابية بين المواطنين الصوماليين، وهو ما تحتاجه تركيا في ليبيا في هذه المرحلة.

ـ أن تعمل الحكومة التركية على التأكيد على أن تعاونها مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس برئاسة فايز السراج ليس دعماً لطرف على طرف، وأنها تعمل على تعزيز وحدة الأراضي الليبية وسيادتها، وهذا لن يتحقق بالشعارات، وإنما بالمشروعات الجادّة والمبادرات الواضحة والمحدّدة التي تستهدف مختلف مناطق الدولة الليبية، بكل مكوناتها الاجتماعية وتياراتها السياسية.

ـ التأكيد على أن الدور التركي في ليبيا لا يتحرّك بحرية، ولكنه محكومٌ بدرجة كبيرة بتوازنات إقليمية ودولية، وأدوار فاعلة في الساحة الليبية، ولعل أهم هذه الأدوار؛ الدور الفرنسي، الدور الأميركي، الدور الروسي.

وتنبع هذه الأهمية من إمكانات هذه الدول وقدراتها وطبيعة أهدافها في ليبيا، وكذلك تداخل أدوارها في ليبيا مع أدوار عديدة في قضايا وملفات أخرى مثل: العراق، سورية، غاز شرق المتوسط، اللاجئين، الأمر الذي يتطلب القراءة الكلية لهذه الملفات، وكيف يؤثر كل منها على الآخر، وعدم فصل الملفات في إطار التسويات الاستراتيجية في المنطقة.

أبعاد الدور التركي

ليس من المقبول في المرحلة الراهنة من التعاون التركي ـ الليبي إثارة قضايا جدلية من قبيل هل الدور التركي مصالح أم قيم؟ وهنا تأتي أهمية التأكيد على الاعتبارات التالية:

ـ من يتساءل عن موقع القيم التركية في المعادلة الليبية يجب أن يسأل عن موقع القيم الفرنسية والأميركية والروسية والإيطالية والمصرية والإماراتية والسعودية في المعادلة الليبية، وهل تسعى هذه الدول إلى الدفاع عما تعتبره مصالح استراتيجية، أم أنها تسعى إلى الحفاظ على الإنسان الليبي وحقوقه وحرياته، وتعمل على تعزيز القيم الدينية والأخلاقية في المجتمع الليبي؟

ـ المعيار الأول في علاقات الدول هو حماية المصالح القومية أو الوطنية وتعزيزها، وعلى كل طرف أن يعمل على تعظيم مصالحه في تحالفاته الإقليمية والدولية، وإذا توافق العمل على تعظيم المصالح مع الاتفاق في القيم والمرجعيات والمبادئ يكون من المهم العمل على تعزيزها وترسيخها.

ـ في بناء استراتيجيات السياسات الخارجية للدول، من المهم الرهان على الشعوب والمكونات الاجتماعية الصلبة، وليس فقط على جزء من النخبة السياسية الحاكمة أو المسؤولين السياسيين، لأن المرحلة الراهنة شديدة السيولة في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي التحولات سريعة وعاصفة في النظم السياسية، ومع انهيارها تسقط الرهانات عليها، والاتفاقيات التي تم توقيعها معها،

وبالتالي من المهم مراعاة الأبعاد الاجتماعية والثقافية والفكرية في التحالفات الاستراتيجية، والاستثمار في جماعات أو كيانات متماسكة، يكون من الصعب الفصل بينها وبين حلفائها.

ـ تتطلب الإدارة المشتركة للأزمات من أطرافها وضوح الرؤى، وتحديد الإمكانات والقدرات وتوزيع الأدوار.

لذا من المهم بيان المطلوب من الطرف التركي في معادلة التحالف مع الحكومة الليبية، وكذلك تحديد المطلوب من الأطراف الليبية في معادلة التحالف مع الطرف التركي، وذلك في إدارة المهام والعمليات المشتركة، سواء على مستوى:

التنسيق الأمني والعسكري في الاستراتيجيات والسياسات والأدوات، وبناء الأجهزة الأمنية والعسكرية، وعمليات التسليح والتدريب، وإدارة التحالفات الخارجية وبناء الشراكات الإقليمية، وملفات التفاوض وأولوياتها، وأوراق القوة التي تمتلكها الحكومة الليبية، والفرص التي يوفرها لها الطرف التركي.

توصيات للحكومة التركية

ـ على الحكومة التركية إدراك أن صورتها الذهنية في دول شمال أفريقيا، تواجه تحديات كبيرة، وينالها التشويه الممنهج الذي تقف خلفه أطراف إقليمية ودولية عديدة، ويتم ضخ مبالغ هائلة لتشويه هذه الصورة،

الأمر الذي يتطلب قياسات دقيقة للرأي العام في هذه الدول فيما يتعلق بالموقف من تركيا والعلاقات معها، والوقوف على حجم التشويه في الصورة الذهنية، وتبني عدد من السياسات الإعلامية والاجتماعية والثقافية والفكرية لتحسين هذه الصورة.

ـ على الحكومة التركية تسهيل إجراءات الدخول (التأشيرة) والإقامة للمواطنين الليبيين، حتى يشعر المواطن الليبي العادي أن للاتفاق بين الحكومات انعكاسا مباشرا على حركته واستثماراته في تركيا.

ـ على الحكومة التركية التوسع في المنح التعليمية في المؤسسات الحكومية والوقفية التركية للطلبة الليبيين في مراحل التعليم المختلفة، كإجراء من شأنه أن يرفع ضغوطا كثيرة عن كاهل المواطنين، ويشكل عمقاً استراتيجياً لعلاقات الدولتين.

توصيات للحكومة الليبية

ـ على الحكومة الليبية أن تدرك أن الرهانات على الدول الأوروبية خاسرة، لأن هذه الدول انحازت وبقوة خلال السنوات الخمس الماضية لصالح معسكر اللواء المتمرّد خليفة حفتر،

وبالتالي لم تعد قضيتها مدنية الدولة أو التحول الديمقراطي في ليبيا، بقدر تأمين المصالح الاستراتيجية، وفي مقدمتها الثروات النفطية الليبية، والسيطرة على الموانئ الليبية، والرهان على حفتر وحلفائه الإقليميين في مواجهة قضايا الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة التي يمكن أن تهدّد الدول الأوروبية، مع استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في المشهد الليبي،

وهذا ما يفرض على الحكومة الليبية البحث عن شركاء فاعلين من خارج المنظومة الأوروبية.

ـ على الحكومة الليبية إصلاح الاختلالات الكبيرة في البنية المؤسسية لوزارة الخارجية وممثلياتها الخارجية، وفرض سيطرتها الكاملة عليها من حيث ترشيح رؤساء البعثات الدبلوماسية واختيارهم، وتفعيل دورها في الدفاع عن القضية الليبية، وعدم ارتهان هذه البعثات لأطراف خارجية إقليمية ودولية توجّهها بما يتفق وأجندتها الخاصة في ليبيا.

ـ في مراحل التحول السياسي، وخصوصا في ظل ما تشهده الحالة الليبية، لم تعد قضية الديمقراطية، أولوية للقطاع الأكبر من المواطنين الليبيين، بل أصبحت الأولوية لسد الاحتياجات الأساسية، وتوفير الخدمات اليومية، بعد معاناة تسع سنوات منذ فبراير/ شباط 2011. وهذا يتطلب من الحكومة الليبية:

ـ تبنّي سياسات لبناء الثقة مع المواطنين، من خلال وقف الفساد، وترسيخ قيم النزاهة والشفافية والمحاسبة العادلة،

ـ واختيار الأشخاص وفق الكفاءات والقدرات والخبرات، وليس وفق المحسوبيات والعلاقات الشخصية والانتماءات الضيقة،

ـ وزيادة معدلات الاهتمام بالخدمات العامة (الصحة، التعليم، النقل، النظافة، ..) لما لها من مردودات إيجابية على ثقة المواطنين في حكومته ومؤسساتها في هذه المرحلة.

ـ على الحكومة الليبية وقف خطاب الكراهية والتفتيت والتقسيم في وسائل الإعلام المختلفة، والتي تمتلك أوراق ضغط أو تأثير في مواجهتها.

ـ على الحكومة الليبية تحديد شبكات المصالح في الداخل الليبي وامتداداتها الإقليمية والدولية، وكشف شبكات حفتر وعلاقاته التمويلية والعمل على استهداف هذه الشبكات، وتشكيل جماعات ضغط (لوبيات) في العواصم المؤثرة في المشهد الليبي، لتحديد الأطراف التي تقف خلف هذه الشبكات وكيف يمكن تفكيكها.

ـ على الحكومة الليبية تشكيل لجنة من الخبراء في القانون الدستوري، والنظم السياسية والمراحل الانتقالية، تضطلع بوضع الأطر العامة الضابطة للحركة في المرحلة المقبلة، وتوفر البدائل والسياسات المرنة، لا تلك التي تتفق مع توجهات الحكومة الراهنة،

ولكن تلك التي تحمي الدولة المدنية ومؤسساتها وتعزّز من عملية الانتقال الديمقراطي، أياً كانت توجهات الحكومات القادمة، وتحول دون وجود نظم استبدادية تسلطية مستقبلاً،

وأن تكون هذه اللجنة مستعدّة بالأفكار والتصورات لأي تحولات، وحتى لا تفرض عليها أية أجندات وفق مسارات التفاوض المختلفة، مع العمل على إشراك أطراف من مختلف المناطق الليبية، وخصوصا الشرق والجنوب، باعتبارهم شركاء حقيقيين في تحديد ملامح المستقبل الليبي.

***

عصام عبد الشافي ـ باحث وأكاديمي مصري، دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية، يعمل أستاذاً للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة رشد التركية.

____________