Minbar Libya

تسارعت الأحداث في ليبيا الشقيقة منذ أواسط مارس 2020 وحصلت تغييرات عسكرية كبيرة رافقتها تطورات سياسية فارقة مما جعل المشهد الليبي يشارف على الانقلاب رأسا على عقب.

.الجزء الأول

المقدمة:

كانت البداية متمثلة في هجوم لقوات الكرامة بقيادة المشير خليفة بلقاسم حفتر على العاصمة طرابلس والتلويح بحسم المعركة خلال ساعات أو في أقصى تقدير خلال أيام، لكن الوقائع على أرض الميدان قدّمت صورة مغايرة تماما حيث تكبدت قوات حفتر هزائم متتالية على أيدي حكومة قوات الوفاق الوطني المعترف بها دوليا بقيادة السيد فايز السّراج.

وكان من نتائج هذه الهزائم تحوّل المبادرة بأيدي قوات الوفاق المتمركزة في العاصمة وتغيّر المعادلة من إمكانية سقوط العاصمة إلى اندحار القوّات الغازيةإلى درجة الهزيمة بل وتهديد تموقعها في معقلها بالشرق الليبي حيث برزت بوادر تمردعلى حفتر الذي سارع بإعلان نفسه حاكما عسكريالليبيا في حركة هروب إلى الأمام واستباق إمكانيات عزله من قبل مدعّميه المتمثلين في الحلف الإماراتي السعودي المصري.

بين حسابات الحقل وحسابات البيدر: الحسم في الميدان

أراد حفتر استغلال انشغال العالم بوباء الكورونا وانغلاق أغلب الدول على ذاتها فسارع بإعلان الزحف على العاصمة محاولة منه لحسم معركة التنازع على الحكم .

وهو يعتقد أن وضع حكومة الوفاق بقيادة السيّد فايز السّراج في أضعف الحالات وأن سقوط العاصمة أصبح مسألة وقت لا غير. لقد غفل المشير عن تأثير الأوضاع الكورونيةوالخسائر الاقتصادية الفادحة لكل من الإمارات والسعودية جرّاء تدهور أسعار النفط.

كما غفل عن تأثير المساعدة التركية للحكومة الشرعية في طرابلس إلى جانب الخلافات بين الدول الغربية الأوروبية والأميركية بسبب تضارب مصالحها وحساباتها كل ذلك كان له تأثير قويّ في سير المعارك على أرض الميدان.

إن أغلب قوات حفتر تتكون من مرتزقة كل ولائهم للمال والمكاسب الماديّة في حين تواجهها قوّات الحكومة الشرعيّة المؤمنة بقضيتها والملتزمة بالدفاع عنالعاصمة وعن مصير ليبيا في مواجهة ما يمثله حفتر من عناوين أبرزها العداء الإماراتي السعودي المصري للثورة الليبيّة والأطماع في نفط ليبيا وإقامة نظام تابع برئاسة حفتر المرفوض من أهم القبائل الليبية ومن الغرب الليبي بأسره.

حفتر لا يحظى بالتعاطف الشعبي المأمول في الشرق حيث تهيمن القوات المرتزقة على السكان إلى جانب التناقضات بين الجهة العسكرية بقيادة حفتر والجناح السياسي بقيادة عقيلة صالح ونواب طبرق ووجهاء المنطقة الشرقية في بنغازي وطبرق وسواهما.

وقد خاضت قوات الوفاق معركة التصّدي للهجوم الحفتري باستبسال وتصميم على الحسم، فكانت الانتصارات المتتالية في ظرف أيام معدودة في كامل الحزام المحيط بالعاصمة غربا وجنوبا ووقعت مدن هامّة من أبرزها صبراتة وصرمان وترهونة وغربان والزاوية والعجيلات والجميل ورقدالين وزلطن التي أصبحت محررة بالكامل.

بالإضافة إلى أسر الكثيرين من مرتزقة حفتر وهروب ميليشياته واستيلاء القوّات الشرعية على الكثير من المعدات العسكرية وإسقاط طائرات معادية وقد توّجت هذه الانتصارات بالاستيلاء بالكامل على قاعدة الطويلة العسكرية الجوّية ذات الثقل الاستراتيجي المهمّ.

لقد غيرّت المعارك وما رافقها من انتصارات لقوّات الوفاق الوضع باتجاه إحداث توازن عسكري في الحساب الوطني الليبي العامّ حيث اندحرت قوات حفتر من الغرب الليبي وأصبحت العديد من قواتها محاصرة تماما إلى جانب تزعزع وضعها في الشرق.

ويبدو أنه بعد انتصارات لاحقة في الأيّام الموالية بدا واضحا أن الحسم العسكري الذي كان يلوّح به حفتر قد انتهى بلا رجعة وأنّ البديل الذي أخذ يفرض نفسه هو الحل السياسي ولا شيء سواه.

ومن المؤكد أن الحل السياسي المنتظر والذي تتداخل فيه وتتفاعل معه سلبا وإيجابا الحسابات الإقليمية والدولية لم يعد حفتر يتحكم في مآلاته ولم تعد قوات حكومة الوفاق ضمنه هي الحلقة الضعيفة لأن وضعها على الميدان قد تغيّر بشكل كبير وأصبحت كلمتها في الحل ذات وزن وذات شأن.

وفي هذا السياق تقدم البلاغات العسكرية وسير المعارك ميدانيا العديد من المؤشرات ذات الدلالات التي لا تخفى على أحد.

لقد قامت قوات المشير المتقاعد خليفة بلقاسم حفتريوم 4 أبريل 2020  بشن هجوم على العاصمة طرابلس وتوعد بأنه سيحسم أمر تحرير العاصمة طرابلس خلال ساعات وفي أقصى الحالات خلال أيام قليلة“.

ولم يمض أسبوع حتى كان المسرح يقدم لوحة عكس ما هو منتظر تماما. ففي يوم 13 أبريل 2020 شنت قوات حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج عملية بركان الغضبونفذ سلاحها الجوي غارات على عدة أهداف في مدينة صبراتة. كما سيطرت نفس القوات على مدينة صرمان.

وفي يوم 14 أبريل دعا المتحدث الرسمي باسم الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاقكل المتمردين مع مجرم الحرب حفتر الذين حاربوا الدولة أن يلقوا أسلحتهم ويسلموا أنفسهم“.

كما أعلن المتحدث الرسمي باسم الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق بأن قواتهم تطارد فلول حفتر وسيطرت على عدد من المدرعات الإماراتية وعربات صواريخ غراد و 10 دبابات وآليات مسلحة“.

ومن ناحيته صرح وكيل وزارة الدفاع بأن انتصارات الاثنين 13 أبريل تمثل انتكاسة ميدانية واستراتيجية هائلة لحفتر“. أما رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج فقد صرح بأن يوم 14 أبريل هو يوم الانتصار لجميع الليبيين“.

وقال السراج: “إننا أصدرنا أوامرنا للمناطق المحررة لتأمينها وتحقيق الاستقرار فيها وكلفنا وزارة الصحة بمتابعة الاحتياجات الصحية في المناطق المحررة كما كلفنا وزارة الخارجية بالتواصل مع دول ينتمي إليها المرتزقة المقاتلين مع حفتر والمأسورين لدى قواتنا“.

أكثر من عودة التوازن

إن الذي حصل عمليا في ليبيا هو أكثر بكثير من مجرد عودة التوازن بين طرفي الصراع. إن الوضع اليوم على الميدان هو تراجع قوات حفتر وتقدم قوات الوفاق بما يتجاوز مجرد تساوي موازين القوى.

لقد أصبح نجم حفتر في أفول مقابل تنامي حظوظ قوات الحكومة الشرعية في الفوز وفرض الحل على مجمل المشهد الليبي. لقد اقتنعت القوات الدولية الفاعلة وخاصة إيطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا بتراجع حفتر وضعف تموقعه ميدانيا مقابل تنامي تحكم الحكومة الشرعية على جزء مهم من الأرض.

كما تراجعت فرنسا عن دعمها للموقف الإماراتي السعودي المصري ولم تتورط روسيا كثيرا في مساندة الخيار الإماراتي في ليبيا.

لقد كان لتحرير المدن الساحلية الغربية وتحرير كامل الحزام الغربي والجنوبي للعاصمة أكبر الأثر على تبدل موازين القوى. لقد حررت قوات حكومة الوفاق طريق طرابلس – راس جدير التي كانت تشكل تهديدا للعاصمة وللمعبر الحدودي الحيوي مع تونس.

وقد تزامن مع ذلك تحرير المدن السبعة الكبرى على الساحل الغربي الليبي. كما تم بالمناسبة ذاتها تأمين الخط البحري التجاري بين ميناء طرابلس وميناء صفاقس في تونس.

ولعل الحدث الأهم عسكريا هو تحرير قاعدة الوطية، وهي قاعدة عسكرية قديمة من عهد الاحتلال الانكليزي وفي عهد الحكم الملكي. وقد كانت هذه القاعدة دائما تشكل خطرا كبيرا على طرابلس وكانت هي منصة القصف البري والجوي.

كما أن محاصرة مدينة ترهونة واحتمالات سقوطها بأيدي قوات الوفاق بين الفينة والأخرى سيمثل ضربة قاصمة لقوات حفتر. إن ترهونة مدينة متعددة القوات والقيادات والميليشيات ويعتبر سقوطها بأيدي حكومة الوفاق سقوطا مدويا للميليشيات المرتزقة لحفتر.

لقد كان خطر قوات حفتر ممتدا من مصراتة إلى ترهونة إلى طرابلس مما يمثل تقريبا نصف الغرب الليبي. وبتحرير هذه المنطقة تنتقل ليبيا الغربية من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم.

وكانت مدينة بني الوليد على ما يبدو شبه جاهزة لاستقبال قوات حكومة الوفاق وأن تصبح قوات حفتر محاصرة بالكامل. وهكذا لا يكون الأمر توازنا بل انقلابا للموازين لصالح حكومة الوفاق.

البقية في الجزء الثاني

_____________

(وحدة تقدير الموقف السياسي)