Minbar Libya

إعداد وحدة الدراسات السياسية

أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في بيان متلفز بثته قنوات مقرّبة منه، في 27 أبريل/ نيسان 2020، إيقاف العمل بالاتفاق السياسي الليبي، والاستجابة للإرادة الشعبيةبتولّي المؤسسة العسكريةالسلطة.

الجزء الثاني

إعلان حفتر التفويض

في هذا السياق، يمكن قراءة إعلان حفتر قبول التفويض الشعبي باستلام السلطةوارتباطه بانقلاب الوضع الميداني خلال الشهر الأخير، وما أفرزه من انكفاء لقواته في أكثر من محور.

فقد ضيقت هذه التطورات خياراته بعد أن رفض، في أكثر من مناسبة، أي مبادرات سياسية (إقليمية ودولية)، من شأنها منحه موقع الشريك في المشهد السياسي الليبي.

كما أنه، بعد التقدم السريع الذي حققته قوات الوفاق، وجد نفسه في موقع العاجز عن حماية حواضنه في المنطقة الغربية من البلاد.

من ناحية أخرى، تمثل التكلفة البشرية العالية التي تكبدتها قبائل المنطقة الشرقية ومدنها من جرَّاء الهجوم على طرابلس، من دون تحقيق الحسم السريع والسهل الذي وعدها به حفتر عند إطلاق العملية العسكرية منذ عامٍ، عاملًا ضاغطًا إضافيًّا يدفع إلى تصدُّع الدعم الاجتماعي والقبلي الذي لقيته عملية الكرامةفي المنطقة الشرقية، منذ عام 2014.

ورغم أن المنطقة لم تشهد، حتى الآن، مظاهر رفض وتمرُّد واسعة ومعلنة، فإن مؤشرات عدة تنبئ بأنّ الماكينةالإعلامية والأمنية والاجتماعية لحفتر تواجه صعوبات جمّة في الترويج لمواصلة العملية العسكرية غرب البلاد، وضبط الانفلاتات الممكنة، في حاضنة اجتماعية تتابع يوميًّا وصول جثامين المقاتلين إلى عائلاتهم، من دون أيّ أفق لحسم معركة تتعقد معطياتها المحلية والإقليمية والدولية تعقُّدًا مطَّردًا.

ولعل الحضور الكثيف للمقاتلين الأجانب في مختلف محاور القتال يمثّل مؤشرًا آخر دالًّا على تراجع قدرة معسكر حفتر على الحشد والتجنيد في المنطقة الشرقية، وفي الحواضن الموالية له في المنطقتين الغربية والوسطى، وهو حضور لا يمكن التعويل عليه كليًّا في حسم المعركة.

كما لا يمكن التعويل على تدخُّل الرعاة الإقليميين لدى دول الجوار لجلب المزيد من المقاتلين رغم تواتر الرحلات بين أبوظبي والخرطوم ونجامينا؛ وذلك في ظل المصاعب الاقتصادية الجدية التي تمرُّ بها كلّ من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية؛ بسبب تداعيات جائحة كورونا، وانهيار أسعار النفط، وتراجع الطلب على خدمات الموانئ وتجارة الترانزيت.

من غير الواضح، حتى الآن، ما إذا كان قرار حفتر المتمثّل باستلام السلطة، بصفته العسكرية، قد اتُّخذ على مستوى قيادة المنطقة الشرقية أو بناءً على طلب من الرعاة الإقليميين، لكنه يظل، في كل الأحوال، عاجزًا عن تغيير الواقع على الأرض.

فعلى مستوى المنطقة الشرقية، يمسك حفتر بجميع السلطات العسكرية والأمنية والتنفيذية، منذ عام 2014، ولا تمثّل الحكومة المؤقتة التي يرأسها عبد الله الثني سوى واجهة سياسية لا سلطة واقعية لها على الأرض.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى مجلس النواب – شق طبرق؛ العاجز عن عَقد أيّ جلسة مكتملة النصاب منذ عدة أعوام.

وبناءً عليه، لا يغيّر الإعلان الأخير شيئًا من واقع الحال هناك، حتى لو تمَّ تشكيل مجلس حُكم عسكري وحكومة جديدَين تحت إشراف حفتر في الفترة القادمة.

أما على مستوى المنطقتين الغربية والوسطى، فلا نفوذَ حقيقيًّا لحفتر إلا في نطاق جغرافي ضيق جدًّا يقتصر، حاليًّا، على سرت وترهونة وبعض المكونات الاجتماعية في بني وليد والزنتان، علمًا أنّ هذه الحواضن قد لا تصمد طويلًا.

أما في الجنوب، المحكوم بتوازنات اجتماعية وقبلية وإثنية متشابكة ومعقدة، فقد بدأت ملامح إعادة تشكيل للولاءات على نحو يتوافق مع مجريات الأحداث الأخيرة؛ ما قد يؤدي إلى انحسار نفوذ حفتر العسكري المتركز، أصلًا، في مواقع محدودة بمدن سبها والكفرة وبلدات أخرى أقل أهمية.

تدفع هذه المعطيات مجتمعةً إلى استنتاج مفاده أنّ سيناريو التقسيم كان حاضرًا في إعلان حفتر؛ فهو يعرف أنّ تنصيب نفسه حاكمًا على ليبيا، في ظل التشظي السياسي والاجتماعي الحالي، وفي سياق تشهد فيه حواضنه انحسارًا متسارعًا، لا سندَ فعليًّا له على الأرض، وأنّ مفعول هذا القرار سيظل مقتصرًا على المنطقة الشرقية والهلال النفطي، في أفضل الأحوال.

ويتعزز توقع هذا السيناريو من خلال التدقيق في مدلولات الخطاب السياسي والإعلامي الذي رافق الإعلان، والذي تميَّز باستحضار مصطلح برقةبدلًا من المنطقة الشرقية، وهو مصطلح يحيل على مرحلة ما قبل توحيد ليبيا وظهورها بحدودها الحالية،

ومن خلال تقديم الصراع الجاري بصورة صراع بين شرق البلاد وغربها، وشحنه بسرديات تاريخية متعلقة بمكانة برقة القيادية وأدوار قبائلها، ومن خلال بيانات المبايعة التي تُتلى بعد الاجتماعات القبلية.

مآلات التفويض

تظل مآلات تفويضحفتر لحكم ليبيا، حتى في حال اختزال الأمر في المنطقة الشرقية، محكومةً بتطور الميدان، وبإرادات القوى الإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي، وبقدرة حفتر نفسه على ضبط الوضع في المنطقة الشرقية.

فعلى الجبهة العسكرية، ينحو سير الأحداث، بناءً على قراءة موضوعية لما تحقق خلال الأسابيع الأخيرة وللتحضيرات الجارية لحسم أكثر من محور، نحو مزيد من انحسار نفوذ اللواء المتقاعد.

فحكومة الوفاق الوطني، تبدو ماضيةً رغم التباينات في معسكرها وضعف أدائها في أكثر من ملف في استثمار الاتفاقيات المبرمة مع الشريك التركي التي كان لها الدور الأبرز في الانقلاب الذي حصل في المشهد العسكري.

وتذهب مؤشرات عدة إلى أن حسم الموقف في قاعدة الوطية قد لا يتأخر كثيرًا، وإلى أن التدريبات التي أنجزها سلاح الجو التركي فوق المتوسط، منذ أيام، والتي شملت تزويد الطائرات المقاتلة النفاثة بالوقود في الجو، متصلة بهذه الاستعدادات، نظرًا إلى أنّ القاعدة تشتمل على تحصينات كبيرة تحت الأرض يصعب على الطيران المسيّر تدميرها.

ورغم أن القاعدة، حاليًّا، خارج الخدمة بعد تدمير معظم منشآتها، فإن السيطرة الكاملة عليها ستمثل نصرًا سياسيًّا ودعائيًّا كبيرًا لحكومة الوفاق.

أما بخصوص ترهونة، فإن استرجاعها سيمكّن حكومة الوفاق من توجيه ضربة موجعة إلى معنويات الخصم، وفتح الطريق نحو قاعدة الجفرة وسرت والهلال النفطي.

وبالنظر إلى الوضع الحالي لمعسكر حفتر، يظل تماسك الجبهة الاجتماعية والسياسية الموالية له في المنطقة الشرقية محددًا آخر مهمًّا لمصير قرار التفويض“.

ولعل تجنّب حفتر البتّ في مصير مجلس النواب – قسم طبرق ورئيسه عقيلة صالح المنحدر من قبيلة العبيدات (إحدى القبائل النافذة في المنطقة)، فضلًا عن مصير حكومة عبد الله الثني، يأتي في إطار الحذر من تفكك الحزام السياسي والقبلي الذي يدعمه، منذ انطلاق عملية الكرامةعام 2014.

وتظهر أمثلة سابقة، مثل ثورة 17 فبراير وإطلاق عملية الكرامةأيضًا، أنّ لموازين القوى تأثيرًا مهمًّا في تغيير الولاءات السياسية والقبلية.

وما يزيد من تعقيد الوضع في المنطقة الشرقية واهتزازه، ورود أنباء عن نية حكومة الوفاق تشكيل غرفة عمليات تحرير المنطقة الشرقيةبقيادة ضابط كبير من المنطقة، وبمشاركة كتائب من أبناء المنطقة المهجّرين إلى المنطقة الغربية، في إشارة ضمنية إلى نية حكومة الوفاق مواصلة معركتها في المنطقة الشرقية، بأيدي أبناء قبائلها أنفسهم.

في الأثناء، لم يلقَ قرار حفتر حتى الآن، قبولًا صريحًا من أيّ قوة من القوى الإقليمية أو الدولية أو دول الجوار تحديدًا.

ولا شك في أن السبب الرئيس لذلك هو هزائمه العسكرية، وليس حرص الدول الكبرى على الشرعية.

فقد دعا السفير الأميركي لدى ليبيا إلى ضرورة تجنّب الخطوات الأحادية في إملاء مستقبل ليبيا من جانب واحد، في حين اعتبر الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة اتفاقَ الصخيرات الإطار الدولي الوحيد للاعتراف بالوضع الليبي“.

أما وزير الخارجية الروسي فأكد أن بلاده لا تدعم تصريحات حفتر، في حين رفضت الرئاسة التونسية أيّ تقسيم لليبيا“.

خاتمة

يبين إعلان اللواء المتقاعد خليفة حفتر الاستعراضي تولّي السلطة الكاملة في ليبيا بصيغة قبول التفويض، بعد انقلاب المشهد العسكري لصالح حكومة الوفاق الوطني، محدوديةَ الخيارات المتاحة بالنسبة إليه، ومن المحتمل أن يدفعه ذلك إلى اختصار الطريق؛ من خلال تقسيم البلاد، وتفعيل التفويض المزعوم داخل إقليم برقة“.

لكن ذلك يبقى مرتهنًا بمآلات المعركة العسكرية الجارية حاليًّا، وبقدرته على تحصيل دعم إقليمي ودولي، وضبط الحاضنة الاجتماعية والقبلية والسياسية التي تسنده في المنطقة الشرقية.

***

وحدة الدراسات السياسية ـ هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها.

_______________