Minbar Libya

تسارعت الأحداث في ليبيا الشقيقة منذ أواسط مارس 2020 وحصلت تغييرات عسكرية كبيرة رافقتها تطورات سياسية فارقة مما جعل المشهد الليبي يشارف على الانقلاب رأسا على عقب.

.الجزء الثاني

إن الوضع الليبي ما زال في طور التشكل الجديد وأصبح الوضع العسكري حاليا لصالح حكومة الوفاق بعد تحييد الطيران المصري الإماراتي وما انجر عنه من تحييد المدن السبعة الكبرى وتحييد القاعدة العسكرية الوطية وتحييد مدينة ترهونة التي تمثل الحزام الغربي لطرابلس وتربطها مع أفصى الغرب ومنطقة الأمازيغ عموما حيث يوجد سدس السكان.

وهي منطقة منفتحة مباشرة مع بني الوليد والجفرة وما تمثله هذه المدن من خزانات وإمدادات لترهونة حيث لم يكن من الممكن تحرير ترهونة إلا بعد تحييد بني الوليد والزنتان والعربان ومن الجنوب مدينة سبها ومنطقة مرزق عاصمة الجنوب تكاد تكون قد سقطت علما بأن هذا الفضاء مفتوح جنوبا على التشاد والسودان والنيجر.

ومن المهم سد هذا المنفذ على دارفور لأنها تمثل دعما لأنصار القذافي. وإن قاعدة الخادم في الجنوب لا تقل قيمة عن قاعدة الوطية في الغرب.

أما إعلان حفتر نفسه حاكما لليبيا بتفويض شعبي مفتعل فإنه لم يلق آذانا صاغية ولم ينزل الشعب في الشرق الليبي إلى الشارع متظاهرا ومساندا.

كما أصدرت الولايات المتحدة بيانا نددت فيه بهذا القرار وكذلك فعلت إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا من خلال معرفة هذه الدول بحقيقة الوضع وبانعدام هذا التفويض المفتعل. وقد اعتبرت تركيا ذلك مهزلة وكذلك فعلت قطر.

أما مساندو حفترومديرو مشروعه (الإمارات ومصر والسعودية) فلم يدعموا مبادرته هذه. لقد أصبح حفتر اليوم في حالة ضعف وعجز ولم يلق أي ترحاب في مبادرته السياسية.

ولعل السيناريوات الممكنة تتمثل في تصدع الفريق السياسي في شرق ليبيا أي بروز خلافات وصراعات بين مجلس النواب في طبرق وخليفة حفتر. وعندما نقض حفتر اتفاق الصخيرات فقد نقض كل استتباعات هذا الاتفاق ومنها شرعية برلمان طبرق نفسه.

وإذا برزت انشقاقات كبيرة في الشرق الليبي فإنها ستكون نهاية حفتر.

الحل السياسي في الأفق:

ما يتمّ على الميدان يترجم سياسيّا بالاتفاقيات حتى لو كانت اتفاقيات استسلام كامل هذا ما يحدث دائما في نهايات الحروب حيث يفرض المنتصر شروطه ويوقع المنهزم عليها راضيا أو مكرها.

كان حفتر يريد من خلال هجومه على طرابلس خاصة والغرب الليبي عامة فرض تصوّره للحل الليبي الذي لا يرى فيه نفسه إلا حاكما .

كانت انتصاراته الأولى في الساحل الأوسط لليبيا وتهديده الجدّي لحقول النفط وتخلي الكثير من الدول الغربية وخاصة فرنسا عن حفتر مع تراخي كل من إيطاليا والولايات المتحدة وبقائهما متفرجتين على تطور المعارك ميدانيا من العلامات الموحية بتزعزع أوضاع حكومة الوفاق وتخلي الكثير من القوى الليبية التي كانت مساندة لها عنها.

ولكن كل ذلك كان بمثابة السراب الذي يغش العطشان لقد كان للمساعدات التركية لحكومة السراج الدور الأساسي في انفلات الموازين وتبدّل الحال من النقيض إلى النقيض حيث تكبد حفتر ومرتزقته هزائم لم تكن لتخطر له على بال حين بدأ هجومه .

لقد خسر جوّيا وبرّيا وهربت ميليشياته وأسر الكثير من عناصره المرتزقة وفقد مدنا كانت قد استسلمت له في البداية وحوصرت مجموعات من قواته حتى أصبح هو وحلفاؤه يناشدون فك الحصار مقابل تقديم تنازلات سياسية في آفاق الحلّ السياسي المنشود.

لقد أصبح موقف السراج وحكومته قويا إلى درجة المطالبة باستسلام حفتر مقابل فك الحصار ؟!

ما يلاحظ أنه في خضم تكبد حفتر هزائم موجعة وخسارته لمدن مهمة على الساحل الغربي الليبي بعد ما كان في طريق مفتوح للسيطرة في الآن نفسه على العاصمة وعلى المعابر الحدودية مع تونس، قام بذلك التصرّف الغريب حيث أعلن نفسه حاكما عاما على ليبيا بإرادة شعبية في الحقيقة لا وجود لها إلا في مخيلة المشير المرعوب من الهزيمة ومن تخلي أنصاره وحلفائه عنه؟!

لقد كان ذلك التصرّف دليل ارتباك كبير منه ومحاولة هروب إلى الأمام بعد ما عجز عن حسم المعركة لصالحه كما كان يتوقع.. ولعلّ ذلك أيضا كان إشارة لاستعداده هو ومسانديه الإماراتيين تحديدا، لتقسيم ليبيا وتنصيب نفسه حاكما على المنطقة الشرقية الغنية بالموانئ المصدرة للنفط.

والعجيب أن هذه الروح التقسيمية تتزامن كذلك مع النوايا الإماراتية العاملة على تقسيم اليمن وإعادة إحياء اليمن الجنوبي؟!

كذلك نعتقد أن الرئيس المصري السيسي ليس في مصلحته حسم المعركة لصالح حكومة الوفاق .. وهو بذلك يلتقي مع الإمارات في تحبيذ تقسيم ليبيا بدل التسليم بفوز السراج وخسارة حلم السيطرة على مواقع البترول الليبي.

ولكن هذا التوجه الإماراتي المصريالحفتري على ما يبدو قد فشل بدوره اليوم أمام عدم اقتناع الغرب بتقسيم ليبيا لأن ذلك لن يكون في مصلحته ولأن جماعة حفتر ذاته داخل الشرق الليبي غير متفقين على ذلك وهم الذين أحرجهم بل وأزعجهم إعلان حفتر نفسه حاكما شعبياعاما دون أي انتخاب ولا استفتاء.

بل ومن المؤكد أيضا دون أية مساندة شعبية حقيقية لا في غرب ليبيا ولا في شرقها لقد كان هذا القرار مجرد هروب إلى الأمام كما أنه يعكس النوايا الانفرادية والاستبدادية لخليفة حفتر.

تونس بين متطلبات المصلحة الوطنية والشرعية الدولية من جهة وإفرازات التجاذبات الداخلية من جهة أخرى:

لقد كان موقف تونس بشكل عام يتمثل في دعم حكومة الوفاق باعتبارها الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا ولأنها تعتبر الأقرب إلى الخط السياسي الوفاقي والديمقراطي في تونس.

كما أن دعم الإمارات للمشير حفتر وهي التي تتربص بالتجربة الديمقراطية التونسية يفسر إلى حد كبير سلامة الموقف التونسي في الوقوف إلى جانب الشرعية ودعم حكومة فايز السراج.

ومع ذلك لم تتورط تونس مباشرة في النزاع الليبي وكانت دائما تدعو إلى ضرورة اعتماد الحوار والحل السياسي الوفاقي والحفاظ على وحدة ليبيا. كما أن حسم الصراع في ليبيا لصالح حكومة الوفاق سوف يخدم علاقات تونس الرسمية مع الدولة الليبية الموحدة وهو موقف يتماهى أيضا مع موقف الشقيقة الجزائر.

لكننا لاحظنا من الجهة الأخرى تأثير التجاذبات السياسية الداخلية على بعض القوى التي لم تخف مساندتها لحفتر لاعتبارات مختلفة من بينها ارتباط البعض بالموقف المصري والبعض الآخر بالموقف الإماراتي .

ولعل المثير للاستغراب صمت رئيس الجمهورية وعدم تفاعله مع ما يجري في ليبيا في حين كان مطلوبا من الدبلوماسية التونسية على مستوى رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية تفاعلا أكبر مع ما يجري على الساحة الليبية وما يتم إفرازه إقليميا ودوليا بخصوص الحل السياسي المرتقب.

ومن المنتظر أن تؤكد تونس على وقوفها مع الحل السياسي الذي يحافظ على وحدة ليبيا وسيادتها ويضمن الاعتراف بشرعية حكومتها.

الخاتمة:

تسارعت الأحداث في ليبيا وحصلت تغييرات جوهرية في المشهد العسكري والسياسي جعل الموازين تكاد تنقلب رأسا على عقب. لقد كان حفتر يتصور عند بدئه الهجوم على العاصمة طرابلس أن ذلك الهجوم سيكون فصل الختام لتعزيز تفوقه العسكري ومسك زمام الأمور في ليبيا بعد اقتحامه العاصمة.

ولكن يبدو أن ذلك الهجوم كان بمثابة غلطة الشاطرإذ لم يمر أسبوع واحد على تاريخ بدء الهجوم الحفتري على طرابلس حتى منيت قوات حفتر من ميليشيات ومرتزقة بهزائم متتالية وفادحة وخسرت كل تموقعاتها في الغرب الليبي وتكبدت خسائر كبيرة في المعدات إلى جانب العديد من الأسرى.

وبطبيعة الحال أدى هذا الوضع المستجد إلى تغيير جذري في الموازين العسكرية مما فتح الآفاق على معادلات سياسية جديدة لابد منها أضعفت أوراق وحظوظ حفتر مقابل تعزيز حظوظ حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج.

لقد تأكد الآن استحالة الحسم العسكري وإلى حد كبير استحالة تقسيم ليبيا رغم محاولات ومساعي حفتر ومن وراءه خاصة الإمارات ومصر .

وفي المقابل ارتفعت حظوظ فرض الحل السياسي الضامن لوحدة ليبيا وسيادتها ولاختيار حكومة تحظى بأوسع توافق ممكن وأوسع شرعية متاحة، وهو حل يبدو لصالح حكومة الوفاق وفي تضاد كبير مع مطامح حفتر ورهاناته.

____________

(وحدة تقدير الموقف السياسي)