Minbar Libya

بقلم د. نورة الحفيان

مر عام على بدء العملية العسكرية التي أطلقها خليفة حفتر باسم “معركة الكرامة” في أبريل 2019، شن خلالها هجوما عنيفا على الغرب الليبي خلف على إثره دمارا وخسائر مادية وبشرية فادحة، وذلك بهدف الدخول إلى طرابلس التي اعتبرها معركته الكبرى ومن تم إسقاط حكومة الوفاق في سبيل الاستيلاء على السلطة.

.الجزء الأول

لقد شهد هذا العام، تواتر سلسلة من المبادرات الدبلوماسية لحل الأزمة الليبية كان أبرزها مؤتمر برلين الذي سجل توافق دولي على مخرجاته. لكن كل تلك المبادرات باءت بالفشل نتيجة انتهاكات حفتر المتكررة للمبادرات السلمية وعرقلته لمسار التسوية السياسية بإيعاز خارجي بسبب مناورته العسكرية.

كن المعادلة على أرض الواقع تغيرت على إثر تحول استراتيجية قوات الوفاق من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، من خلال نهج سياسة ردعية تمنع ميليشيات حفتر من التقدم نحو الأمام، ومن تم تحرير عدة مدن استراتيجية ومحورية كانت تحتلها هذه الميليشيات.

هذا التغير الذي ساهم في تفعيله الدعم اللوجستي العسكري والاستخباراتي القوي الذي قدمته تركيا لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا تنفيذا لبنود مذكرتي التفاهم التي أبرمت في نوفمبر 2019 بين الطرفين، الأولى تخص التعاون الأمني والعسكري، والثانية متعلقة بتحديد مناطق الصلاحيات البحرية مع البلدين والتي تتوافق مع بنود القانون الدولي.

وقد شكل ذلك عاملا مساعدا لقوات الوفاق في تحقيق التقدم الميداني وإرجاع ميليشيات حفتر إلى الوراء وإجهاض كل مخططات قوى الدعم الخارجي في تنفيذ أجندتها وأبرزها السيطرة على المؤهلات الطاقية التي تنعم بها ليبيا.

إذن، يستمر النزاع في ظل التطورات الميدانية التي عرفت تقدما استراتيجيا مهما لقوات الوفاق التابعة للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، في مقابل استمرار اعتداءات ميليشيا حفتر وحلفائه برا وجوا على المدنيين والمناطق السكنية والمنشآت النفطية وغيرها، وذلك لتعويض الخسارات المتصاعدة والمتسلسلة التي تلقاها منذ بداية هجماته على طرابلس والمدن المتاخمة لها.

ومن كل ذلك،

فما هو المسار الذي سلكته العملية العسكرية التي قادها خليفة حفتر؟

وما هي مآلاتها في ظل فشله الميداني؟

وما هي أبرز السيناريوهات التي سيشهدها الواقع الليبي في ظل تغير المعادلة العسكرية على أرض الواقع؟

ولذلك سنحاول معالجة التساؤلات المطروحة ضمن المحاور التالية:

أولا: تطورات هجوم ميليشيات حفتر على طرابلس

منذ انطلاق العملية العسكرية لخليفة حفتر في أبريل 2019، والميليشيات والمرتزقة التابعين له يشنون هجوما ذو نطاق واسع على طرابلس والنواحي، بهدف الاستيلاء على المناطق التي هي تحت سيطرة قوات الوفاق والدخول إلى محور طرابلس عبر منافذ مختلفة، وبالتالي إسقاط السلطة المعترف بها من طرف الشرعية الدولية في طرابلس.

ولذلك شن حفتر حربا بلا هوادة على مناطق تابعة لحكومة الوفاق برا وجوا، مدعوما عسكريا وتمويليا من قوى خارجية (الإمارات، مصر، السعودية، فرنسا، روسيا)، ارتكب من خلالها مجازر وجرائم لا حصر لها في حق المدنيين الليبيين، وذلك في ظل تقاعس المجتمع الدولي عن حمايتهم بصفتهم مشمولين بالحماية الدولية وفق أحكام القانون الدولي الإنساني.

وقد حصدت هذه العملية العسكرية المئات من الأرواح والإصابات بحسب المؤشرات الأممية. بحيث فَقد ما لا يقل عن 356 مدني حياتهم بينما أصيب أكثر من 329 آخرون بحسب توثيق البعثة الأممية للدعم في ليبيا منذ أبريل 2019 إلى حدود نهاية مارس 2020، من بينهم 59 طفل ضحية (مقتل 24 وإصابة ما لا يقل عن 35)، بينما شرد أكثر من 150 ألف شخص من بينهم 90 ألف طفل وحرمان ما لا يقل 200 من الالتحاق بمدارسهم بحسب مؤشرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة، وذلك كله جراء الأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت المدنية منها السكنية والدراسية والصحية وغيرها.

وقد تركزت ضربات ميليشيات حفتر على مناطق وأهداف متعددة من أبرزها:

أ ـ المناطق السكنية والمرافق المدنية بطرابلس ونواحيها

فقد شن سلاح الجو التابع لحفتر المدعوم خارجيا، وكذا الميليشيات والمرتزقة على الأرض بأسلحة ثقيلة هجمات على مناطق متعددة في الغرب الليبي وعلى رأسها طرابلس، بحيث تم استهداف أحياء ومجمعات آهلة بالسكان كما تم ضرب مجموعة من المرافق المدنية منها الدينية بحيث لم تسلم المساجد من اعتداءات ميلشيات حفتر، التي أقدمت على قصف مجموعة منها بطرابلس ومحيطها من أبرزهم مسجد العاصمة ومسجد صلاح الدين وذلك بالقذائف المدفعية بحيث ألحقت أضرارا جسيمة بهم، بالإضافة إلى المدارس ومؤسسات الأعمال ومناطق الإيواء وغيرها في طرابلس ونواحيها.

كان أشدها الهجوم الجوي الذي تعرض له مركز إيواء المهاجرين بمدينة تاجوراء شرق طرابلس، بحيث تم ارتكاب مجزرة بحق هذه الفئة المشمولة بحماية القانون الدولي، راح ضحيتها 60 قتيل وأكثر من 130 مصاب.

أما مدينة مرزق فكانت أحياءها الأكثر استهدافا من طرف طيران الجو والقوات الميدانية التابعة لخليفة حفتر، وكانت أشد تلك الهجمات في أغسطس 2019 حينما استهدف السلاح الجوي أحياءً سكنية بالمدينة سقط على إثرها أكثر من 41 مدني فيما أصيب وجرح أكثر من 60 شخصا.

كما ارتكبت هذه الميليشيات سلسلة من جرائم القتل الجماعي بحق سكان مدينة ترهونة والتي أسفرت على ما يزيد من 50 قتيلا. كما تم ارتكاب جريمة بشعة في حق الطفولة الليبية في ديسمبر 2019 حينما قتل أكثر من 14 طفلا بمدينتي طرابلس ومرزق جراء استهدافهم بغارات لطائرات مسيرة إماراتية داعمة لميليشيات حفتر.

كما تم استهداف مدينة مصراتة التي تعد قواتها أكبر الداعمين لحكومة الوفاق على المستوى العسكري في يناير 2020، بحيث تم شن هجوم متسلسل من طرف طائرات مسيرة لقوى أجنبية داعمة لحفتر.

وبعد الهزائم المتتالية لخليفة حفتر على يد قوات حكومة الوفاق، واصل هجماته في أبريل 2020 بحيث تم استهداف وبهجمات عشوائية بواسطة صواريخ غراد والهاون، مناطق مأهولة بالسكان في جنوب العاصمة طرابلس وبالأخص بمحوري عين زارة ومشروع الهضبة.

وفي مايو 2020، أسفر قصف عشوائي بصواريخ غراد وقذائف هاون أطلقها مرتزقة تابعين لحفتر على مناطق وأحياء سكنية في العاصمة طرابلس عن قتل 17 مدني وإصابة أكثر من 59 آخرين.

وقد أدى تصاعد الهجمات التي تشنها ميلشيات حفتر إلى تشريد حوالي 150 ألف مدني من بيوتهم، بينما يعيش أكثر من 345 ألف في الخطوط والأماكن التي تتعرض للقصف اليومي من طرف حفتر ومرتزقته، بينما يحتاج أكثر من 893 ألف شخص للمساعدات الإنسانية بحسب تقديرات البعثة الأممية للدعم في ليبيا.

ب ـ مطار معيتيقة الدولي

تعرض مطار معيتيقة الدولي منذ أبريل 2019 لهجمات متتالية من طرف ميليشيات حفتر، بحيث كان هدفا للعديد من الغارات الجوية والصاروخية. وعلى إثر الاعتداءات المستمرة التي طالت المطار تم تعليق الملاحة الجوية لمرات عديدة جراء الخسائر المادية التي لحقت به، بحيث شكل ذلك تهديدا صارخا لسلامة الحركة الجوية.

ومن أبرز الاعتداءات التي تعرض لها، تلك الضربات الجوية الكثيفة والعنيفة في يوليو وأغسطس 2019، والتي كانت سببا في انقطاع الملاحة الجوية لقرابة 3 أشهر .

ورغم عودة الحياة للمطار في ديسمبر 2019 إلا أن الاعتداءات لم تتوقف، بحيث أنه في يناير 2020 تعرض المطار ومحيطه لقصف جوي عنيف بواسطة الطيران الإماراتي المسير الداعم لخليفة حفتر، بالإضافة إلى ضربات بصواريخ غراد أطلقتها الميليشيات التابعة له، الأمر الذي تسبب في حالة من الخوف والهلع وسط المسافرين والعاملين بالمطار.

وفي فبراير 2020 تم توقيف الملاحة الجوية بصفة مؤقتة جراء القصف العنيف الذي تعرض له المطار.

أما في مارس 2020 فقد أسفر الاعتداء عليه بصواريخ غراد عن إصابة طائرتين مدنيتين تابعتان لشركتي طيران البراق والخطوط الإفريقية.

وفي أبريل 2020 واصلت الميليشيات التابعة لحفتر قصف المطار والمناطق السكنية التابعة له بصواريخ غراد مما خلف خسائر مادية كبيرة.

أما في مايو 2020 تم شن هجوم على محيط مطار معيتيقة بأكثر من 80 صاروخ الأمر الذي تسبب في اشتعال النيران في خزانات وقود الطيران وألحق أضرار بالغة بطائرتي إيرباص 320 و330.

ج ـ المستشفيات والمراكز الصحية

لم تكن المنشآت الصحية والمستشفيات بمنأى عن الاعتداءات التي خاضتها ميلشيات حفتر وداعميها من الخارج منذ بداية الهجوم في أبريل 2019، بحيث تم قصف مجموعة من المرافق الصحية، ولم يتوقف استهدافها حتى في ظل جائحة فيروس كورونا، بحيث أعلنت البعثة الأممية في ليبيا أنه إلى حدود نهاية مارس 2020 تضرر أكثر من 27 مرفقا للرعاية الصحية من منشآت ومستشفيات جراء القصف المتسلسل الذي تعرضت له منذ بداية هجوم حفتر في أبريل 2019، بحيث تم إغلاق ما لا يقل عن 14 منشأة صحية بشكل كامل.

بينما هناك أكثر من 23 مركز خاص بالرعاية الصحية معرض للإغلاق، بحيث نفذت ميليشيا حفتر أكثر من 61 اعتداء على هذه المرافق و26 استهداف لسيارات الإسعاف.

ومنذ ذلك الحين فقد أدت هذه الهجمات إلى مقتل 13 طبيب ومسعف وإصابة ما لا يقل على 36 آخرين جراء الاستهداف المتكرر على الأطقم الطبية والمستشفيات وسيارات الإسعاف.

وقد تحولت هذه المنشآت إلى أهداف مباشرة من طرف ميليشيات حفتر وسلاح الجو المدعوم من طرف جهات خارجية.

بحيث تضررت العديد من المنشآت الصحية من أبرزها المستشفى الميداني بحي السواني جنوب غربي طرابلس الذي تعرض ما بين يونيو ويوليو 2019 لغارات جوية متعددة راح ضحيتها العديد من القتلى والجرحى من الأطقم الطبية والمسعفين، بحيث تمت تلك الهجمات بواسطة طيران الحرب التابع لخليفة حفتر المدعوم بطائرات مسيرة إماراتية.

أما المستشفى الميداني بالزاوية الذي تعرض إلى هجوم عنيف في يوليو 2019 أسفر عن مقتل أربعة أطباء وإصابة ما لا يقل عن ثمانية من أفراد الطاقم الطبي، كما أدى الاعتداء إلى توقيف نشاط المستشفى وبالتالي حرمان الآلاف من الأشخاص من حقهم في تلقي العلاج الذي هو حق مكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

كذلك الأمر بالنسبة لمستشفى العزيزية جنوبي طرابلس والذي تم قصفه في أغسطس 2019، الهجوم الذي أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بمقر المستشفى ووقوع العديد من الجرحى.

كما أنه ما بين يناير ومارس 2020 تم استهداف مستشفى الصفوة نتيجة القصف بصواريخ غراد الأمر الذي نجم عنه أضرار بشرية ومادية.

وكان القصف العنيف الذي تعرض له مستشفى الخضراء العام والذي تم تخصيصه لتقديم الرعاية لمرضى وباء كورونا المعروف بـ كوفيد-19 في أبريل 2020، أحد أخطر الاعتداءات التي تعرضت لها خدمات الرعاية الصحية، بحيث خلف الهجوم أضرار بالمرفق الطبي وأصاب العديد من العاملين به. وبذلك تعتبر هذه الاعتداءات انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني.

***

د. نورة الحفيان ـ باحثة مغربية، حصلت على درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام، والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، المغرب، نوفمبر 2015.

_____________