Minbar Libya

بقلم د. نورة الحفيان

مر عام على بدء العملية العسكرية التي أطلقها خليفة حفتر باسم “معركة الكرامة” في أبريل 2019، شن خلالها هجوما عنيفا على الغرب الليبي خلف على إثره دمارا وخسائر مادية وبشرية فادحة، وذلك بهدف الدخول إلى طرابلس التي اعتبرها معركته الكبرى ومن تم إسقاط حكومة الوفاق في سبيل الاستيلاء على السلطة.

.الجزء الثاني

د ـ المنشآت النفطية

كانت المنشآت النفطية إحدى أهم أهداف العملية العسكرية التي قادها خليفة حفتر وذلك بغية الاستيلاء على الموارد النفطية الليبية المتمركزة في الغرب، ونتيجة هذا الهجوم تكبد القطاع النفطي في ليبيا خسائر فادحة نتيجة الاعتداءات التي تعرضت لها حقول والموانئ النفطية مما أدى إلى توقف عمليات الإنتاج لمرات عديدة ومن تم إغلاقها من طرف ميليشيات حفتر .

وقد كان لإغلاق المنشآت النفطية ومن أبرزها منشأة النفط في الزاوية تداعيات وخيمة على الاقتصاد الليبي بحيث تسبب الأمر بخسائر فادحة والتي وصلت إلى حوالي 4.34 مليار دولار.

الأمر الذي اضطرت معه المؤسسة الوطنية للنفط إلى الزيادة في حجم واردات المحروقات من أجل تلبية احتياجات المواطنين. جراء عدم قدرتها على استخراج وتصدير النفط الخام منذ إقفال موانئ وحقول النفط من طرف ميليشيات حفتر في يناير 2020.

ثانيا: دلالة فشل العملية العسكرية لخليفة حفتر

منذ انطلاق حملته العسكرية على طرابلس ونواحيها في أبريل 2019، من أجل الاستيلاء على المناطق التي هي تحت سيطرة حكومة الوفاق المعترف بها، وحسم المعركة الميدانية لصالحه بدعم خارجي من أنظمة الإمارات، مصر، السعودية، فرنسا، بالإضافة إلى روسيا ودورها الغامض.

وحفتر يتلقى هزائم تلو الأخرى من خلال فشله الدخول إلى طرابلس وبالتالي إسقاط حكومة الوفاق الوطني.

ومن خلال قراءة الاستراتيجية التي اتبعها حفتر في عمليته العسكرية التي رسمها ونهجها من أجل حسم الصراع، يتضح أن الفشل والإخفاق هي السمات البارزة التي وسمت مسار العملية، بحيث استطاعت القوات التابعة لحكومة الوفاق النجاح في صد الهجومات المتتالية لميليشيا حفتر وبالتالي التفوق على الأرض، وبالخصوص بعد بناء تحالفات عسكرية وسياسية مع قوى إقليمية وعلى رأسها تركيا التي أبرمت معها مذكرتي تعاون تخص إحداهما التعاون الأمني والعسكري.

وبذلك جاء الدعم العسكري التركي بطلب من الحكومة الشرعية ومتوافقا مع متطلبات القانون الدولي، وذلك بعد سكوت المجتمع الدولي والذي يعتبر داعما غير مباشر لحفتر وميليشياته عن الجرائم التي ارتكبها التي تدخل في مصاف جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية والتي تستوجب تدخل الشرعية الدولية لإحالة ملف الانتهاكات والاعتداءات التي ارتكبها حفتر وداعميه من الخارج إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وقد حاول حفتر وداعموه العبور إلى طرابلس أكثر من مرة، عبر معارك في محاور عديدة أهمها المحور الشرقي والذي ينطلق من ترهونة، والمحور الغربي الذي ينطلق من صبراتة وصرمان، والمحور الجنوبي والذي ينطلق مساره من غريان.

بحيث تلقت هزائم في مناطق الزاوية، السواني، العزيزية، وسط طرابلس، غريان، هذه الأخيرة التي شكلت انتصارا استراتيجيا مهما لقوات الوفاق، وإحدى الأوراق الرابحة التي كانت سببا في بداية انهيار ميليشيات حفتر لكونها المنطقة التي تشكل القاعدة الرئيسية لعملياتها في الخط الأمامي ضد العاصمة بحيث كانت تعتبر معبراً حيوياً لتدفق القوات والآليات العسكرية من الشرق.

ولذلك حاول حفتر التغطية على هذه الهزائم والإخفاقات المتتالية وخساراته لمواقع استراتيجية في المناطق الغربية لليبيا، بشن هجمات ضد الأماكن الآهلة بالسكان والمواقع المدنية، بحيث قامت ميليشياته بقصف مناطق مختلفة في العاصمة طرابلس ونواحيها من أجل إثبات وجودها على أرض الواقع.

الأمر لم يقتصر على الجانب الميداني العسكري، فعلى المستوى السياسي وبعد فشل جل المفاوضات لتسوية الأزمة الليبية، ومحاولة للهروب من واقع الهزيمة على يد قوات الوفاق أعلن خليفة حفتر إيقاف العمل باتفاق الصخيرات الذي أبرم في العام 2015 بالمغرب، ومن تم توليه قيادة البلاد في هذه المرحلة. مدعيا أن الشعب الليبي قام بتفويض “القيادة العامة” لهذه المهمة التاريخية في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

وقد جاءت هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة، من أجل إظهار نوع من التفوق على المستوى السياسي لتعويض هزائمه الكبيرة التي مني بها على يد قوات حكومة الوفاق وخسارته لأماكن حيوية وبالأخص تلك المحاذية للحدود التونسية.

وقد حققت قوات الوفاق في إطار عملية “عاصفة السلام” انتصارات نوعية من خلال تغيير موازين القوى لصالحها، وذلك عبر بسط سيطرتها على المناطق التي هي امتداد للشريط الساحلي الغربي والذي هو حلقة وصل ما بين طرابلس والحدود التونسية ومن أبرزها صرمان، صبراتة، العجيلات، زلطن، رقدالين، الجميل، العسة، ومليتة.

وبالتالي تحريرها من قبضة حفتر ومرتزقته. بالإضافة إلى تحقيقها انتصارا خاطفا من خلال استهداف سلاح الجو التابع لقوات الوفاق بغارات مكثفة وآليات عسكرية وعناصر ميليشيات حفتر بقاعدة الوطية الجوية.

هذه الأخيرة التي تعد أكبر القواعد العسكرية بالمنطقة. وتعتبر مركز القيادة للعمليات الغربية لميليشيا حفتر، ونقطة الوصل للقوات القادمة من الشرق الليبي وتستخدمها لتنفيذ هجماتها المتواصلة على طرابلس والمناطق المحيطة بها.

وبذلك فقد تمكنت قوات حكومة الوفاق من تحقيق تفوق كبير على الأرض من خلال السيطرة على 3 آلاف كلم غرب طرابلس.

ويعتبر تفوق قوات الوفاق وسيطرتها على مناطق حيوية ضربة كبيرة لميليشيات حفتر وحلفائها في الخارج، الذين قدموا كل الدعم اللوجستي والعسكري وتجنيدهم لآلاف المرتزقة لمساندة حفتر خلال العملية العسكرية التي أطلقها في أبريل 2019.

بحيث استطاعت العملية الأخيرة لقوات الوفاق عملية “عاصفة السلام” والتي أخذت فيها زمام المبادرة بمساعدة عسكرية وفنية تركية من إفشال جميع المخططات التي كانت تسعى إلى تحقيقها تلك القوى على الأرض الليبية والمتمثلة أساسا في استكمال مآرب الثورة المضادة التخريبية، وكذا تحقيق أطماع استراتيجية أمهما السيطرة على المحاور الغنية بالنفط الليبي.

وقد استطاعت قوات الوفاق إلحاق هزيمة ثقيلة لحلفاء حفتر خصوصا الإمارات ومصر، وتمثل ذلك من خلال الاستيلاء على كميات كبيرة من العتاد العسكري.

إذن، فقد أثبتت هذه العملية مدى الضعف الذي تعاني منه ميليشيات حفتر من خلال العشوائية في وضع خطط هجومية ودفاعية، بالإضافة إلى هشاشة منظومة قواتها التي تعتمد على المرتزقة التي تم تجنيدهم من الخارج والذين لا يتمتعون بالخبرة الميدانية.

وذلك ظهر من خلال فشل هذه القوات في التصدي للعملية العسكرية التي قادتها قوات الوفاق، الضعف لم يطل قوات حفتر فقط بل حتى حلفائه الذين لم تكن لهم القدرة في مجاراة هذه العملية وذلك في ظل التخطيط التكتيكي والمنظم من طرف قوات الوفاق، وكذا التوقيت المناسب لها بحيث جاءت في ظل ظرفية وتحديات صعبة تعيشها قوى الدعم الخارجي وذلك ما بين مطرقة أزمة وباء كورونا من جهة، وسندان انهيار أسواق النفط من جهة أخرى.

وتمثل هذه السيطرة لقوات الوفاق على الغرب الليبي فرصة مناسبة لاستكمال العملية بالاتجاه إلى الجنوب، وبالتالي القضاء على آخر معاقل خليفة حفتر، الأمر الذي سيشكل نقطة تحول مهمة في الملف الليبي، بحيث ستشكل الهزيمة الكاملة لحفتر وحلفائه نهاية للمسار العسكري وبالتالي بداية تأسيس وإرساء المسار السياسي باعتباره السبيل الوحيد لإعادة إحياء الحلول السلمية وبالتالي إنهاء أتون الحرب في ليبيا والتي طال أمدها وبالتالي إٍرساء مقومات الدولة الليبية.

ثالثا: سيناريوهات المشهد الليبي في ظل هزائم حفتر

نتيجة تقلب موازين القوى في المشهد الليبي، جراء الانتصارات المتتالية لقوات الوفاق واسترجاعها لمدن استراتيجية في مقابل تقهقر ميليشيات حفتر وتراجعها وضعف هياكلها، هذا الواقع أفرز عدة سيناريوهات من أبرزها:

أ ـ سيناريو إنهاء الصراع عن طريق الحل العسكري

ويرتكز هذا السيناريو على ضرورة انتصار قوات الوفاق من خلال توسيع عملياتها العسكرية، من أجل تحقيق مزيد من السيطرة على مواقع مهمة كانت في قبضة خليفة حفتر وقواته، في ظل تزايد الدعم التركي للعملية وذلك على خلفية تنفيذ الاتفاقية الأمنية العسكرية التي أبرمها الطرفان في نوفمبر 2019. هذا الدعم الذي استطاع تغيير المعادلة على أرض الواقع، من خلال التنسيق الفعال في الهجوم والاستراتيجية الهادفة مع اختيار الزمن والمكان المناسب بكل دقة من أجل إنجاح العمليات الميدانية التي مكنت لحد الآن قوات الوفاق من التقدم في عدة محاور وجبهات وإرجاع بعد المدن الاستراتيجية التي كانت تحتلها ميليشيات حفتر، مع ضرورة قطع الطريق لتقدم هذه الميليشيات. وكذا الإمدادات الرئيسية العسكرية التي تصلها من الشرق.

وما يساعد على تنفيذ هذا السيناريو الانهيار السريع لميليشيا حفتر وإضعاف قدراتها، وكذا تراجع دعم حلفاء حفتر في ظل انشغالهم بالتحديات والأزمات الداخلية التي تعيشها بلدانهم. وبذلك فيعتبر الكثير من المحللين أن الحل العسكري هو السبيل لإنهاء الأزمة في ظل رفض حفتر وحلفائه سيناريو الحل السياسي.

ب ـ سيناريو استمرار الصراع

لتحقيق هذا السيناريو يجب أن تستعيد ميليشيات حفتر بعض نفوذها من أجل إحقاق توازن استراتيجي في ظل التقدم الذي حققته قوات الوفاق، وبذلك فإن هذا السيناريو يعتمد على مدى إمكانية ترميم ميليشيات حفتر صفوفها الداخلية، والحصول على مزيد من الدعم الخارجي من أجل تقوية حضورها على أرض الواقع، هذا الحضور الذي فقدته بعد تلقيها لسلسلة من الهزائم عبر محاور استراتيجية خصوصا في ظل العملية النوعية التي أطلقتها قوات الوفاق.

بالإضافة إلى أن استمرار الصراع له معنى آخر وهو فشل كل المحاولات السياسية التي تسعى إلى إيجاد حل دائم للأزمة الليبية في ظل إجهاض حفتر وحلفائه جميع المسارات التفاوضية، كان آخرها إعلانه إسقاط اتفاق الصخيرات الذي يعتبر المرتكز الأساسي لحل الأزمة الليبية بفعل أنه يحظى بتأييد الشرعية الدولية والمجتمع الدولي.

ج ـ سيناريو إنهاء الصراع عن طريق الحل السياسي

يرتكز هذا السيناريو على قبول ميليشيا حفتر الجلوس على طاولة المفاوضات بحيث يعتبر ذلك السبيل للتغطية على هزائمها، في ظل صعوبة مهمة العودة العسكرية بفعل انهيار هذه الميليشيات ومنظومتها المعتمدة بشكل كامل على الدعم الخارجي، وكذا تبعثر أوراقها وتقهقر حساباتها على أرض الواقع. في المقابل تشكل العودة إلى القنوات الدبلوماسية انتصارًا لحكومة الوفاق في مقابل تفوقها العسكري، وهذا المسار سيجعلها أكثر نفوذا وأكثر قوة على مستوى المسار السياسي في ظل مزيد من دعم المجتمع الدولي لشرعيتها.

لكن من مجمل هذه السيناريوهات، فإن تحقيق إحدى المسارات يعتمد بالأساس على ضرورة خروج خليفة حفتر من المشهد الليبي، لأن ذلك يعتبر إحدى اللبنات الأساسية لإيجاد حل نهائي للأزمة الليبية، بحيث أن فشل المسار التفاوضي منذ اتفاق الصخيرات إلى مؤتمر برلين، كان نتيجة لسياسات حفتر الرافضة لمنطق المبادرات الدبلوماسية السلمية التي وضعت في سبيل تحقيق تسوية سياسية، وذلك في ظل اعتماده على الإملاءات الخارجية من حلفائه الرئيسيين.

ومن كل ذلك فإن الوصول إلى حل دائم للأزمة الليبية، لا يمكن أن يرتبط بوجود طرف رفعت ضده دعاوى قضائية في الخارج، وذلك في ظل تزايد المطالبات الدولية بمحاسبته نتيجة ارتكابه لجرائم حرب في حق الليبيين وتدميره لمنشآت الدولة الليبية وإلحاقه الضرر بمقوماتها من الطاقة.

***

د. نورة الحفيان ـ باحثة مغربية، حصلت على درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام، والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، المغرب، نوفمبر 2015.

_____________