Minbar Libya

بعد نحو شهرٍ ونصف من المعارك الضارية والمكثفة على قاعدة الوطية الجوية – جنوب غرب طرابلس – تمكنت قوات حكومة الوفاق من إسقاط المركز الرئيس لقيادة عمليات حفتر في غرب ليبيا.

الجزء الثاني

بعد الانتصارات الأخيرة.. ما هي حدود الدعم التركي للوفاق؟

يُشار للدور التركي بأنه حوّل مسار المعارك في ليبيا بعد حصوله في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، على غطاءٍ شرعيٍ متمثل في توقيع اتفاقية أمنية مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، لتكون مقابلةً للدعم السخي الذي حصل عليه حفتر من الولايات المتحدة، وفرنسا، وروسيا، بالإضافة إلى الذخيرة المصرية، والأموال سعودية، والطائرات الإماراتية.

في حوارٍ أجراه رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري مع قناة «الجزيرة» القطرية، كشف أنّ الدور المنتظر للجيش التركي هو القتال في أماكن احتدام المواجهة مع قوات حفتر فقط، ممثلًا في تخوم الجنوب الليبي للعاصمة الليبية وغربها لمنعه من اختراق الطوق العسكري حول طرابلس؛

ما يعني أنه لم يشمل تطوير الهجوم شرقًا في حال انهزم حفتر في الجنوب والغرب، بل طرد حفتر من تخوم العاصمة وما حولها، وصولًا لقرار سياسي فقط.

وتبدو من خريطة الصراع التي امتدت أكثر من عامٍ خلال معركة طرابلس، أن تركيا لم تسمح لحكومة الوفاق بدفع كتائب مصراته – القوة المكافئة لحفتر – للهجوم على الشرق في ظل سؤال آخر واجهه المشري بشأن امتلاك تركيا لقرار الحرب وتحكمها في وقف إطلاق النار، وهو ما يتعارض مع رغبة الوفاق في استعادة كافة الأراضي الليبية.

الدبلوماسي التركي السابق «سنان أولغن» ويعمل حاليًا ميدير مركز «آدام» للأبحاث في اسطنبول، كان قد صرّح لموقع (دي دبليو) الألماني، بأنّ الهدف الرئيس لتركيا ليس دعم حكومة طرابلس لكسب الحرب ولكن لمساعدتها على البقاء.

وهو ما يرسم اعتبارات جديدة لحدود الدعم التركي وفق حسابات الربح والخسارة، خاصة أنّ ليبيا ساحة حربٍ بالوكالة بين عدة دول ترتبط أنقرة بينهم بعلاقاتٍ متفاوتة.

أولى تلك الاعتبارات التي تمنع تركيا هي الدعم الروسي لخليفة حفتر في الشرق الليبي، وسبق أن قاد الطرفان فرض أكثر من هدنة إجبارية على طرفي الصراع لوقف إطلاق النار، وبالرغم من أنّ أردوغان يقود هجمات على فرنسا بسبب دورها الخفي في ليبيا.

إلا أنه في المقابل يحافظ على بقاء مصالحه مع روسيا في ظل وجودها العلني، وهي علاقة حصدت إلى الآن مستوى مرتفع من التفاهمات مثلما حدث سابقًا في الملف السوري، وعقب سيطرة الوفاق مؤخرًا على قاعدة الوطية، سارع الرئيس التركي لمهاتفة نظيره الروسي، وهو ما رآه البعض تأكيدًا مُبطنًا على التزامه بعدم التصعيد لما يثير حنق روسيا.

عدم الاشتباك مع روسيا ليس فقط ما قد يمنع تركيا من تطوير هجومها لانتزاع الشرق الليبي من قبضة حفتر، وإسقاطًا على المعارك الأخيرة التي خسرها الجنرال الليبي في غرب ليبيا، فإن انتصارات الوفاق اعتمدت أولًا على قطع خطوط الأمداد، ثم تحييد سلاح الجو الذي قلب موازين المعركة بفضل الطائرات التركية، وهي العوامل التي تفتقر لها حكومة الوفاق في جغرافية الشرق الليبي.

يمتلك حفتر في المناطق الخاضعة له نحو تسع قواعد جوية أغلبها في الشرق الليبي، لذا فالطيران التركي الذي حوّل مسار معركة طرابلس، قد لا يكون بمقدوره الاقتراب من الشرق الليبي خوفًا من الوقوع فريسة سهلة للقواعد الجوية من جهة، والدخول في منطقة وصاية مصرية محظورة من جهة أخرى.

من قاعدة عملياته في مدينة بنغازي الحصينة شرق ليبيا، يقود حفتر معاركه العسكرية والسياسية لإحكام قبضته على ما تبقى من التراب الليبي، واختيار بنغازي لتكون قلعة حفتر، ومقر عمليات حفتر العسكرية، جاء نتيجة قربها الجغرافي من الحدود المصرية.

فالقاهرة هي الحليف العربي الأول لحفتر التي وفرت دعمًا جويًا علنيًا خلال معارك شرق ليبيا، ثم رسمت الخطة العسكرية للسيطرة على الجنوب الليبي وصولًا إلى طرابلس.

وبينما كانت خطوط الإمداد في معركة طرابلس في صالح الوفاق، فإن أي معركة محتملة في شرق ليبيا ستكون غالبًا في صالح حفتر. عبر الحدود الشرقية، عبرت المدرعات المصرية التي أنتجتها مصر حصريًا مع شركة تسليح أمريكية، ومن خلال المطار الدولي أو الميناء، زوّدت الأردن والإمارات الجنرال الليبي بأسلحة وعتادٍ إلى جانب نقل جنود وعسكريين باستمرار في محاولة لمنع اختلال موازين القوى في المعركة، بحسب الاتهامات الصادرة عن تقرير للأمم المتحدة.

وبالرغم من خسارته الأخيرة، فلم يزل حفتر يحصل على مظلة عسكرية سخية من حلفائه، إضافة لجبهات قتال قوية ممثلة في شرق ووسط ليبيا التي تحتوي على قواعد جوية، وقبائل موالية، وآبار نفط؛ ما يعني أنّ الوفاق التي لم تحقق ذروة انتصاراتها بعد أمام خيارين، إما خوض حربٍ مجهولة النتائج، أو إحراز انتصار سياسي داخل جبهة حفتر الحصينة.

لكن الأكيد أن ترهونة تقع داخل المدى الذي يتوقع أن دعم تركيا للوفاق للسيطرة عليه لن يخل بالخطوط الحمراء في الموازين الإقليمية.

على غرار انتصاراتها العسكرية.. هل تتمكن الوفاق من إحراز تقدم سياسي؟

تحشد الوفاق منذ مدة للوصول إلى اتفاقٍ سياسي مع برلمان طبرق، في وقتٍ يعاني فيه حفتر من خلافاتٍ مع حلفائه وصلت إلى حد انسحابات وانشقاقات داخل جيشه، ومن وجهة نظر الوفاق، يمكن إنهاء الوجود السياسي للجنرال الليبي الذي فرض نفسه سياسيًا وعسكريًا عبر نزعه أدوات شرعيته التي يعوّل عليها في معركته التي يستهدف بها إسقاط طرابلس.

ونتيجة لبوادر فشل مشروعه العسكري، خاض حفتر مؤخرًا مغامرة بإعلانه إسقاط العملية السياسية بما فيها البرلمان الذي أعطاه لقب قائد الجيش، وأعلن نفسه حاكمًا على ليبيا بتفويض شعبي جديد، وهو ما أدخله في صراعٍ غير مُعلن مع رئيس البرلمان الليبي، وأبرز حلفائه السياسيين المعترف بهم دوليًّا، عقيلة صالح.

الخلاف غير المُعلن بين عقيلة صالح وحفتر ظهرت بوادره سريعًا على الأرض بإعلان كتيبة التوحيد المدخلية السلفية – أبرز مقاتلي حفتر – انشقاقها، والتطورات الأخيرة تأتي ضمن سلسلة انسحابات كبيرة في صفوف قوات حفتر في جبهات القتال، نتيجة النشاط الجوي لحكومة الوفاق.

اللافت أنّ وكالة «نوفا» الإيطالية سارعت بعقد حوار مع عقيلة صالح لسؤاله حول وجود تعارضات بينه وبين حفتر، خاصة بعدما ظهر رئيس البرلمان الليبي في فيديو مسرب وهو في اجتماع بين قبيلته العبيدات رافضًا تفويض الأخير لنفسه للحكم، وبالرغم من أنه نفى وجود خلاف، إلا أنه ألمح في سياق كلامه إلى إمكانية حل الأزمة السياسية مع حكومة الوفاق في حال وافقت هي على تعديل «اتفاق الصخيرات» – التسوية السياسية الاهم في تاريخ الأزمة –.

لأنه من وجهة نظر الشرق الليبي تجاهل مطالبهم، ليطرح بعدها فايز السراج مبادرة سياسية أعلن فيها لأول مرة استعداداه لتعديل الاتفاق السياسي، وتشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين ورئيس حكومة منفصل، أو بالتوافق على مسار دستوري وانتخابات عامة في أقرب وقت.

المبادرة التي طرحتها الوفاق تزامنت مع مبادرة أخرى طرحها رئيس البرلمان الليبي في خضم خلافه غير المعلن مع حفتر، وترتكز على إقصاء الحل العسكري، والتوافق السياسي لتشكيل مجلس رئاسي بالتوافق أو بالتصويت بين ممثلي أقاليم ليبيا الثلاثة، تحت إشراف الأمم المتحدة، يقوم بعد اعتماده بتسمية رئيس للوزراء ونواب له يمثلون الأقاليم الثلاثة، لتشكيل حكومة يتم عرضها على البرلمان لنيل الثقة، ويكون رئيس الوزراء ونائباه شركاء في اعتماد قرارات مجلس الوزراء.

كما تضمنت المبادرة أنّ الإقليم الذي يُختار منه رئيس المجلس الرئاسي لا يختار منه رئيس الوزراء، مع التأكيد على أنه لا يحق لرئيس المجلس الرئاسي ونوابه الترشح لرئاسة الدولة في أول انتخابات رئاسية، وأن يكون للقوات المسلحة حق ترشيح وزير الدفاع.

ومن وجهة نظر عسكرية، فمن مصلحة الوفاق التقدم في المسار السياسي كونها لا تستطيع خوض حرب طويلة المدى في ظل إغلاق حفتر الموانئ النفطية في يناير (كانون الثاني) الماضي، وبلغت الخسائر أربعة مليارات دولار بحسب المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، ويشكل النفط نحو 90% من مصادر الدخل القومي.

انتصارات الوفاق الأخيرة لم تخل من خسائرر كبرى تمثلت في تعرض طرابلس لعجز مالي كبيرة دفعها إلى تغطية الإنفاق العام من الاحتياطيات من النقد الأجنبي، وهو ما يهدد بتبديدها في أقل من عامين.

وهي الأزمة التي دفعت محافظ المصرف الليبي للجوء رسميًا إلى القضاء لمنع التصرف من الاحتياطي الأجنبي الذي بلغ حاليًا نهاية شهر أبريل الماضي 76.8 مليار دولار، مقابل 134.5 مليار دولار بنهاية عام 2010، بحسب البيانات الرسمية لمصرف ليبيا المركزي.

المثير أنه لطالما كانت هناك رغبة في التوافق السياسي بين برلمان طبرق، وحكومة طرابلس منذ عام 2018، فبعدما أشيع نبأ وفاة حفتر في فرنسا، التقى عقيلة صالح بغريمه السياسي خالد المشري، رئيس المجلس الرئاسي في لقاءٍ سري خارج ليبيا استضافته المغرب.

وبالرغم من أنّ مجلس النواب الليبي في طبرق لا يعترف بالمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، إلا أنه جرت تفاهمات بشأن قضايا محورية أبرزها تعديل المجلس الرئاسي، وتشكيل حكومة جديدة، وإصدار قانون الاستفتاء على الدستور من البرلمان.

وهي الخطوات التي تلاشت بمجرد ظهور حفتر مرة أخرى. وفي حال حدث هذا التوافق السياسي بشكل واضح بعد الترهونة، أو قبلها فإنه يغير قواعد اللعبة كليًة.

____________