Minbar Libya

بقلم علي السباعي

ما جرى في ليبيا، منذ 2011م يُوجِب على أهل الأحلام والنّهى والنخب الوقوف مليّا للتفكير والتدبر، وعقد الورش والندوات، لأنّ الفاتورة التي دفعها الليبيون باهضة جدا.

آلالف الشباب قتلوا، والعديد من المدن دمرت، مئات الألاف هُجروا، مسيرة الحياة تعطلت، المدارس والجامعات ينعق فيها البوم!، ناهيك عن انفلات الأمن، وضياع كثير من الجيل وهلم جرا.

والعقلاء وأولوا الأحلام والنّهى لا ينتظرون الأحداث حتى تقع فيبحثون حينها عن العلاج والحلول، بل عليهم أن يستقرأوا الأحداث، ويصطحبوا المواقف الحاضر منها والسابق، ثم يضعون الحلول لتلك المشكلات المتوقعة.

وقد قيل الفتن إذا أقبلت عرفها العقلاء وإذا أدبرت عرفها السفهاء“. ومن الظلم والبغي العظيم أن يفني الشباب أعمارهم في خطوط النار الأولى يذودون عن الأعراض والحمى، ويجلس النخب وأهل المعرفة والتجربة يراقبون الأحداث فقط!

ومن هنا أريد أن أقرأ بعض ما قد يغشانا من أحداث في قابل الأيام:.

أولا: لن أتناول ما قبل 4/4/2019م بالحديث في هذا المقال، إنما الحديث على ما بعد هذا التاريخ، هناك مسلمات وقعت ما بعد هذا التاريخ سأسردها سردا سريعا لأنها أوضح من الشمس في وضح النهار:

ـ المسلمة الأولى: أنّ السّراج وحكومته مهدت الطريق للإنقلابي حفتر بكل السبل والوسائل حتى وصل إلى أسوار طرابلس، وأزاحت من أمامه كل العقبات، خاصة عقبة الثوار، فقد أقصاهم السراج وأبعدهم ولم يصنع لهم أي مشروع لتقويتهم.

الأدلة كثيرة على هذا الأمر وليس هنا محل بسطها، لكن منها على سبيل الإختصار، تفكيك القوة الثالثة في الجنوب، التفريط قاعدة الجفرة، التفريط في الموانئ والحقول، تمكين الإنقلانبيين من صبراتة بعد تحريرها، عدم جمع الثوار في جسم واحد، عدم تدريبهم وتطويرهم، فضلا عن تهميشهم ووقف مرتباتهم ونحو ذلك، عدم الإستجابة لضباط المنطقة الغربية بتشكيل الجيش بعيدا عن الإنقلابي حفتر..إلخ.

ـ المُسلمة الثانية: بمجرد وصول حفتر إلى أسوار طرابلس، انتهت شرعية السّراج وسقطت، ولا أعني أن المجتمع الدولي سحب الإعتراف منه، لا، إنما أعني عمليا صار السراج منتهيا في حس المجتمع الدولي ولو دخل حفتر طرابلس لتعامل معه المجتمع الدولي على أنه حاكم ليبيا الشرعيكما تعاملوا مع السيسيالذي انقلب على شرعية مرسيالذي جاء به الصندوق الانتخابي المصري.

ـ المُسلمة الثالثة: أنّ الذي ثبت شرعية السراج هم الثوار الذين تدفقوا من مدن وقرى وقبائل ليبيا للدفاع عن عاصمتهم ورد كيد هجوم حفتر، وحينما استطاع الثوار ـ الذين حاربهم وهمشهم السراج منذ 2016م ـ منع حفتر من دخول العاصمة، عندها فقط بدأ المجتمع الدولي يفكر في الحل السياسي، ولا يوجد من يمثل الثوار الأبطال إلا السراج!، فهنا، وهنا فقط، عادت للسراج شرعيته (فاحفظ هذا وعلمه لأبنائك وأحفادك!).

ثانيا: الحليف الوحيد الذي ساند قوات بركان الغضب هو تركيا فقط، وربما قطر لكن ليس بحجم تركيا، ومع صمود قوات بركان الغضب الإسطوري إلا أنهم كانوا يواجهون دول متعددة، والقوة لم تكن متكافئة اطلاقا، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وقد بلغت القلوب الحناجر حينما تقدمت قوات متعددة الجنسيات بقيادة الفاغنر ومع الطيران المسير وأحدث التقنيات إلى (أبوسليم) و (صلاح الدين) حتى كانوا قاب قوسين أو أدنى من دخول العاصمة (وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه أيضا).

ثالثا: يعتقد كثير من الناس، أنّ تركيا دعمتنا عسكريا فقط، وهذا اعتقاد قاصر يجب بيانه للأجيال الحاضرة، والأجيال القادمة أيضا. أهمية الدعم التركي يتجسد في أمرين مهمين:

ـ الأمر الأول: وهو العسكري، وهذا أمر يعلمه الخاص والعام، وقد نزلت تركيا بثقلها لصد العدوان عن طرابلس، جوا، وبحرا، وبرا، ودون الدخول في التفاصل، فقد استطاعت تركيا مد قوات بركان الغضب بكل ما يحتاجونه من العتاد العسكري، الذي أنتج كل هذه الانتصارات الباهرة (وهذا أيضا مجمع عليه ونحن جميعا عليه شهود).

ـ الأمر الثاني: وهو الذي ترتب عليه الأمر الأول، ولولاه لما كان الدعم العسكري بهذا الشكل، فلا تظنن العالم غابة، بمجرد أن يأخذ أردوغان بندقيته وينزل لليبيا، الأمر ليس كذلك، إنما كانت هناك جهود سياسية مضنية بذلتها تركيا مع اللاعبين الكبار = أمريكا وروسيا وبريطانيا.

وفي عالم السياسية لا يوجد شئ بدون مقابل، فهناك تفاهمات كبرى بين أردوغان وبين هؤلاء الكبار، تضمن مصالح هؤلاء في ليبيا، وفي جهات أخرى كتركيا نفسها وسوريا، فكل من أمريكا وروسيا لهما مصالح كبرى مع تركيا، فأردوغان حتى يفكك التحالف الذي انعقد ضد السراج وحكومته = الممثل السياسي لقوات البركان، فقد بذل من الوعود لضمان مصالح هؤلاء الكبار ما لا نستطيع حتى التكهن به، فالرجل = أردوغان حرق السفن لأجلك، ولا تظنن أنّ تبدّل مواقف أمريكا والنيتو وبريطانيا وغيرهم جاء لأجل صرخات الليبيات ودموع أطفالهم! (فافهم هذا جيدا واعرف للرجل فضله وقدره).

رابعا: قد يقول قائل، أردوغان جاء لمصالح بلاده أيضا، أقول وهل في ذلك معرّة أو عيب، كل الدنيا قائمة على تبادل المصالح، حتى النبي صلى الله عليه وسلم كان يرعى الغنم ويتاجر في مال خديجة رضي الله عنها مقابل ثمن، وتركيا أولى الدول بكل العقود والإنشاءات ونحو ذلك.

ويظل ما فعله معنا أردوغان لا توفيه العقود ولا الإنشاءات، وإنّ همجا تفخخ بيوت ومنازل الأمنين حريّ بمن أنقذنا منهم أن نكون معه أوفياء.

خامسا: هذا التحالف الشرير الذي انعقد ضد قوات بركان الغضب، والذي سخر الله أردغان لتفكيكه، قد ينعقد مرة أخرى، ولا تظنن قوى الشر = بن زايد وبن سلمان والسيسي وبن الحسين ومن وراءهم فرنسا ونيتنياهو وغيرهم، ما علمنا منهم وما لم نعلم، أنها ستتركك تنعم بالأمن والراحة، بل هم يتربصون بك الدوائر ويتحينون الفرص للإنقضاض عليك.

وهذا يستدعي تقوية العلاقة مع حليفنا الإستراتيجي التركي، ولا تخرج صيحات سخيفة بعد أن تضع الحرب أوزارها تنادي بالإستغناء عن حليفنا التركي، هذا لا يفعله عاقل حتى إذا كنا دولة قوية ذات مؤسسات متماسكة.

أما والقذافي قد ترك لنا ليبيا قاعا صفصفا، لا مؤسسات ولا دستور ولا بنية تحتية ولا جيش ولا شرطةإلخ فهذا يستدعي توطيد العلاقة، وبناء الجسور المتينة مع الحليف التركي، الذي أثبت بلا شك ولا ريب أنه حليف قوي وقادر على أن يجلس في الطاولة التي يجلس فيها الكبار!.

سادسا: غرف العمليات التي في دبي والقاهرة وعمانإلخ والتي تخطط وتدير الأدوات المحلية العسكرية والإعلامية والسياسية والإجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني وشيوخ القبائل وشيوخ الدين..إلخ لا تظنها ستغفل عن المُسلمات التي ذكرتها لك في النقاط السابقة، إنما ستعمل الليل وتتبعه النهار من أجل إفساد هذه العلاقة.

ولو كنت أحد من يرسمون السياسات في غرف الشر تلك ـ وحاشيا من ذلكم العار ـ سأفكر كالتالي:

ـ مما هو معلوم، أنّ المهيمن على المشهد السياسي الليبي منذ سقوط القذافي حزبان كبيران، ولا داعي لذكر الأسماء لأنها معلومة، كل حزب اختار لنفسه وجهة، منهم من رأى في قطر وتركيا حليفا له، والحزب الآخر رأى في أبو ظبي والقاهرة حليفا استراتيجا له، وكلا الحزبين، اتخذ مع حليفه خطوات متقدمة، استثمارات، وعلاقات..إلخ. (هذا أيضا مجمع عليه).

ـ واستمر الحال هكذا، حتى هجم حفتر على طرابلس، أو ربما قبلها = منذ اتفاق الصخيرات. عند ذلك، انقسم فريق أبو ظبي فريقان، فريق استمر في دعم مشروع حفتر، وفريق آخر انشق جزئياعن أبوظبي والقاهرة، والفريق المنشق عن أبوظبي له ثقله في طرابلس ومؤسساتها، وهم صناع قرار في أعلى هرم الدولة، ولولا هجوم حفتر على طرابلس الذي جعل هذا الفريق المنشق في زاوية ضيقة، لما رأيت حكومة الوفاق ورئيسها قد اقترب قيد انملة من تركيا!.

ـ هذا الفريق المنشق في موقف لا يُحسد عليه، فهو من ناحية، كل علاقاته وامتدادته واستثماراته..إلخ في أبوظبي والقاهرة، أي في المعسكر الإنقلابي، وفي نفس الوقت، يرى في الحزب المنافس له قد سبقه إلى تركيا، وقليل من الناس من يُقدم مصلحة الوطن على مصلحته الشخصية والحزبية، ومن وجهة نظري.

كل ما ترونه من سوء الأداء والتلكؤ الذي من حكومة الوفاق مصدره هذه القضية تحديدا، بل حتى عدم اتخاذ موقف صارم من دويلة الإمارات كقطع العلاقات ونحوه مصدره هذه القضية، فالموضوع خطير جدا، ولو كنت، كما ذكرت سالفا، في أحد غرف العمليات الإنقلابية سأتواصل مع هذا الفريق وبقوة، ولا أظن دحلان وفريقه! يغفل عنه.

ـ الفريق المنشق لا يُستهان به، وهو على رأس الدولة، وعنده المقدرة على فعل الكثير، ويمكن أن تتقاطع مصالحه مع غرف عمليات دحلان في مسألة أساسية، وهي إضعاف الحليف الإستراتيجي التركي، وعندما تضع الحرب أوزارها ويبتعد كابوس الحرب عن طرابلس، سيكون تفكير الفريق المنشق غير تفكيره الآن، أضعف الإيمان قد يفتح خطوط استراتيجية مع خصوم تركيا!.

أخيرا: لك أن تقرأ وتعيد القراءة فيما سبق، ولكنه واقع يحتاج إلى تفكير وحل، وهذا يحتاج إلى عمل دؤوب وتنظيم وترتيب، ولا تنتظر من ثائر يمتشق سلاحه منذ أكثر من سنة ليضع لك حلا في قضية ربما لا يدرك حتى ما هيتها!.

إنما تقع المسؤولية على نخب المدن التي يدفع أبناءها الدم، كمصراته وزليتن والزاويةإلخ، وهنا بعض الإشارات التي يمكن من خلالها التفكير في المعضلات السابقة:

ـ العمل على إيجاد تكتل وطني بعيدا عن الحزبين المتنافسين منذ 2011م، فليبيا تزخر بالنخب والمثقفين، فلماذا لا يوجد تكتل آخر يستطيع إقناع المواطن الليبي بمشروعه، ويستطيع في ذات الوقت إقناع المجتمع الدولي بثقله ووجوده، ويكون قادرا على خوض الإنتخابات القادمة بجدارة، ويستطيع، وهو الأهم، المحافظة على الحليف الإستراتيجي التركي.

ـ على جماعة الإخوان المسلمين عموما، وحزب العدالة والبناء خصوصا أن يتخلوا تماما عن فكرة أنهم الوكيل الحصري لتركيا في ليبيا، فهذه الفكرة تدمرهم أولا، وتدمر ليبيا ثانيا، وعقلاء الجماعة يجب أن يكون لهم دور كبير في إقناع الجماعة والحزب بهذه القضية.

ـ يجب إقناع الفريق المنشق عن أبوظبي أنّ العلاقة مع الحليف التركي علاقة استراتيجة، يترتب عليها صلاح وطن، ويترتب عليها مصير أجيال، وأن المساس بهذه العلاقة هو مساس بليبيا حاضرها ومستقبلها، فسفينة الوطن حطمها القذافي ولم يبق منها إلا مجموعة من الأخشاب المتلاصقة، مرهونة بهبة ريح دحلانية فتتحطم، فنحن محتاجين إلى تركيا أكثر من احتياج تركيا لنا.

ومن حق الفريق المنشق أن يكون له دور وحضور في المرحلة القادمة لكن دون المساس بتلك العلاقة الاستراتيجة أو عرقلتها.

والله الموفق.

ـ اعتقادي الجازم، أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يمدنا بالنصر، فالثوار وتركيا مجرد أسباب، ربما سخرها الله انتصارا لدعوة مظلوم، أو دمعة يتيم، أو دم شهيد صادق، أو زفرة أم مكلومة.

***

د. علي السباعي ـ كاتب وباحث أكاديمي، وعضو مقاطع لمجلس النواب

____________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك