Minbar Libya

بقلم أحمد عبد الجواد

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا عن إنجازات حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا، ضد مجرم الحرب خليفه حفتر ومرتزقته، بعنوان: “من إدلب إلى طرابلس تركيا تنتزع السيطرة في ليبيا“.

وأورد التقرير أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اتخذ قرارا جريئا بدعم حكومة الوفاق الليبية، بعد شعوره بأن مليشيا حفتر باتت قريبة من دخول طرابلس العاصمة. ووقع أردوغان معاهدات جديدة مع الحكومة الشرعية حول الحدود البحرية بين البلدين، واتفاقية أخرى حول الدعم العسكري، والتي بسببها جن جنون أعداء تركيا والثورة الليبية على حد سواء.

وكانت حكومة الوفاق تفتقد الدعم العسكري والدبلوماسي باستثناء من تركيا وقطر، وبعد توقيع تلك المعاهدة بات واضحا وجليا للجميع النجاحات المبهرة التي حققتها طائرات الاستطلاع والمسيرات التركية، والتي توجت بالسيطرة على قاعدة الوطية الجوية، وجل المناطق التي كان يسيطر عليها حفتر في غرب ليبيا.

وحاولت الإمارات باعتبارها الوكيل الحصري للانقلابات والثورات المضادة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتبنت عملية فاشلة كُشف عنها النقاب أخيرا، لدعم فلول وبقايا مرتزقة حفتر، شارك فيها مرتزقة من بريطانيا، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، والولايات المتحدة الأمريكية؛

انطلقوا من الأراضي الأردنية بإشراف مباشر لرجل أعمال أسترالي يدعى كريستيان دورانت، ورعاية ومشاركة مؤسس شركة بلاك ووترإيريك برنس.

تمثلت هذه المهمة الفاشلة في منع وصول المساعدات العسكرية التركية عبر البحر المتوسط لقوات حكومة الوفاق الليبية، وبناء قاعدة هجوم بحرية للقيام بمداهمة وتفتيش أي سفينة تجارية.

ومنذ أيام قليلة ماضية، ومن خلال روسيا هذه المرة، وصلت طائرات روسية عسكرية لدعم حفتر، إلى قاعدة الجفرة الجوية الخاضعة لسيطرة الإمارات شرق ليبيا، خاصة بعد فشل منظومة الدفاع الروسيةبانتسير“. يأتي هذا الدعم الروسي في إطار الحرب النفسية، واستغلال رغبة حفتر وداعميه بالانتقام لكبريائهم المراق، وربما كمحاولة للضغط على تركيا بما يضمن لروسيا مكانا على مائدة التفاوض لاحقا.

ومن دلائل الحرب النفسية، تلك التصريحات الرعناء، والتهديدات الجوفاء التي أطلقها مجرم الحرب الآخر صقر الجروشي، قائد ما يسمى القوات الجوية لحفتر، والتي هدّد فيها بشن أكبر حملة جوية في تاريخ ليبيا قريبا! وبأن كل المواقع والمصالح التركية في جميع المدن، ستكون هدفا مشروعا للمرتزقة.

ومن خلال ما سبق نؤكد أن الانتصارات الميدانية التي حققتها قوات حكومة الوفاق المدعومة بشكل مباشر من تركيا، لم تكن ضد مليشيا حفتر بل ضد داعميه، خاصة روسيا والإمارات، وهو الأمر الذي قد يدفع بروسيا للتورط في المزيد من الدعم لحفتر من خلال ثقلها وعتادها.

ومع الأخذ في الاعتبار هؤلاء المرتزقة القادمين من سوريا، فهذا يدلل على تورط إيران بشكل أو بآخر في دعم حفتر. وفي المقابل وعلى سبيل الاستعداد التام للحسم، أقلعت طائرة شحن عسكرية تركية من طراز “C 130” برفقة ست مقاتلات “F16”  (معدلة على نظام محلي تركي) متجهة نحو الأراضي الليبية.

ولم تكتف تركيا بذلك، بل عمدت إلى أن يكون الكشف عن آخر طراز من طائراتها المسيرة في أول أيام عيد الفطر المبارك.. “بيرقدار أكينجيذات القدرات التكنولوجية العالية التي بوسعها تدمير كل أهدافها أرضا وجوا وبحرا بكل أريحية.

ولم يتوقف الدعم التركي للثورة الليبية وقوات حكومة الوفاق على الدعم الفني والعسكري واللوجستي، بل كان المسار السياسي الدبلوماسي ملعبا آخر صالت وجالت فيه الدبلوماسية التركية، واستطاعت خلاله تقليص الرهان على حفتر، والعمل على تآكله وانهياره، وإفقاده كثيرا من دعم الأطراف الدولية.

وبالفعل، رأينا تلك التصريحات التي أدلى بها أمين عام حلف الناتو ويدعم دور تركيا في ليبيا، وكذلك حكومة الوفاق ضد انقلاب حفتر، وذلك عقب لقاء مع رئيس تركيا.

وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية بدأت في تغيير موقفها بشكل كبير من حفتر، وخير دليل تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الذي أعلن فيها دعم حكومة الوفاق.

كما خرج مسؤولون في القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا أفريكومباتهامات لروسيا بشكل مباشر، وأنها تحاول إدخال مجموعات شبه عسكرية إلى ليبيا لدعم حفتر. ووصف العسكريون الأمريكيون الوجود الروسي في ليبيا بأنه أكثر خطورة من التهديد الذي يمثله داعش، ومحاولة سورنةليبيا وتحويلها لحرب بالإنابة.

ويأتي موقف الناتو وأمريكا بعد استشعارهما بالتهديد الروسي بالسيطرة على موانئ ليبيا والحقول النفطية، وهو ما يعد نقطة ضعف خطيرة في خاصرة أوروبا الجنوبية.

وهنا تجب ضرورة الأخذ في الاعتبار أن أمريكا وأوروبا لم تقطعا بشكل كامل خطوط الاتصال مع الشيطان.

إن ليبيا اليوم أمام لحظة مصيرية في مسيرة الثورة، بل في مسيرة ثورات الربيع العربي المباركة التي تتجه أنظار شعوبها نحو ليبيا لدحر مشاريع الثورة المضادة، لتكون تكأة وثكنة تنطلق منها باقي الثورات للنصر بإذن الله.

وخلاصة القول: تثبت تركيا الجديدة بقيادة أردوغان أنها كبيرة ولا تخشى في الحق لومة لائم، وأنها القلعة الحصينة الآن للدفاع عن الأمة ومصالحها الكلية والاستراتيجية، وإفشال كل مخططات التقسيم التي دبرت وما زالت تدبر في أبو ظبي، برعاية ودعم وحماية محمد بن زايد.

ونحتاج كي نستوعب الصورة الكُلية لما يحدث في ليبيا الآن أن نسترجع علاقة ليبيا بالبحر الأبيض المتوسط وبمصر وبتركيا، وأن نستخدم الأبعاد التاريخية والجيوسياسية التي رسمتها وخلَّفتها الغزوات الصليبية الأوروبية لقلب الأمة، ومنها:

احتلال فرنسا لشمال أفريقيا عام 1830م،

واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882م،

وغزو إيطاليا لليبيا عام 1911م،

ثم قيام حكومة الاتحاد والترقي العلمانية بتسليم ليبيا إلى إيطاليا بناء على توقيع اتفاقية لوزان الأولى (معاهدة أوشي) عام 1912 بين إيطاليا والدولة العثمانية، والقاضية بانسحاب الأخيرة من ليبيا لصالح إيطاليا.

إن ما يقوم به الأتراك الآن، وما يقوم به ثوار ليبيا وثوار سوريا، بل وحتى ثوار اليمن، إنما يتقاطع على حقيقة واحدة، وهي نقض المعادلة السياسية والتاريخية الآثمة التي خلَّفتها تلك الحملات الصليبية، وخصوصا عندما قررت الانسحاب من المناطق التي احتلتها ثم ثبَّتت أنظمة لكي تحل محلَّها وتقوم بأدوارها.

وهو أمر باق إلى هذه اللحظة، ومهمة النقض هذه إنما هي مهمة عمر المختار التي اختار الليبيون والأتراك أن يستأنفوها في هذه اللحظة من التاريخ.

***

أحمد عبد الجواد ـ كاتب صحفي

___________